سبب الاهتمام بمصيبة الحسين (ع) أكثر من غيره؟
السؤال: لماذا هذا الاهتمام البالغ والتركيز الخاصُّ على مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) والبكاء عليه دون غيرِه من المعصومين (عليهم السلام)؟ ألا يكون التركيز على مصيبة أمير المؤمنين (عليه السلام) أو السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) أو غيرِهما من المعصومين (عليهم السلام) أولى؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
الاهتمام الخاصُّ بمصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) هو نتيجة العناية الخاصة التي أولتها السماء، وأولاها الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، سيّما النبيُّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) والأئمةُ المعصومون (عليهم السلام) لذلك، فيلاحظ:
أوّلاً:
سيرتُهم (عليهم السلام)؛ فلمْ يبكوا أو يندبوا شهيداً كما فعلوا على الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيتِه؛ فقدْ جاء في أحوال النبيِّ (صلى الله عليه وآله) أنَّه كان كثير الاستحضار لمصابِه (عليه السلام) والبكاء عليه، ولعن قاتليه في كلِّ موطن وموقف.
بلْ روى الفريقان أنَّ أول مجلس بكاء أُقيم في الإسلام على الإمام الحسين (عليه السلام) كان من النبيِّ (صلى الله عليه وآله) نفسِه، [يراجع: [إقناع اللائم، مقتل الإمام الحسين (ع) على لسان جدِّه من كتب العامة، وغيرها].
وورد في أحوال الإمام السجَّاد (عليه السلام) أنَّه كان دائم الاستذكار لتلك البلوى، عظيم البثِّ والشكوى، حتى خِيف عليه من ذهاب البصر والموت؛ حيث ندب الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيتِه أكثر من ثلاثين سنة، صائماً نهارَه، قائماً ليلَه، ما وُضع الطعام أو الشراب أمامَه إلَّا بكى؛ حتى يبتلَّ طعامُه ويمتزج شرابُه بدموعِه وهو نادبٌ يكرر ويقول: «قُتل ابن رسول الله جائعاً، قُتل ابن رسول الله عطشاناً»، وما زال (عليه السلام) على تلك الحال حتى لحق بربِّه. [ينظر: إقناع اللائم ص198، والملهوف ص233].
وهكذا الناظر في سيرة بقية الأئمة (عليهم السلام) يلاحظ بوضوح إيلائَهم فاجعة كربلاء عناية خاصَّة من البكاء والحزن واستنشاد الشعراء وإقامة المآتم والمراثي. [ينظر: إقناع اللائم ص204، والأمالي للصدوق ص205].
وثانياً:
الروايات الواردة في الحثِّ على البكاء والجزع عليه والحضِّ على إقامة المراثي والعزاء له، وهي تنفرد عن غيرِها بما يلي:
1ـ الكثرة، حيث بلغت العشرات، وبلغت أعلى درجات التواتر.
2ـ نوعُها، حيث وردت بلسان وألفاظ غاية في الحثِّ والحضِّ والتأكيد.
3ـ ترتيبُها للآثار العظيمة في الدنيا والآخرة على ذلك.
يمكن مراجعة ما رواه الشيخ ابن قولويه والشيخ الصدوق [كامل الزيارات ص200، ثواب الأعمال ص83، وينظر أيضاً: إقناع اللائم ص215].
بلْ جاء التوجيه من الأئمة (عليهم السلام) بما يفيد إدمان ذكر مصابِه (عليه السلام)؛ كذكر مصابِه عند كلِّ مصاب، وجعل رزيتِه مقياساً تستصغر دونَه جميع المصائب التي تصيب الإنسان؛ فقدْ ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: «يا ابن شبيب، إنْ كنت باكياً لشيء فابكِ للحسين بن عليٍّ (عليه السلام) فإنَّه ذُبح كما يُذبح الكبش» [عيون أخبار الرضا ص268]، وكذكر مصابِه (عليه السلام) ولعن قاتليه عند كلِّ تناول للماء [الأمالي للصدوق ص205].
مِمَّا مرَّ يصبح من الواضح أنَّه إذا كان مطلوباً من المؤمنين البكاء والضجيج على النبيِّ (صلى الله عليه وآله) وأئمة الهدى (عليهم السلام) جميعاً كما دعانا إلى ذلك الإمام المهديُّ (عجل الله فرجَه الشريف) حيث يقول في دعاء النّدبة: «فعلى الأطائب من أهل بيت محمّد وعليٍّ صلَّى الله عليهما وآلهما، فليبكِ الباكون، وإيَّاهم فليندبِ النَّادبون، ولمثلهم فلتذرفِ الدُّموع، وليصرخِ الصارخون، ويضجَّ الضاجُّون، ويعجَّ العاجُّون، أين الحسن أين الحسين أين أبناء الحسين»، فإنَّ التركيز على مصاب سيد الشهداء وفاجعة كربلاء هو الآخر مطلوب، ويُعتبر من السير على هدي النبيِّ (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، ومن الأستنان بسنتِهم، والاقتداء بسيرتِهم، والالتزام بأوامرِهم؛ ولذا دأب المؤمنون على ذلك كابراً عن كابر وجيلاً بعد جيل.
لكنَّ السؤال القائم: لماذا الاهتمام البالغ من نفس النبيِّ (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) بفاجعة كربلاء دون غيرِها من المصائب؟
ويمكن بتتبع المسألة من عدة جوانب أنْ نخلصَ إلى أسباب كثيرة، أبرزُها:
الأول:
مثّل فقد الحسين (عليه السلام) فقد أصحاب الكساء جميعاً، حيث ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إنَّ يوم قتل الحسين (عليه السلام) أعظم مصيبةً من جميع الأيام؛ وذلك أنَّ أصحاب الكساء الذين كانوا أكرم الخلق على الله كانوا خمسة فلمَّا مضى عنهم النَّبيُّ (صلى الله عليه وآله) بقي أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) فكان فيهم للناس عزاء وسلوة، وهكذا كلَّما مضى واحد كان في الباقي عزاء وسلوة، فلما قُتل الحسين (عليه السلام) لمْ يكنْ بقي من أصحاب الكساء أحد للناس فيه بعدَه عزاء وسلوة فكان ذهابُه كذهاب جميعهم، كما كان بقاؤُه كبقاء جميعهم، فلذلك صار يومُه أعظم الأيام مصيبة» [علل الشرائع ص226].
الثاني:
ما جرى في فاجعة كربلاء من الفظائع والفجائع لمْ يجرِ في غيرِها؛ فقدْ كانت شديدة الوحشية، مليئة بالآلام العظيمة؛ حتى بكتْ لها السماوات وسكانُها والأرض وعمَّـارُها من مؤمني الإنس والجانِّ، بلْ ضجَّ لأجلِها التكوين؛ حيث ورد عن الفريقين بكاء السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والحيوان كلٌّ بحسبِه [ينظر: المِحن ص158، إقناع اللائم ص27، وص230].
كما كانت فاجعة كربلاء أقسى يوم مرَّ على آل محمد؛ فقدْ روى الصدوق عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «أنَّ الحسين (عليه السلام) دخل يوماً إلى الحسن فلمَّـا نظر إليه بكى فقال له: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: أبكي لما يُصنع بك، فقال له الحسن (عليه السلام): إنَّ الذي يُؤتى إليَّ سمٌّ يُدسُّ إليَّ فأُقتل به، ولكنْ لا يوم كيومِكَ يا أبا عبد الله، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل يدَّعون أنَّهم من أمة جدِّنا محمد (صلى الله عليه وآله)، وينتحلون دين الإسلام؛ فيجتمعون على قتلِك وسفك دمِك، وانتهاك حرمتِك، وسبي ذراريك ونسائك، وانتهاب ثِقلك» [الأمالي ص177].
الثالث:
انطوتْ فاجعة كربلاء على دروس كثيرة وعظيمة في القيم والمبادئ والبصيرة والعقيدة لا نزال لمْ نحطْ بجميع أبعادِها وآفاقِها، فبقاء كربلاء حيّةً غضةً إنَّما هو بقاء لتلك الدروس حيةً وغضة؛ كمنار هدىً تضيء للأجيال وتنير بصائرَهم، ولذا بقدر الإصرار على إحياء كربلاء يكون الإصرار على إحياء تلك القيم والمبادئ، وبقدر ما يُبذل من جهد في سبيل إحيائِها بقدر ما يصبُّ ذلك الجهد في إحياء تلك القيم والمبادئ.
الرابع:
امتازتْ فاجعة كربلاء بأنَّها وقعت على مرأىً ومسمعٍ من الأمة بأسرِها، بخلاف شهادات سائر المعصومين (عليهم السلام) التي جرت إلى حدٍّ كبير في أجواء من الكتمان والدسائس والمؤامرات والتضليل مَّا جعل حقائقَها آنذاك تنحصر في دوائر محددة والشيعة فقط. أمَّـا كربلاء فقدْ كانت حدثاً علنياً مدوّياً، الأمر الذي أكسبَها طابعاً كاشفاً وفاضحاً؛ فهي كاشفةٌ عن مدى انحراف الأمة عن المسار الذي أُريد لها، والمتمثل بالتمسك بكتاب الله وعترة نبيه، وفاضحة لحجم الإقصاء والتهميش الذي كان قدْ تعرَّض له أهل البيت (عليهم السلام)، كما أنَّها موقظة للبصائر لإعادة التفكير في حقيقة موقع آل محمد (صلى الله عليه وآله) من الأمة والدين والشريعة.
الخامس:
امتازت كربلاء بقوة العاطفة، واختلاط دروسِها بمشاعر سامية وعميقة جداً من الإباء، والتضحية، والتفاني وغيرها، مَّا جعل نفوذَها إلى القلوب أقوى وأبلغ، ولذا لا عجب من أنَّه قدْ كُتب لها أنْ تكون المولّد والمربّي الأساس ومنذ القدم للشباب المؤمن المتمسك بالقيم والمبادئ والولاء للنبيِّ وآلِه كما هو ملاحظ بالوجدان الخارجيِّ.
اترك تعليق