هل التحديث يعني أن نخجل من الشعائر الحسينية؟
السؤال: بعض المثقفين الشيعة طرح فكرة مخاطبة العالم الحديث من خلال تطوير الشعائر الحسينيَّة لتناسب نمط الحياة الحاليّ وما به من تقنياتٍ مثل إقامة ندواتٍ ثقافيَّةٍ ومسرحياتٍ وأفلام ميديا أو تبرعٍ بالدم وإقامة مشاريع خيريةٍ باسم الإمام الحسين وذلك أفضل من طقوسٍ قديمةٍ وفيها مظاهر مقززةٌ للنفوس كاللطم والإدماء تُستغَلّ إعلاميّاً ضدّ التشيع؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الطرح في ظاهره يبدو عقلانيّاً وجذّاباً؛ لأنَّه يتحدّث عن مخاطبة العالم الحديث، واستثمار التقنيات الجديدة، وتحويل اسم الإمام الحسين (عليه السلام) إلى مشاريع ثقافيَّةٍ وخيريَّةٍ وإنسانيَّةٍ. وهذه كلّها أمورٌ لا يرفضها عاقلٌ، بل هي مطلوبةٌ ونافعةٌ ومهمةٌ. فمن الخطأ أنْ تبقى قضيَّة الحسين (عليه السلام) محصورةً في قالبٍ واحدٍ، أو أنْ نعجز عن إيصالها بلغة العصر، أو أنْ نهمل المسرح والسينما والإعلام الرقميّ والندوات الفكريَّة والمشاريع الاجتماعيَّة وخدمة الناس باسم الإمام الحسين (عليه السلام).
لكنَّ المشكلة ليست في هذا الجزء من الكلام، بل في الجزء الآخر منه؛ حين يتحول «التطوير» إلى عنوانٍ لإلغاء القديم، وحين يصبح «مخاطبة العالم الحديث» ذريعةً للاعتذار من شعائر الحزن والبكاء واللطم، وكأنَّ المطلوب أنْ نعيد صياغة عاشوراء بما يرضي ذوق المتفرّج الخارجيّ، لا بما يحفظ حقيقة الفاجعة ومعناها وهويتها.
فالسؤال الحقيقيّ ليس: هل نستخدم الوسائل الحديثة في خدمة القضيَّة الحسينيَّة؟
نعم، وبكلّ وضوحٍ.
وإنَّما السؤال الحقيقيّ هو: هل معنى استخدام الوسائل الحديثة أنْ نلغي الشعائر الوجدانيَّة التي حفظت عاشوراء في ضمير الأمة قروناً طويلةً؟
والجواب: لا.
إنَّ الخطأ المنهجيّ في هذا الطرح أنَّه يقيم تعارضاً مصطنعاً بين الشعائر التقليديَّة والمشاريع الحديثة، وكأنَّنا أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا لطمٌ وبكاءٌ ومواكبٌ، وإمّا ندواتٌ ومسرحياتٌ وأفلامٌ وتبرعٌ، وهذا غير صحيحٍ. فالأمة تستطيع أنْ تبكي الحسين (عليه السلام)، وتخدم الناس باسم الحسين (ع)، وتلطم حزناً على الحسين (ع)، وتنتج فيلماً راقياً عن الحسين (ع)، وتقيم ندوةً فكريَّةً عن نهضة الحسين (ع)، وتؤَسس مشروعاً خيريّاً باسم الحسين (ع). هذه ليست بدائل متناقضةً، بل دوائر متكاملةٌ.
فكما لا يصحّ أنْ نقول: ما دمنا نطبع المصاحف ونقيم المسابقات القرآنيَّة فلا حاجة إلى تلاوة القرآن في المجالس، كذلك لا يصحّ أنْ نقول: ما دمنا نقيم مؤسّساتٍ خيريَّةً باسم الإمام الحسين فلا حاجة إلى مجالس العزاء والبكاء واللطم. لكلّ شيءٍ موقعه ووظيفته. المسرحية وسيلةٌ توعويةٌ مؤثرةٌ، لكنَّها لا تقوم مقام العزاء، والندوة الثقافيَّة تشرح الفكرة، لكنَّها لا تعوّض حرارة الوجدان، والمشروع الخيريّ يخدم الناس، لكنَّه لا يختصر معنى كربلاء.
عاشوراء ليست مجرّد «قضيَّةٍ ثقافيَّةٍ» حتى يكفي أنْ نحوّلها إلى محاضراتٍ وندواتٍ، وليست مجرّد «قضيَّةٍ إنسانيَّةٍ» حتى يكفي أنْ نحوّلها إلى تبرعاتٍ ومبادراتٍ، وليست مجرّد «قضيَّةٍ إعلاميَّةٍ» حتى نعيد تشكيلها بحسب ما يراه الإعلام مناسباً أو غير مناسبٍ. عاشوراء واقعةٌ إيمانيَّةٌ ووجدانيَّةٌ وتاريخيَّةٌ ورساليَّةٌ؛ فيها العقيدة، وفيها المظلومية، وفيها الدمعة، وفيها الموقف، وفيها الوعي، وفيها الخدمة، وفيها الاستنهاض. ومَنْ يختزلها في جانبٍ واحدٍ، ولو كان جانباً جميلاً، فإنَّه يظلمها من حيث يريد خدمتها.
ثمَّ إنَّ الشعائر القديمة لم تكن مجرّد عاداتٍ شعبيَّةٍ فارغةٍ، بل كانت الوسيلة الكبرى التي حفظت الذاكرة الحسينيَّة عبر الأجيال. كثيرٌ من الناس لم يتعرّفوا على الحسين (عليه السلام) أوَّلاً من خلال كتابٍ فلسفيّ ولا ندوةٍ أكاديميَّةٍ، بل من خلال مجلس عزاءٍ، أو موكبٍ، أو قصيدةٍ، أو دمعةٍ، أو لطم صدرٍ، أو رايةٍ سوداء، أو صوت ناعيةٍ. هذه اللغة الوجدانيَّة صنعت انتماءً عميقاً لا تستطيع اللغة الثقافيَّة المجردة أنْ تصنعه وحدها.
وهنا ينبغي أنْ نفهم أنَّ الإنسان ليس عقلاً فقط. الإنسان عقلٌ وقلبٌ وجسدٌ وذاكرةٌ ومشاعر ورموزٌ. ولذلك كلّ الأمم تعبّر عن قضاياها الكبرى بطقوسٍ ورموزٍ وألوانٍ وأصواتٍ وحركاتٍ. الجيوش تقف دقيقة صمتٍ، والشعوب ترفع الأعلام، والناس يضعون الزهور على قبور ضحاياهم، وبعض المجتمعات تقيم مسيراتٍ جنائزيَّةً ضخمةً، وأخرى تلبس السواد، وأخرى تقرع الأجراس، وأخرى تنحني أمام النصب التذكارية. فلماذا يُسمَح لكلّ شعوب الأرض أنْ تعبّر عن حزنها ورموزها بلغةٍ جسديَّةٍ ووجدانيَّةٍ، ثمَّ حين يصل الأمر إلى الشيعة يصبح اللطم «مظهراً مقززاً»؟
اللطم، في أصله وحدوده المتعارفة، ليس فعلاً عبثيّاً ولا عنفاً مَرَضيّاً، بل هو لغة حزنٍ. الإنسان حين يُفجَع بمصيبةٍ عظيمةٍ لا يكتفي بالشرح النظريّ، بل يتأثر جسده كما يتأثر قلبه. تدمع عينه، يتغير صوته، يضع يده على صدره، يصرخ أحياناً، ينهار أحياناً. فكيف إذا كانت المصيبة هي مصيبة الحسين (عليه السلام)، بما تحمله من معنىً دينيّ وتاريخيّ ووجدانيّ عند المؤمنين؟
نعم، هذا لا يعني أنَّ كلّ ممارسةٍ باسم الشعائر صحيحةٌ تلقائيّاً، ولا أنَّ كلّ أسلوبٍ ينبغي الدفاع عنه بلا نقاشٍ. هناك فرقٌ بين الدفاع عن «أصل الشعائر»، وبين تقديس «كلّ صورةٍ جزئيَّةٍ» تُمارَس باسمها. فما كان محرَّماً في نفسه، أو موجباً لضررٍ معتدٍ به، أو داخلاً في عنوان الهتك والوهن - بحسب تشخيص الفقيه والظرف -، فله حكمه الشرعيّ. وما كان خارجاً عن الذوق العامّ للمؤمنين، أو مشوّهاً للرسالة، أو مصحوباً بسلوكٍ غير منضبطٍ، فينبغي إصلاحه وتهذيبه. لكنَّ الإصلاح شيءٌ، وحملة الإلغاء شيءٌ آخر.
ومن هنا يجب التفريق بين اللطم، بوصفه مظهراً واسعاً من مظاهر العزاء والحزن، وبين بعض الممارسات التي قد يقع حولها خلافٌ فقهيّ أو اجتماعيّ أو إعلاميّ. ولا يصحّ أنْ نجمع كلّ الشعائر في سلةٍ واحدةٍ، ثمَّ نحاكمها بأشدّ الصور إثارةً للجدل. فمن أراد أنْ يناقش بعض الممارسات فليكن نقاشه فقهيّاً وهادئاً ومنضبطاً، لا أنْ يتخذها مدخلاً للطعن في أصل العزاء، وأصل اللطم، وأصل الموكب، وأصل الحزن العامّ على سيّد الشهداء (عليه السلام).
أمّا القول إنَّ بعض هذه المظاهر تُستغَلّ إعلاميّاً ضدّ التشيع، فهو صحيحٌ من حيث الواقع، لكنَّه ليس معياراً كافياً لإلغاء الشعائر. فالإعلام المعادي يستطيع أنْ يستغلّ كلّ شيءٍ. استغلّوا البكاء وقالوا: الشيعة أمّة حزنٍ. واستغلّوا زيارة الأربعين وقالوا: حشودٌ طائفيَّةٌ. واستغلّوا العمامة وقالوا: كهنوتٌ. واستغلّوا الخمس وقالوا: تجارة دينٍ. واستغلّوا المتعة، والتقيّة، والزيارة، والتربة، والدعاء، وحتى حبّ أهل البيت (عليهم السلام) نفسه. فهل نلغي كلّ ما يستغله الخصم إعلاميّاً؟
لو جعلنا معيارنا هو ما يقبله الإعلام المعادي، فلن يبقى من هويّتنا شيءٌ؛ لأنَّ مشكلة هذا الإعلام ليست مع صورةٍ جزئيَّةٍ هنا أو هناك، بل مع أصل التشيّع، وأصل الولاء، وأصل الحسين (ع)، وأصل الذاكرة التي لا تريد أنْ تموت. ولذلك فإنَّ المطلوب ليس أنْ نهرب من شعائرنا كلّما شوّهها خصمٌ، بل أنْ نحسن شرحها، وننقّيها ممّا لا يليق بها، ونطوّر خطابنا حولها، ونقدّم صورتها الحقيقيَّة بوعيٍ وثقةٍ.
ثمَّ إنَّ عبارة: «مظاهر مقزّزة للنفوس»، تحتاج إلى مراجعةٍ. أيّ نفوسٍ تقصد؟ نفوس المؤمنين الذين يجدون في العزاء حياةً لقلوبهم؟ أم نفوس المتربّصين الذين لا يرضيهم أصل الشعيرة؟ أم نفوس بعض المتأثّرين بالذوق الغربيّ الحديث الذي يريد من الدين أنْ يكون هادئاً، نظيفاً، بلا دموعٍ، بلا صرخاتٍ، بلا جسدٍ، بلا حزنٍ علنيّ؟ ليس كلّ ما لا ينسجم مع ذوق فئةٍ معينةٍ يصبح قبيحاً في نفسه. كثيرٌ من الممارسات الدينيَّة والاجتماعيَّة تبدو غريبةً لمَنْ يراها من خارج سياقها، لكنَّها تحمل معنىً عميقاً لأهلها.
ومع ذلك، لا ينبغي أنْ نتهرّب من الحاجة إلى التطوير. نعم، نحن بحاجةٍ إلى خطابٍ حسينيّ أرقى. بحاجةٍ إلى مجالس أكثر وعياً. بحاجةٍ إلى خطباء يجمعون بين حرارة المصيبة وعمق الفكرة. بحاجةٍ إلى مواكب منظمةٍ ونظيفةٍ ومنضبطةٍ. بحاجةٍ إلى إعلامٍ حسينيّ محترفٍ. بحاجةٍ إلى أفلامٍ ووثائقيّاتٍ ومسرحيّاتٍ راقيةٍ. بحاجةٍ إلى منصّاتٍ رقميّةٍ تخاطب الشباب بلغتها. بحاجةٍ إلى تحويل قيم عاشوراء إلى مشاريع اجتماعيَّةٍ: علاجٌ، تعليمٌ، إغاثةٌ، تبرعٌ، كفالةٌ، دعم فقراء، نصرة مظلومين.
لكنَّ كلّ هذا يجب أنْ يكون إضافةً إلى الشعائر، لا بديلاً عنها. نطوّر ولا نستأصل. نوسّع ولا نمحو. نهذّب ولا نحتقر. نرتقي بالشعيرة ولا نخجل منها. نفتح للحسين (عليه السلام) أبواب السينما والمسرح والإعلام والعمل الخيريّ، لكنْ لا نغلق في وجهه باب الدمعة والمأتم واللطم والموكب.
إنَّ منطق «استبدال الشعائر بالمشاريع الخيريَّة» يكشف أحياناهم عن فهمٍ ناقصٍ للدين. فالدين لا يريد من الإنسان أنْ يكون نافعاً اجتماعيّاً فقط، بل يريد أنْ يربي وجدانه، ويصوغ ذاكرته، ويعمق ولاءه، ويجعله يعيش الحقّ لا أنْ يتحدث عنه فقط. لذلك كان البكاء على الحسين (عليه السلام) مدرسةً روحيَّةً، لا مجرّد انفعالٍ عاطفيّ. فالذي يبكي الحسين (ع) بصدقٍ لا يبكي رجلاً قُتِل في الماضي فقط، بل يبكي الحقّ حين يُذبَح، والكرامة حين تُهَان، والدين حين يُشَوَّه، والإنسان حين يتحول إلى عبدٍ للطاغية.
ولو تحوَّلت عاشوراء إلى ندواتٍ باردةٍ ومشاريع إداريَّةٍ فقط، فقد نخسر سرَّها الأكبر: حرارة المصيبة. وهذه الحرارة ليست أمراً ثانويّاً. هي التي جعلت عاشوراء حيّةً، وهي التي منعت الواقعة من أنْ تتحوّل إلى فصلٍ في كتاب تاريخٍ، وهي التي أبقت الحسين (عليه السلام) حاضراً في البيوت والقلوب والطرقات. قد يشرح المثقف كربلاء بلغةٍ جميلةً، لكنَّ الدمعة تجعل كربلاء تسكن القلب. وقد تقدّم المؤسّسة مشروعاً خيريّاً باسم الحسين (ع)، لكنَّ المجلس يجعل الإنسان يشعر أنَّه ابن تلك القضيَّة، لا مجرّد متبرّعٍ لها.
وفي المقابل، لو بقيت الشعائر بلا وعيٍ، وبلا خطابٍ، وبلا تهذيبٍ، وبلا أثرٍ أخلاقيّ واجتماعيّ، فإنَّها تفقد بعض قدرتها على الهداية. فالمطلوب ليس أنْ نختار بين الوعي والعزاء، بل أنْ نجعل العزاء واعياً. وليس أنْ نختار بين اللطم والعمل الخيريّ، بل أنْ يكون اللطم مدخلاً إلى العمل، وأنْ تكون الدمعة بدايةً للموقف، وأنْ يكون المجلس مصنعاً لإنسانٍ حسينيّ في أخلاقه وعبادته وشجاعته ونصرته للمظلوم.
وفي المحصّلة، نعم لتطوير الشعائر الحسينيَّة، لا لاستبدالها. نعم للندوة والمسرح والفيلم والميديا والتبرّع والمشاريع الخيريَّة، لا لتحويلها إلى سلاحٍ ضدّ اللطم والمجالس والمواكب. نعم لتنقية بعض الممارسات من الشوائب، لا لاحتقار الوجدان الشعبيّ الذي حمل عاشوراء قروناً. نعم لمخاطبة العالم الحديث، لا للاستسلام لمقاييس العالم الحديث حين يريد أنْ يحدّد لنا كيف نحزن، وكيف نوالي، وكيف نحيي مصاب إمامنا.
فالحسين (عليه السلام) لا يحتاج إلى شعائر جامدةٍ ترفض كلّ جديدٍ، ولا إلى حداثةٍ مستلَبةٍ تخجل من كلّ قديمٍ. يحتاج إلى إحياءٍ يجمع بين الأصالة والتجديد، بين الدمعة والفكرة، بين الموكب والمؤسسة، بين المنبر والإعلام، بين اللطم وخدمة الإنسان، بين الذاكرة والمستقبل.
اترك تعليق