خصوصيات التربة الحسينية

السؤال: يقول البعض: (إنَّ الشيعي العلوي يدرك جيداً أنَّ تراب الحسين لا يفرق عن باقي الأتربة أصلاً، ليس فيه قوَّةٌ غيبيَّةٌ، وخاصيَّةٌ إعجازيَّةٌ ولا ميزة ما وراء طبيعية، إنَّه ترابٌ مثل سائر الأتربة)، فما هو تعليقكم عليه؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

لا يخفى أنَّ هذا الكلام مجانبٌ للصواب قطعاً، فإنَّ المتتبِّع لتراث الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام) يجدهم قد بيَّنوا لتربة الإمام الحسين (عليه السلام) جملةً من الخصائص والفضائل، كاستحباب السجود عليها في الصلاة، وفضل التسبيح بما يُصنع منها، وجواز الاستشفاء بشيءٍ منها، واستحباب حملها عند المخاوف، وتحنيك المولود بها، إلى غير ذلك من الخواص والمزايا التي امتازت بها هذه التربة الطاهرة. وبذلك يتبيَّن بطلان هذا الكلام من أساسه، وعدم انسجامه مع النصوص الواردة عنهم (عليهم السلام).

ولنذكر جملةً من الروايات الدالَّة على كلِّ ذلك، مراعين جانب الاختصار، والله تعالى هو الموفِّق والمعين.

الأولى: خصوصية السجود عليها:

1ـ روى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «السجود على طين قبر الحسين (عليه السلام) يُنوِّر إلى الأرض السابعة» [من لا يحضره الفقيه ج1 ص268].

2ـ وروى الشيخ الطوسيُّ (طاب ثراه) عن معاوية بن عمَّار قال: «كان لأبي عبد الله (عليه السلام) خريطةُ ديباجٍ صفراء، فيها تربة أبي عبد الله (عليه السلام) فكان إذا حضرته الصلاة صبَّه على سجَّادته وسجد عليه، ثمَّ قال (عليه السلام): السجود على تربة أبي عبد الله (عليه السلام) يخرق الحجب السبع» [مصباح المتهجد ص733].

3ـ وروى الشيخ الطبرسي (طاب ثراه) في مكاتبة محمَّد بن عبد الله الحِمْيري إلى صاحب الزمان (عليه السلام)، وفيها قوله: «وسأل عن السجدة على لوحٍ من طين القبر [أي قبر الإمام الحسين] وهل فيه فضل؟ فأجاب (عليه السلام): يجوز ذلك، وفيه الفضل» [الاحتجاج ج2 ص312].

4ـ وروى الحسن بن محمَّد الديلمي (طاب ثراه)، فقال: «كان الصادق (عليه السلام) لا يسجد إلَّا على ترابٍ من تربة الحسين (عليه السلام)، تذلُّلاً لله تعالى واستكانة إليه» [إرشاد القلوب ج1 ص115].

الثانية: خصوصيّة التسبيح بها:

1ـ روى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) وفيه قوله: «ومن كان معه سبحةٌ من طين قبر الحسين (عليه السلام) كتب مسبِّحاً وإنْ لم يسبِّح بها» [الفقيه ج1 ص٢٦٨].

2ـ وروى الشيخ المفيد (طاب ثراه) عن كتاب الحسن بن محبوب «أنَّ أبا عبد الله (عليه السلام) سُئل عن استعمال التربتين من طين قبر حمزة وقبر الحسين (عليهما السلام) والتفاضل بينهما؟ فقال (عليه السلام): المسبحة التي من طين قبر الحسين (عليه السلام) تسبِّح بيد الرجل من غير أنْ يسبِّح. قال: وقال: رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) وفي يده السبحة منها» [المزار ص١٥١].

3ـ وروى أيضاً (طاب ثراه) عن أبي القاسم محمَّد بن علي، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «من أدار الحجير من التربة وقال: سُبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر، مع كلِّ حبة منها كُتب له بها ستة آلاف حسنة، ومحي عنه ستة آلاف سيئة، ورفع له ستة آلاف درجة، وأثبت له من الشفاعة مثلها» [المزار ص١٥١].

4ـ وروى الشيخ الطوسيُّ (طاب ثراه) بسنده إلى محمَّد بن عبد الله بن جعفر الحِمْيري قال: «كتبت إلى الفقيه (عليه السلام) أسأله هل يجوز أنْ يسبِّح الرجل بطين قبر الحسين (عليه السلام) وهل فيه فضل؟ فأجاب ـ وقرأتُ التوقيع ومنه نسخت ـ يسبَّح به، فما في شيءٍ من التسبيح أفضل منه، ومن فضله أنَّ المسبِّح ينسى التسبيح ويدير السبحة، فيكتب له ذلك التسبيح» [تهذيب الأحكام ج6 ص٧٥].

5ـ وروى أيضاً (طاب ثراه) عن الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «من أدار الحجر من تربة الحسين (عليه السلام) فاستغفر به مرَّةً واحدةً كتب الله له سبعين مرَّة، وإنْ مسك السبحة بيده ولم يسبِّح بها ففي كلِّ حبَّةٍ منها سبع مرَّات» [مصباح المتهجد ص ٧٣٥].

إلى غيرها من الأخبار الواردة في هذا المعنى.

الثالثة: خصوصيّة الاستشفاء بها:

1ـ روى ابن قولويه (طاب ثراه) بسنده إلى ابن أبي يعفور قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يأخذ الإنسان من طين قبر الحسين (عليه السلام) فينتفع به، ويأخذ غيره فلا ينتفع به؟ فقال: لا والله الذي لا إله إلَّا هو، ما يأخذه أحدٌ وهو يرى أنَّ الله ينفعه به إلَّا نفعه الله به» [كامل الزيارات ص٤٦٠].

2ـ وروى أيضاً (طاب ثراه) بسنده إلى محمَّد بن سليمان البصري، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «في طين قبر الحسين (عليه السلام) الشفاء من كلِّ داء، وهو الدواء الأكبر» [كامل الزيارات ص462].

3ـ وروى أيضاً (طاب ثراه) بسنده إلى أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «طين قبر الحسين (عليه السلام) فيه شفاء، وإنْ أُخذ على رأس ميل» [كامل الزيارات ص٤٦٢].

4ـ وروى أيضاً (طاب ثراه) بسنده إلى أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لو أنَّ مريضاً من المؤمنين يعرف حقَّ أبي عبد الله (عليه السلام) وحرمته وولايته، أخذ من طين قبره مثل رأس أنملة كان له دواء» [كامل الزيارات ص٤٦٥].

5ـ وروى أيضاً (طاب ثراه) بسنده إلى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا تناول أحدكم من طين قبر الحسين (عليه السلام) فليقُلْ: اللهمَّ إني أسألك بحقِّ الملك الذي تناوله، والرسول الذي بوأه، والوصي الذي ضمن فيه، أنْ تجعله شفاءً من كلِّ داء، كذا وكذا. وتسمِّي ذلك الداء» [كامل الزيارات ص ٤٦٩].

إلى غيرها من الأخبار الواردة في هذا المعنى.

الثالثة: خصوصيّة الأمن من الخوف:

1ـ روى ابن قولويه (طاب ثراه) بسنده إلى محمَّد بن عيسى، عن رجلٍ قال: «بعث إليَّ أبو الحسن الرضا (عليه السلام) من خراسان بثياب رزم وكان بين ذلك طين، فقلت للرسول: ما هذا؟ فقال: طين قبر الحسين (عليه السلام) ما يكاد يوجه شيئاً من الثياب ولا غيره إلَّا ويجعل فيه الطين، وكان يقول: هو أمان بإذن الله» [كامل الزيارات ص٤٦٥].

2ـ وروى أيضاً (طاب ثراه) بسنده إلى محمَّد ابن زياد، عن عمَّته قالت: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنَّ في طين الحائر الذي فيه الحسين (عليه السلام) شفاءً من كلِّ داء، وأماناً من كلِّ خوف» [كامل الزيارات ص٤٦٦].

3ـ وروى أيضاً (طاب ثراه) بسنده إلى الحسن بن علي بن أبي المغيرة، عن بعض أصحابنا قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني رجلٌ كثير العلل والأمراض، وما تركتُ دواءً إلَّا تداويت به، فقال لي: فأين أنت عن تربة قبر الحسين (عليه السلام)، فإنَّ فيها الشفاء من كلِّ داء، والأمن من كلِّ خوف... قلت: قد عرفت الشفاء من كلِّ داء، فكيف الأمان من كلِّ خوف؟ قال: إذا خفت سلطاناً أو غير ذلك، فلا تخرجنَّ من منزلك إلَّا ومعك من طين قبر الحسين (عليه السلام)، وقُل إذا أخذته: اللهمَّ إنَّ هذه طينة قبر الحسين وليِّك وابن وليك، اتخذتها حرزاً لما أخاف ولما لا أخاف، فإنه قد يرد عليك ما لا تخاف. قال الرجل: فأخذتها كما قال، فصحَّ والله بدني، وكانت لي أماناً من كلِّ ما خفت وما لم أخف، كما قال (عليه السلام)، فما رأيتُ بحمد الله بعدها مكروهاً» [كامل الزيارات ص٤٧٣].

4ـ وروى أيضاً (طاب ثراه) بسنده إلى سعد بن سعد قال: «سألتُ أبا الحسن (عليه السلام) عن الطين، قال: فقال: أكل الطين حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير إلَّا طين قبر الحسين، فإنَّ فيه شفاءً من كلِّ داء وأمناً من كلِّ خوف» [كامل الزيارات ص ٤٧٨].

إلى غيرها من الأخبار الواردة في هذا المعنى.

الرابعة: خصوصيّة التحنيك بها:

والمراد من التحنيك هو إدخال التربة المطهَّرة في فم الطفل من الجهة العليا أو دلك التراب بكلِّ من الجهتين.

قال الفقيه السيّد علي الطباطبائيّ (طاب ثراه): (وتحنيكه بتربة الحسين (عليه السلام)، وبماء الفرات - وهو النهر المعروف -؛ للنصوص. قالوا: والمراد بالتحنيك: إدخال ذلك إلى حنكه، وهو أعلى داخل الفم. قيل: ويكفي دلكه بكلِّ من الحنكين؛ للعموم، وإنْ كان المتبادر دلك الأعلى، ولذا اقتصر عليه جماعة من العامّة والخاصّة» [رياض المسائل ج2 ص158].

1ـ روى ابن قولويه (طاب ثراه) بسنده إلى الحسين ابن أبي العلاء قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: حنِّكوا أولادكم بتربة الحسين (عليه السلام)، فإنّها أمان» [كامل الزيارات ص٤٦٥].

2ـ وروى الشيخ الكليني (طاب ثراه) بسنده إلى أبي جعفر (عليه السلام) قال: «يحنَّك المولود بماء الفرات... وفي روايةٍ أُخرى: حنِّكوا أولادكم بماء الفرات وبتربة قبر الحسين (عليه السلام)، فإنْ لم يكن فبماء السماء» [الكافي ج6 ص٢٤].

إلى غير ذلك مما ورد في أهمية تربة الإمام الحسين (عليه السلام) والتأكيد عليها من قبل أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، كوضعها مع الميت في القبر وغير ذلك، كما هو واضح وبيِّن عند أهل المعرفة.

قال الشيخ عبَّاس القمِّي (طاب ثراه):

(اعلم أنَّ لنا رواياتٍ متظافرةً تنطق بأنَّ تربته (عليه السلام) شفاءٌ من كلِّ سقمٍ وداءٍ إلَّا الموت، وأمانٌ من كلِّ بلاء. وهي تورث الأمن من كلِّ خوف.

والأحاديث في هذا الباب متواترةٌ، وما برزت من تلك التربة المقدَّسة من المعجزات أكثر من أنْ تذكر. وإني قد ذكرتُ في كتاب «الفوائد الرضويَّة في تراجم العلماء الإمامية» - عند ترجمة السيد المحدِّث المتبحِّر نعمة الله الجزائريّ -: أنَّه كان ممَّن جهد لتحصيل العلم جهداً، وتحمّل في سبيله الشدائد والصعاب، وكان في أبَّان طلبه العلم لا يسعه الإسراج فقراً، فيستفيد للمطالعة ليلاً من ضوء القمر، وقد أكثر من المطالعة في ضوء القمر، ومن القراءة والكتابة حتَّى ضعف بصره، فكان يكتحل بتربة الحسين (عليه السلام) المقدَّسة وبتراب المراقد الشريفة للأئمَّة في العراق (عليهم السلام) فيقوى بصره ببركتها) [مفاتيح الجنان ص٦٨٥].

والنتيجة النهائيَّة من جميع ما تقدَّم، أنَّ ما جاء في السؤال المذكور مجانبٌ للصواب قطعاً؛ لكونه مخالفاً لما ورد في الأخبار الشريفة الدالَّة على أهمية التربة الحسينية وكبير فضلها، كما بيَّنا تفصيلاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.