حديث القارورة في تراث المسلمين
السؤال: هل حديث القارورة التي أعطاها النبيُّ محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) إلى السيدة أمِّ سلمة (رضي الله عنها) وفيها تربةٌ من تراب مصرع الإمام الحسين (عليه السلام) ثابتٌ في تراث الفريقين أم هو من مختصَّات الشيعة فقط كما يزعم البعض؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
لا يخفى على المتتبِّع أنَّ حديث القارورة التي سلَّمها النبيُّ محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) إلى السيدة أمِّ سلمة (رضي الله عنها)، وجعل فيها تربةً من تراب مصرع الإمام الحسين (عليه السلام)، من الأحاديث المشهورة والثابتة في تراث الفريقين، نذكر قسماً منها رغبةً في الاختصار، وخشية التطويل.
المقام الأوّل: أخبار القارورة عند الشيعة:
1ـ روى الشيخ الصدوق بسنده عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كان النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) في بيت أمِّ سلمة (رضي الله عنها)، فقال لها: لا يدخل عليَّ أحد. فجاء الحسين (عليه السلام) وهو طفل، فما ملكت معه شيئاً حتَّى دخل على النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) فدخلت أمُّ سلمة على أثره، فإذا الحسين على صدره، وإذا النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) يبكي، وإذا في يده شيءٌ يقلِّبه، فقال النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله): يا أمَّ سلمة، إنَّ هذا جبرئيل يُخبرني أنَّ هذا مقتول، وهذه التربة التي يقتل عليها، فضعيها عندك، فإذا صارت دماً فقد قُتل حبيبي» [الأمالي ص٢٠٣].
2ـ وروى الشيخ المفيد بإسناده عن أمِّ سلمة (رضي الله عنها) أنها قالت: «خرج رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من عندنا ذات ليلة فغاب عنا طويلاً، ثمَّ جاءنا وهو أشعث أغبر ويده مضمومة، فقلتُ: يا رسول الله، ما لي أراك شعثاً مغبراً؟! فقال: أسري بي في هذا الوقت إلى موضع من العراق يُقال له كربلاء، فأريت فيه مصرع الحسين ابني وجماعة من ولدي وأهل بيتي، فلم أزل القط دماءهم، فها هي في يدي، وبسطها إليَّ فقال: خذيها واحتفظي بها. فأخذتها فإذا هي شبه تراب أحمر، فوضعته في قارورة... فلما خرج الحسين (عليه السلام) من مكَّة متوجهاً نحو العراق، كنت أخرج تلك القارورة في كلِّ يوم وليلة فأشمُّها وأنظر إليها ثمَّ أبكي لمصابه، فلما كان في اليوم العاشر من المحرَّم... أخرجتها في أوَّل النهار وهي بحالها، ثمَّ عدت إليها آخر النهار فإذا هي دم عبيط، فصحت في بيتي وبكيت... فلم أزل حافظة للوقت حتَّى جاء الناعي ينعاه فحقق ما رأيت» [الإرشاد ج2 ص١٣٠].
3ـ وروى الشيخ الطوسي بسنده عن عبد الله بن عبَّاس قال: «بينا أنا راقد في منزلي إذْ سمعت صراخاً عظيماً عالياً من بيت أم سلمة زوج النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، فخرجت يتوجَّه بي قائدي إلى منزلها، وأقبل أهل المدينة إليها الرجال والنساء، فلما انتهيت إليها قلت: يا أمَّ المؤمنين، ما بالك تصرخين وتغوثين؟ فلم تجبني، وأقبلت على النسوة الهاشميات وقالت: يا بنات عبد المطَّلب، اسعدنني وابكين معي، فقد والله قتل سيدكن وسيد شباب أهل الجنة، قد والله قتل سبط رسول الله وريحانته الحسين. فقيل: يا أمَّ المؤمنين، ومن أين علمت ذلك؟ قالت: رأيت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في المنام الساعة شعثاً مذعوراً، فسألته عن شأنه ذلك، فقال: قتل ابني الحسين وأهل بيته اليوم فدفنتهم، والساعة فرغت من دفنهم، قالت: فقمت حتَّى دخلت البيت وأنا لا أكاد أنْ أعقل، فنظرت فإذا بتربة الحسين التي أتى بها جبرئيل من كربلاء، فقال: إذا صارت هذه التربة دماً فقد قتل ابنك، وأعطانيها النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله)، فقال: اجعلي هذه التربة في زجاجة ـ أو قال: في قارورة ـ ولتكن عندك، فإذا صارت دماً عبيطاً فقد قتل الحسين، فرأيت القارورة الآن وقد صارت دماً عبيطاً تفور... فجاءت الركبان بخبره، وأنه قتل في ذلك اليوم» [الأمالي ص٣١٥].
وللمزيد عن حديث القارورة، يُنظر: الهداية الكبرى للخصيبي ص203، مناقبا آل أبي طالب ج3 ص213، الثاقب في المناقب ص٣٣٠، روضة الواعظين ص١٩٣، إعلام الورى ج1 ص٤٢٨، كشف الغمَّة ج2 ص217، إلى غيرها من المصادر الكثيرة عندنا معاشر الإمامية، كما لا يخفى على المطالِع.
المقام الثاني: أخبار القارورة عند العامّة:
1ـ روى أحمد بن حنبل بسنده عن أنس قال: «استأذن ملك المطر أنْ يأتي النبيَّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، فأذن له، فقال لأمِّ سلمة: احفظي علينا الباب، لا يدخل أحد. فجاء الحسين بن علي فوثب حتَّى دخل، فجعل يصعد على منكب النبيِّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، فقال له الملك: أتحبه؟ قال النبيُّ: نعم. قال: فإنَّ أمتك تقتله، وإنْ شئت أريتك المكان الذي يُقتل فيه. قال: فضرب بيده، فأراه تراباً أحمر، فأخذت أم سلمة ذلك التراب، فصرَّته في طرف ثوبها» [مسند أحمد ج21 ص308].
2ـ وروى اليعقوبي، وفيه قوله: «وكان أوَّل صارخة صرخت في المدينة أمُّ سلمة زوج الرسول، كان دفع إليها قارورة فيها تربة، وقال لها: إنَّ جبريل أعلمني أنَّ أمَّتي تقتل الحسين، وأعطاني هذه التربة، وقال لي: إذا صارت دماً عبيطاً فاعلمي أنَّ الحسين قد قتل، وكانت عندها، فلما حضر ذلك الوقت، جعلت تنظر إلى القارورة في كلِّ ساعة، فلما رأتها قد صارت دماً صاحت: واحسيناه وابن رسول الله، وتصارخت النساء من كلِّ ناحية، حتَّى ارتفعت المدينة بالرجَّة التي ما سمع بمثلها قط» [تاريخ اليعقوبي ج2 ص٢٤٦].
3ـ وروى الطبراني بسنده عن أبي وائل شقيق ابن سلمة، عن أمِّ سلمة، قالت: «كان الحسن والحسين (رضي الله عنهما) يلعبان بين يدي النبيِّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) في بيتي، فنزل جبريل (عليه السلام)، فقال: يا محمَّد، إنَّ أمتك تقتل ابنك هذا من بعدك. فأومأ بيده إلى الحسين، فبكى رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، وضمَّه إلى صدره، ثمَّ قال رسول الله: وديعة عندك هذه التربة. فشمَّها رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) وقال: ويح كرب وبلاء. قالت: وقال رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): يا أمَّ سلمة، إذا تحوَّلت هذه التربة دماً فاعلمي أنَّ ابني قد قتل، قال: فجعلتها أمُّ سلمة في قارورة، ثمَّ جعلت تنظر إليها كلَّ يوم، وتقول: إنَّ يوماً تحولين دماً ليوم عظيم» [المعجم الكبير ج3 ص108].
وللمزيد عن هذا الحديث، يُنظر: معرفة الصحابة ج2 ص 666، دلائل النبوَّة ج6 ص 469، تاريخ دمشق ج14 ص 192، بغية الطلب ج6 ص134، تهذيب الكمال ج6 ص408، مجمع الزوائد ج9 ص189، البداية والنهاية ج9 ص234، إمتاع الأسماع ج12 ص238، تهذيب التهذيب ج2 ص347، إلى غيرها من المصادر الكثيرة عند العامة، كما لا يخفى على المطالِع.
والنتيجة النهائية مما تقدَّم، أنَّ حديث القارورة التي جُعل فيها شيءٌ من تربة الأرض التي استُشهد عليها الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء وقد فارت دماً عبيطاً، قد رُوي بصورةٍ مستفيضة في مصادر الفريقين، وليس مختصَّاً بتراث الإمامية وحدهم، كما بيَّناه تفصيلاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق