موقف الإمامية من عمر بن عبد العزيز
السؤال: ما هو موقف الإماميَّةِ من عمر بن عبد العزيز؟ وهل كان من أهل الصلاح؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، أبو حفص، هو ثامن حكام بني أمية، ورابع المروانيين.
وَلِي أمر الناس خلفاً لسليمان بن عبد الملك بن مروان، بين سنة تسعٍ وتسعين ومائة وواحدٍ للهجرة، ولم يعمّر طويلاً، وروي في موته: أنَّه مات غيلةً بالسمّ، وهو ابن تسعٍ وثلاثين سنةً وأشهر، وروي: ابن أربعين وأشهر [ينظر: الطبقات الكبرى ج5 ص 253، تاريخ الطبريّ ج6 ص550].
حُسبت له بعض المواقف الحسنة، كإيقاف لعن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وردّ فدكٍ لأهل البيت (عليهم السلام) قبل أنْ تُسلب منهم مجدداً، وروي: أنَّه أبقى على رقبة الأرض تحت ملكه مع توزيعه للغلة على بني فاطمة (عليها السلام)، وروي: أنَّه جعلها بيدهم، لكن على نحو التولية والتصرّف، لا الملك.
وعُرف عن سياسته الميل إلى اللين، وعمله على لجم شراهة بعض أمراء بني أمية، هذه الشراهة التي يظهر أنَّها كانت تزيد من حنق الناس وحقدهم على بني أمية، بالرغم من أنَّه هو بنفسه كان يبالغ في التنعّم في شبابه، ويمشي مشية الخيلاء بين الناس. [ينظر: تاريخ الخلفاء ص285، الكامل في التاريخ ج2 ص103، كشف الغمة ج1 ص495، شرح نهج البلاغة للمعتزليّ ج16 ص278، الأمالي للطوسيّ ص266].
على العموم، تحسب له هذه المواقف التي جعلته بالنسبة لسلسلة الطواغيت من بني أمية أفضل منهم.
لكنّ هذا لا يلغي حقيقة انحرافه وظلمه، لما يأتي:
أولاً: غصبه مقام خلافة النبيّ (صلى الله عليه وآله) وقيادة الأمَّة، وهو حقٌّ مقصورٌ على الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام) المنصوبين من قبل الله تعالى – كما هو محرّرٌ في علم الكلام -.
فتصدّيه لهذا المقام وعدم تسليمه إياه لأصحابه الحقيقيّين يجعله مقترِفاً لكلٍّ ممَّا يلي:
1ـ مخالفة إرادة الله تعالى في أمر خلافته في الأرض.
2ـ غصب حقّ أهل البيت (عليهم السلام)، والتعدّي على حقٍّ عظيمٍ من حقوق الله تعالى.
3ـ ظلم أهل البيت (عليهم السلام) وإزالتهم عن منازلهم ومراتبهم التي رتّبهم الله تعالى فيها.
4ـ الإسهام في إقصاء وتهميش أهل البيت (عليهم السلام)، وانحراف الأمَّة عنهم، مع ما يترتب على ذلك من آثارٍ وانعكاساتٍ سلبيةٍ خطيرةٍ على حاضر الأمَّة ومستقبلها، سواء في أمر دينيّ أو دنيويّ.
ويظهر من تتبع الأخبار أنَّه قد حصلت بينه وبين الإمام الباقر (عليه السلام) مناظرة حول هذا، فسكت.
يقول الأزديّ: «قرأتُ في التاريخ: أنَّ عمر بن عبد العزيز قال: قد ناظرتُ الناس وكلَّمتهم، وإنّي لأحبُّ أنْ أكلّم الشيعة، فشخص إليه أبو جعفر محمد بن علي ومعه زرارة بن أعين، فقال: أخبرني عن مقعدك هذا الذي قعدته، أبإرثٍ من رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: لا. قال: فبوصيةٍ منه؟ قال: لا. [قال]: فبإجماعٍ من المسلمين أو لأحدٍ ولايةٍ منك؟ قال: لا. فلمَّا نهض أبو جعفر قال له زرارة: ما تقول فيه؟ قال: هو خيرٌ ممن كان قبله، وفلان خير منه» [تاريخ الموصل للأزديّ ص5].
وثانياً: بقي عمر - والنظام الأموي ككلّ - على ذات المرتكزات والمنهج الفكريّ والعقائديّ، ولم يُؤثر عنه تغييره شيئاً من ذلك، سوى أنَّه قام بتغييراتٍ على صعيد الأسلوب وكيفية التعاطي. فكانت سياسته أميل للين، والتقرب إلى العلماء، والبعد عن مظاهر الفحش، ولجم شراهة بعض أمراء بني أمية كما يروى.
بينما من جهةٍ أخرى بقي ولاؤه للبيت الأمويّ، مع ما يحمله هذا البيت من انحراف؛ إذ وطّد سلطانهم، وسمح بوصوله إلى من بعده منهم، كما روي أنَّه قام بجلد أحدهم لمجرد نيله من معاوية بن أبي سفيان [ينظر: تاريخ الخلفاء ص279].
وأنَّه كان يبغض من يقول بالرجعة، ويميز الصالح من بني هاشم بذلك، فقد نقل الذهبيّ عن الزبير بن بكّار قال: قال عمر بن عبد العزيز: «إنّي لأعرف صلاح بني هاشم وفسادهم بحب كُثِّير، فمَن أحبّه منهم فهو فاسد، ومَن أبغضه منهم فهو صالح؛ لأنّه كان خشبيّاً يؤمن بالرجعة» [تاريخ الإسلام ج7 ص229].
وبقطع النظر عن شخصية «كُثيّر الشاعر» ومدى استقامته على الجادة، إلَّا أنَّ هذا النص مضافاً إلى تتبّع بقية النصوص التاريخيَّة يكشف أنَّ الذي تغير زمن عمر بن عبد العزيز هو أسلوب إدارة الحكم - كما حصل أيام المأمون بالنسبة لبقية حكام بني العباس -، أما على صعيد المنهج والأيديولوجيا فقد بقي النظام الأمويُّ وعمر على ما هم عليه من عقيدةٍ مناهضةٍ لفكر أهل البيت (عليهم السلام).
كما أبقى عمر على ولاية العهد ليزيد بن عبد الملك، المعروف بطغيانه ومجونه، وكتب له يوصيه بالحكم والرعية وهو على فراش الموت، بينما كان الواجب عليه ألَّا يسمح بأنْ تؤول رقبة الأمَّة ومصيرها إلى يد هذا الماجن وأنْ يعلن عزله، أو أنْ يصدر منه على الأقل موقفٌ مناهضٌ للبيت الأمويّ، ومؤيدٌ لأهل البيت (عليهم السلام) ولو في آخر حياته، وحين تحسَّس دنو الأجل، ولكن أي شيءٍ من ذلك لم يحصل. [ينظر: تاريخ الخلفاء ص287].
وثالثاً: لأهل بيت العصمة (عليهم السلام) بياناتٌ صريحةٌ لأصحابهم حول عمر بن عبد العزيز، تعدّه من جملة المنحرفين عن الحقّ؛ نذكر طرفاً منها:
روى الشيخ الصفّار عن عبد الله بن عطاء التميميّ قال: «كنت مع عليّ بن الحسين في المسجد، فمرّ عمر بن عبد العزيز عليه شِراكاً فضّة، وكان من أحسن الناس وهو شاب، فنظر إليه علي بن الحسين، فقال: يا عبد الله بن عطاء، ترى هذا المترف؟ إنَّه لن يموت حتَّى يلي النّاس، قال قلت: هذا الفاسق؟ قال: نعم، لا يلبث فيهم إلَّا يسيراً حتَّى يموت، فإذا مات لعنه أهل السماء، واستغفر له أهل الأرض» [بصائر الدرجات ج1 ص170].
وروى الراونديّ عن أبي بصير قال: «كنت مع الباقر (عليه السلام) في المسجد إذ دخل عمر بن عبد العزيز، عليه ثوبان ممصّران متّكئاً على مولى له، فقال (عليه السلام): ليلينّ هذا الغلام، فيُظهر العدل، ويعيش أربع سنين، ثمّ يموت، فيبكي عليه أهل الأرض، ويلعنه أهل السماء. فقلنا: يا ابن رسول اللّه، أليس ذكرت عدله وإنصافه؟ قال (عليه السلام): يجلس في مجلسنا، ولا حقّ له فيه. ثمّ ملك، وأظهر العدل جهده» [الخرائج والجرائح ج1 ص276].
اترك تعليق