دور عائشة في معركة صفين

السؤال: هل توجد أدلَّةٌ تاريخيَّةٌ على وجود تنسيقٍ بين عائشة ومعاوية بن أبي سفيان أثناء معركة صفّين؟ وما دلالة الرواية التي تذكر أنَّ زفر بن الحارث كان رسولاً من معاوية إلى عائشة زمن صفّين؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

اعلمْ - أيدك الله - أنَّ المصادر التاريخيَّة تفيد بأنَّ عائشة كانت تتابع أحداث الصراع بين الإمام عليّ (عليه السلام) ومعاوية باهتمامٍ كبيرٍ؛ وذلك امتداداً لموقفها السابق في واقعة الجمل، وما نتج عنه من خلافٍ سياسيٍّ مع الإمام عليّ (عليه السلام).

ومن الشواهد التي يستدلُّ بها بعض المؤرِّخين ما روي من أنَّها أظهرت السرور عندما بلغها خبر استشهاد الإمام عليّ (عليه السلام)، وأنَّها سألت عن قاتله ثمَّ أنشدت أبياتاً شعريَّة في ذلك؛ حيث روى أرباب السير والمؤرِّخون أنَّها لما نُعي إليها (عليه السلام) قالت:

فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى *** كَمَا قَرَّ عَيْناً بِالإِيَابِ الْمُسَافِرُ

ثمَّ سألتْ: من قتله؟، فقيل: رجل من مراد، فقالت:

فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى *** كَمَا قَرَّ عَيْناً بِالإِيَابِ الْمُسَافِرُ

فَإِنْ يَكُ نَائِياً فَلَقَدْ نَعَاهُ *** غُلَامٌ لَيْسَ فِي فِيهِ التُّرَابُ

فأنكرتْ عليها زينب بنت أبي سلمة مقالتها هذه، فاعتذرت عائشة بالنسيان قائلة: «إنّي أنسى، فإذا نسيتُ فذكروني» [تاريخ الطبريّ ج4 ص115، جواهر المطالب ج1 ص169، مقاتل الطالبيّن ج1 ص11].

وهو أثرٌ كاشفٌ بوضوحٍ عن عمق المباينة النفسيَّة والسياسيَّة المستمرَّة لخط الخلافة الشرعيَّة.

فما أخرجه أبو عليّ القشيريّ في [تاريخ الرقة ص36] يُعدُّ مستنداً تاريخيّاً وثيقاً، يرفع الستار عن قنوات الاتصال السريّ، وآليات الحشد المعنويّ بين جبهة الشام ومراكز النفوذ في المدينة المنوَّرة إبّان الفتنة الكبرى بين الفئة المحقّة أهل العراق بقيادة إمام زمانهم والخليفة الشرعيّ، والفئة الباغية أهل الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان.

وإن كان الثابتُ تاريخيّاً أنَّ عائشة قد اعتزلت العمل العسكريّ المباشر، ولزمت بيتها في المدينة المنوَّرة بعد فشلها في حرب الجمل (عام 36 هـ)، ولم تشهد ساحة صفّين بنفسها، إلا أنَّ إرسال معاوية لزفر بن الحارث الكلابيّ – وهو من الوجوه العسكريَّة البارزة – باعتباره رسولاً خاصّاً إليها وقت الحرب، يحمل دلالاتٍ استراتيجيَّةً مهمَّة، تفصيلها كالتالي:

أولاً: الاستمداد المعنويّ والشرعيّ:

كان معاوية يدرك أنَّ عائشة تُمثّل المرجعيَّة الرمزيَّة الأولى للخط المطالب بدم عثمان، كونها أوَّل من رفع هذا الشعار وشقّ عصا الطاعة في الجمل، فكان تواصله معها يهدف إلى استدرار غطاءٍ شرعيٍّ، ودعمٍ معنويٍّ يشدّ من أزر أهل الشام ويُبرِّر خروجهم على الإمام (عليه السلام).

وثانياً: الاطلاع المشترك والتنسيق الرمزيّ:

يُظهر الأثر أنَّ معاوية كان حريصاً على إحاطتها بتطورات الميدان العسكريّ، أو التماس موقفٍ علنيّ أو سريّ منها يُدين معسكر الكوفة، أو يثبّط وجوه الصحابة والتابعين في المدينة عن نصرة أمير المؤمنين (عليه السلام).

وثالثاً: الدعم غير المباشر للمشروع الأمويّ:

إنَّ الرضا النفسيّ وتواصل الرسائل في فتراتٍ حرجةٍ (كصفّين وما تلاها) كان يصبُّ في مصلحة تقويض سلطة الخلافة الحقّة، فمواقفها السابقة هي التي أسَّست للمطالبة بدم عثمان، وجعلت من هذا الشعار ذريعةً بيد معاوية؛ ليكون هذا التواصل حلقةً وثيقةً من حلقات المناهضة والخذلان للسلطة الشرعيَّة، وإذكاءً لنار الفتنة ضد وصيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ورابعاً: تحريضها على قتال أمير المؤمنين (عليه السلام):

نقل السيد المرتضى (قدس سرُّه) عن محمد بن إسحاق: أنَّ عائشة لما وصلت إلى المدينة راجعةً من البصرة، لم تزل تحرِّض الناس على أمير المؤمنين (عليه السلام) وكتبت إلى معاوية وإلى أهل الشام مع الأسود بن أبي البختريّ لتحرِّضهم عليه [الشافي في الإمامة ج4 ص351].

فهذا الأثر وإن لم يُثبت جنبة التنسيق العسكريّ الميدانيّ المباشر لغيابها عن الأرض، فإنه يُثبتُ على نحو القطع واليقين وجود تنسيقٍ سياسيٍّ، وتواطؤٍ معنويٍّ خلفيّ، استهدف إضعاف جبهة الحق وتقوية شوكة أهل البغي.

وعليه، فإنَّ هذه الروايات لا تثبت وجود تنسيقٍ عسكريٍّ مباشرٍ بين عائشة ومعاوية في معركة صفّين، لكنها تُستدلُّ بها عند بعض الباحثين على وجود تواصلٍ أو تنسيقٍ سياسيّ ومعنويّ بينهما خلال تلك المرحلة.

نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوَّلاً وآخراً.