هل صحت توبة يزيد بن معاوية؟
السؤال: هل تاب يزيد بن معاوية بعد مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) كما يظهر من بكائه المنقول في بعض المصادر؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
يُشير السائل إلى ما روي في بعض المصادر من بكاء يزيد بن معاوية بعد مقتل الإمام الحسين (عليه السلام)، نذكر ما عثرنا عليه منها.
1ـ روى ابن قتيبة الدينوريّ عن أبي معشر قال: «حدَّثني مُحمَّد بن علي بن الحسين بن علي قال: دخلنا على يزيد، ونحن اثنا عشر غلاماً مغلَّلين في الحديد وعلينا قمص... إلى أنْ قال: فقال النعمان بن بشير: يا أمير المؤمنين، اصنع بهم ما كان يصنع بهم رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) لو رآهم بهذه الحال. فقالت فاطمة بنت الحسين: يا يزيد، بنات رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم). قال: فبكى يزيد حتَّى كادت نفسه تفيض، وبكى أهل الشام حتَّى علت أصواتهم. ثمَّ قال: خلُّوا عنهم» [الإمامة والسياسة ج2 ص12].
وقريبٌ منه ما رواه القاضي النعمان المغربيّ ـ مرسلاً ـ عن الإمام الباقر (عليه السلام) [يُنظر: شرح الأخبار ج3 ص267].
2ـ وروى أبو القاسم الطبرانيّ بسندٍ ضعيف عن مُحمَّد بن الحسن المخزوميّ قال: «لما أُدخل ثقل الحسين بن علي (رضي الله عنه) على يزيد بن معاوية، ووضع رأسه بين يديه، بكى يزيد وقال:
نفلق هاماً من رجال أحبَّةٍ * إلينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما» [المعجم الكبير ج3 ص116، وغيره من المصادر عند العامَّة].
إذا بان هذا، فلنا بعض التعليقات، نذكرها ضمن أمور:
الأمر الأوَّل: عدم ثبوت التوبة:
إنَّ دعوى توبة يزيد تحتاج إلى دليل معتبر يثبت صدور التوبة منه، إذ الأصل بقاء الإنسان على ما عُرف عنه حتَّى يثبت خلافه، ولم ينقل المؤرِّخون أو أهل التحقيق خبراً صحيحاً وصريحاً يدلُّ على ندمه الحقيقيّ أو إعلانه التوبة أو رجوعه عمَّا صدر منه، وعليه فإثبات التوبة يحتاج إلى مثبت، وهو مفقود في المقام.
إنْ قلت: إنَّ روايات البكاء المذكورة تخرجنا عن هذا الأصل المذكور وتحقِّق عنوان الندم والتوبة؟
قلت: إنَّ الأخبار الدالَّة على بكائه ـ مع قطع النظر عن صحتها ـ لا تدلُّ على التوبة والندم الحقيقيَّين؛ لكونها من باب الخديعة والمكر، وذلك لخوف انقلاب الناس ضدَّه، وفقدانه الحكم، كما لا يخفى على العارف بأحواله.
1ـ روى الطبريّ، وفيه قول يزيد: «لعن الله ابن مرجانة، فإنَّه أخرجه واضطرَّه، وقد كان سأله أنْ يخلِّي سبيله ويرجع فلم يفعل، أو يضع يده في يدي، أو يلحق بثغر من ثغور المسلمين حتَّى يتوفَّاه الله (عزَّ وجلَّ) فلم يفعل، فأبى ذلك وردَّه عليه وقتله، فبغَّضني بقتله إلى المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوة، فبغضني البرُّ والفاجر، بما استعظم الناس من قتلي حسيناً» [تاريخ الطبريّ ج5 ص506].
2ـ وروى القاضي النعمان المغربيّ، وفيه: «فأطرق يزيد مليّاً وأمر بالنسوة فأُدخلنَّ إلى نسائه، ثمَّ أمر برأس الحسين (عليه السلام) فرفع على سنان قناةٍ، فلما رأى ذلك النساءُ أَعوَلن، فدخل يزيد اللعين على نسائه فقال: ما لكنَّ لا تبكين مع بنات عمِّكن، فأمرهن بأنْ يعولن معهنَّ تمرُّداً على الله وعلى أوليائه، ثمَّ قال:
نفلق هاماً من رجال أحبَّةٍ * إلينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما
وجعل الطرب يستفزُّه والنساء يبكين ويندبن ونساؤه معهن» [المناقب والمثالب ص٣٠٨].
3ـ وقال جلال الدين السيوطيّ: «ولما قُتل الحسين وبنو أبيه بعث ابن زياد برؤوسهم إلى يزيد، فسرَّ بقتلهم أوَّلاً، ثمَّ ندم لمَّا مقته المسلمون على ذلك وأبغضه الناس، وحقَّ لهم أنْ يبغضوه» [تاريخ الخلفاء ص٢٢٧].
4ـ وقال الشيخ الريشهريّ: «لكنَّ بكاء قساة القلوب أمثال يزيد يُمكن أنْ يكون له هدفٌ سياسيٌّ، إذْ إنَّه وبعد ظهور الحقيقة أراد أنْ يخدع الرأي العامّ ويلقي اللوم على الآخرين، فتظاهر بالبكاء» [الصحيح من سيرة سيِّد الشهداء ج2 ص821].
5ـ وجاء في كتاب الركب الحسينيّ: «واضطرَّ يزيد إلى أنْ يُظهر الندامة على ما ارتكبه في شأن قتل سيِّد الشهداء الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأصحابه الكرام الأوفياء، وبادر بلعن عامله على الكوفة عبيد الله بن زياد، وذلك نتيجة لعدَّة أُمور ـ وذكر عدَّة أمور ثمَّ قال ـ فظهر أنَّ تظاهر يزيد بالندامة ولعنه ابن مرجانة ما كان إلَّا خوفاً على زوال ملكه وفناء نفسه الخبيثة، ولم يكن إلَّا عن مكر وخدعة وكذب وزور» [مع الركب الحسينيّ ج6 ص254].
فتبيَّن: أنَّ بكاء يزيد هذا ـ لو صحَّ نقله ـ إنَّما يُشير إلى كذبه وخداعه؛ لخوف زوال الحكم والسلطة، وليس من باب الندم والتوبة.
وقد أجاب مركزنا عن هذا السؤال بالتفصيل تحت عنوان (هل صح أن يزيد بكى على الحسين؟)، فراجع واغتنم.
الأمر الثاني: ظهور الرضا والفرح:
إنَّ ما نقلته المصادر التاريخية من إظهار يزيد السرور بقتل الإمام الحسين (عليه السلام)، واستقباله للرؤوس والسبايا، وما صدر منه من كلمات وتصرفات تدلُّ على الابتهاج بالنصر، كلُّ ذلك ينافي صدور التوبة أو الندم الحقيقيّ، إذْ إنَّ التائب يُظهر الأسف والانكسار، لا الفرح والاستبشار.
وقد بيَّنا ذلك تفصيلاً في جوابٍ مستقلٍّ تحت عنوان (هل فرح يزيد بقتل الحسين؟)، فراجع إنْ شئت ذلك.
الأمر الثالث: عدم التوفيق للتوبة:
لا يخفى أنَّ من قتل الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه، أو رضي بقتلهم، أو فرح واستبشر به، لا يُوفَّق للتوبة أصلاً، إذْ قد دلَّت جملة من الأخبار على أنَّ هؤلاء من أهل النار. وقد اجتمعت هذه الخِصال الذميمة بأكملها في يزيد بن معاوية، فكيف يُوفَّق للتوبة بعد ذلك؟!
روى الشيخ الصدوق بالإسناد عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: «إنَّ قاتل الحسين بن علي (عليه السلام) في تابوت من نارٍ عليه نصف عذاب أهل الدنيا، وقد شدَّت يداه ورجلاه بسلاسل من نارٍ منكَّس في النار حتَّى يقع في قعر جهنَّم، وله ريح يتعوَّذ أهل النار إلى ربهم من شدَّة نتنه، وهو فيها خالدٌ ذائق العذاب الأليم مع جميع من شايع على قتله كلَّما نضجت جلودهم بدَّل الله (عزَّ وجلَّ) عليهم الجلود حتَّى يذوقوا العذاب الأليم لا يفتر عنهم ساعة، ويسقون من حميم جهنَّم، فالويل لهم من عذاب الله تعالى في النار» [عيون أخبار الرضا ج1 ص52].
هذا، فضلاً عمَّا روي عندنا من أنَّ التوبة من مختصَّات الشيعة الإماميَّة فقط الأمر الذي لا يشمل الطاغية يزيد، كما هو واضحٌ.
روى الشيخ الكلينيّ بسندٍ صحيح عن مُحمَّد بن مُسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «يا مُحمَّد بن مُسلم، ذنوب المؤمن إذا تاب منها مغفورة له، فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة. أما والله إنَّها ليست إلَّا لأهل الإيمان» [الكافي ج2 ص434، وينظر أيضاً: ج2 ص440].
وفي الختام:
ننقل كلمات العلَّامة الآلوسيّ في هذا المجال، حيث صرَّح بعدم توبته، بل وضعَّف احتمالها ضعفاً شديداً.
قال ما نصُّه: (الذي يغلب على ظنِّي: أنَّ الخبيث لم يكن مصدِّقاً برسالة النبي (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، وأنَّ مجموع ما فعل مع أهل حرم الله تعالى وأهل حرم نبيه (عليه الصلاة والسلام) وعترته الطيبين الطاهرين في الحياة وبعد الممات، وما صدر منه من المخازي، ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر، ولا أظن أنَّ أمره كان خافياً على أجلَّة المسلمين... إلى قوله: وأنا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين، ولو لم يتصوَّر أنْ يكون له مثل من الفاسقين، والظاهر أنَّه لم يتبْ، واحتمال توبته أضعف من إيمانه) [روح المعاني ج13 ص228].
فتحصَّل مما سبق: أنَّ القول بتوبة يزيد بن معاوية باطل قطعاً، وأمَّا احتمالها، فهو احتمالٌ ضعيفٌ وخارجٌ عن دائرة الاحتمالات العقلائيَّة.
والنتيجة النهائيَّة من جميع ذلك، أنَّ توبة الطاغية يزيد غير ثابتة جزماً، وأنَّ احتمالها أوهنُ من بيت العنكبوت، كما تبيَّن مفصَّلاً.. والحمد لله ربِّ العالمين
اترك تعليق