هل تصح أعمال يوم عاشوراء عند العامة؟
السؤال: يُروى في تراث أهل العامة عدَّة رواياتٍ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) في أعمال يوم عاشوراء، أمثال الاكتحال بالإثمد، والتوسعة على العيال، والاغتسال، والصلاة، والتزيّن، وغير ذلك من الأمور، فهل تصحّ هذه الأحاديث عندهم؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
بعد مراجعة جملةٍ من مصادر القوم المهمَّة تبيَّن أنَّ المذكورات بأجمعها باطلةٌ وموضوعةٌ على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قِبَل بعض النواصب والحاقدين على أهل البيت (عليهم السلام)، كما صرَّح بذلك جمعٌ منهم.
وإليك بعض كلمات علماء العامّة في ذلك:
1ـ قال ابن الجوزيّ: (بابٌ في ذكر عاشوراء: قد تمذهب قومٌ من الجهَّال بمذهب أهل السنّة، فقصدوا غيظ الرافضة، فوضعوا أحاديث في فضل عاشوراء).
ثمَّ ذكر حديثاً مفصَّلاً في فضل عاشوراء، وعلَّق عليه بقوله: (هذا حديثٌ لا يشكّ عاقلٌ في وضعه، ولقد أبدع مَنْ وضعه وكشف القناع، ولم يستحيي وأتى فيه المستحيل).
ثمَّ ذكر حديثاً آخراً في فضل عاشوراء، وعلَّق عليه بقوله: (هذا حديثٌ موضوعٌ بلا شكّ).
وهكذا حكم بوضع هذه الأحاديث المتعلِّقة بعاشوراء إلى أنْ قال: (والاكتحال يوم عاشوراء لم يُروَ عن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) فيه أثرٌ، وهو بدعةٌ ابتدعها قتلة الحسين (عليه السلام)) [كتاب الموضوعات ج2 ص201ـ204].
2ـ وقال ابن تيمية في جواب سؤالٍ وُجِّه إليه، هذا نصّه: (سُئل شيخ الإسلام عما يفعله الناس في يوم عاشوراء، من الكحل والاغتسال والحنَّاء والمصافحة وطبخ الحبوب وإظهار السرور وغير ذلك... فأجاب: الحمد لله ربِّ العالمين، لم يرد في شيءٍ من ذلك حديثٌ صحيحٌ عن النبيّ (صلى الله عليه [وآله] وسلم) ولا عن أصحابه، ولا استحبَّ ذلك أحدٌ من أئمَّة المسلمين، لا الأئمَّة الأربعة ولا غيرهم. ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئاً. لا عن النبيّ (صلى الله عليه [وآله] وسلم) ولا الصحابة ولا التابعين، لا صحيحاً ولا ضعيفاً، لا في كتب الصحيح ولا في السنن ولا المسانيد، ولا يُعرف شيءٌ من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة. ولكن روى بعض المتأخِّرين في ذلك أحاديث مثل ما رووا: أنَّ مَنْ اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد من ذلك العام، ومَنْ اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام، وأمثال ذلك.
ورووا فضائل في صلاة يوم عاشوراء، ورووا: أنَّ في يوم عاشوراء توبة آدم، واستواء السفينة على الجوديّ، وردّ يوسف على يعقوب، وإنجاء إبراهيم من النار، وفداء الذبيح بالكبش، ونحو ذلك. ورووا في حديثٍ موضوعٍ مكذوبٍ على النبيّ (صلى الله عليه [وآله] وسلم): أنَّه مَنْ وسَّع على أهله يوم عاشوراء وسَّع الله عليه سائر السنة. ورواية هذا كلّه عن النبيّ (صلى الله عليه [وآله] وسلم) كذبٌ... إلى قوله: فعارض هؤلاء [أي الشيعة] قومٌ... من النواصب المتعصِّبين على الحسين وأهل بيته... فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء، كالاكتحال والاختضاب وتوسيع النفقات على العيال وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة ونحو ذلك... ولم يسنّ رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) ولا خلفاؤه الراشدون في يوم عاشوراء شيئاً من هذه الأمور) [مجموع الفتاوى ج25 ص299ـ309].
3ـ وقال ابن قيّم الجوزية: _ومنها: الاكتحال يوم عاشوراء، والتزيّن، والتوسعة، والصلاة فيه، وغير ذلك من فضائل. لا يصحّ منها شيءٌ، ولا حديثٌ واحدٌ، ولا يثبت عن النبيّ (صلى الله عليه [وآله] وسلم) فيه غير أحاديث صيامه. وما عداها فباطلٌ. وأمثل ما فيها: مَنْ وسَّع على عياله يوم عاشوراء وسَّع الله عليه سائر سنته. قال الإمام أحمد: لا يصحّ هذا الحديث. وأمَّا أحاديث الاكتحال والادهان والتطيّب فمن وضع الكذَّابين) [المنار المنيف في الصحيح والضعيف ج1 ص103].
4ـ وقال بدر الدين العينيّ: (ما ورد في صلاة ليلة عاشوراء ويوم عاشوراء، وفي فضل الكحل يوم عاشوراء لا يصحّ، ومن ذلك: حديث جويبرٍ عن الضحَّاك عن ابن عبَّاسٍ رفعه: «مَنْ اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبداً». وهو حديثٌ موضوعٌ، وضعه قتلة الحسين (رضي الله عنه). وقال الإمام أحمد: والاكتحال يوم عاشوراء لم يُروَ عن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) فيه أثرٌ، وهو بدعةٌ. وفي (التوضيح): ومن أغرب ما رُوي فيه أنَّ رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) قال في الصرد: «إنَّه أوَّل طائرٍ صام عاشوراء»، وهذا من قلَّة الفهم، فإنَّ الطائر لا يوصف بالصوم. قال الحاكم: وضعه قتلة الحسين) [عمدة القاري ج11 ص118].
5ـ وقال عبد الرؤوف المناويّ: (قال المجد اللغويّ: ما يُروى في فضل صوم يوم عاشوراء، والصلاة فيه، والإنفاق، والخضاب، والادهان، والاكتحال، بدعةٌ ابتدعها قتلة الحسين) [فيض القدير ج6 ص236].
6ـ وقال جلال الدين السيوطيّ ـ بعد نقله حديثاً مفصَّلاً عن فضل يوم عاشوراء، فيه حبيب بن أبي حبيبٍ ـ ما نصّه: (آفته حبيبٌ والله أعلم) [اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ج2 ص92].
وقال أيضاً في حديثٍ مفصَّلٍ عن فضل عاشوراء: (موضوعٌ. ورجاله ثقاتٌ، والظاهر أنَّ بعض المتأخِّرين وضعه وركَّبه على هذا الإسناد) [اللآلئ المصنوعة ج2 ص93].
7ـ وقال أبو الفداء العجلونيّ: («مَنْ اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم ترمد عينه». ويُروى: «عيناه أبداً»، رواه الحاكم والبيهقيّ في شعبه، والديلميّ عن ابن عبَّاسٍ رفعه. وقال الحاكم: منكرٌ. وقال في المقاصد: بل موضوعٌ. وقال في اللآلئ - بعد أنْ رواه عن ابن عبَّاسٍ من طريق الحاكم -: حديثٌ منكرٌ، والاكتحال لا يصحّ فيه أثرٌ، فهو بدعةٌ. وأورده ابن الجوزيّ في الموضوعات. وقال الحاكم أيضاً: الاكتحال يوم عاشوراء لم يُروَ عن النبيّ (صلى الله عليه [وآله] وسلم) فيه أثرٌ، وهو بدعةٌ ابتدعها قتلة الحسين (رضي الله عنه) وقبَّحهم. نعم رواه في الجامع الصغير بلفظ: «مَنْ اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبداً». قال المناويّ نقلاً عن البيهقيّ: وهو ضعيفٌ بالمرَّة. وقال ابن رجبٍ في لطائف المعارف: كلّ ما رُوي في فضل الاكتحال والاختضاب والاغتسال فيه موضوعٌ، لم يصحّ) [كشف الخفاء ج2 ص278].
وقال أيضاً: (وكذا ما رواه في معجم ابن قانعٍ عن أمية بن خلفٍ الجمحيّ أنَّه قال: «رآني رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) وعلى يدي صردٌ، فقال: هذا أوَّل طائرٍ صام يوم عاشوراء». هو من الأحاديث التي وضعتها قتلة الحسين (قاتلهم الله)، فهو باطلٌ) [كشف الخفاء ج2 ص507].
وقال أيضاً: (باب فضائل عاشوراء، ورد استحباب صيامه، وسائر الأحاديث في فضله، وفضل الصلاة فيه، والإنفاق، والخضاب، والادهان، والاكتحال، وطبخ الحبوب، وغير ذلك، مجموعه موضوعٌ مفترىً، قال أئمَّة الحديث: الاكتحال فيه بدعةٌ ابتدعها قتلة الحسين) [كشف الخفاء ج2 ص517].
إلى غيرها من كلمات علماء القوم الدالَّة على بطلان ما ورد في فضل يوم عاشوراء، كما هو واضحٌ.
والنتيجة النهائيَّة من جميع ذلك، أنَّ ما ورد في فضل يوم عاشوراء ـ من الاكتحال بالإثمد، والتوسعة على العيال، والاغتسال، والصلاة، والتزيّن، وغيرها ـ عند العامة من الموضوعات الباطلة، كما تبيَّن مفصَّلاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق