هل دعاء التوسل بفاطمة (ع) مروي عند العامة؟
السؤال: هل دعاء «اللَّهُمَّ إنّي أسالك بحقِّ فاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها، والسرِّ المستودع فيها» أو بمضمون آخر مشابه له مرويٌّ عند علماء جمهور المسلمين، أم هو من مختصَّات مدرسة أهل البيت؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
بدايةً، لا بأس أنْ يعلم السائل بأنَّ هذا الدعاء مرويٌّ في مصنَّفات الأصحاب بعدَّة صيغ، بل في بعضها أنَّه من أدعية الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) حيث كانت مواظبةً على قراءته في قنوت الصلاة.
قال السيد المرعشيّ (طاب ثراه): (من الأدعية التي أكَّد أرباب كتب السنن بقراءتها في القنوت، ما أرويه عن والدي العلَّامة وغيره، عن العلَّامة جمال السالكين الحاج السيد مرتضى الرضويّ الكشميريّ، بطرقه إلى قدوة الناسكين مولانا السيد رضيّ الدين بن طاووس الحسنيّ، بطرقه أنَّ سيدتنا الزهراء البتول (روحي لها الفداء) كانت تدعو في القنوت بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ إنّي أسألك بحقِّ فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسرِّ المستودع فيها أنْ تصلِّي على محمَّدٍ وآل محمَّد، وأنْ تفعل بي ما أنت أهله، ولا تفعل بي ما أنا أهله، برحمتك يا أرحم الراحمين». وقال: إنَّ هذا دعاء الملائكة في قنوتاتهم) [العروة الوثقى والتعليقات عليها ج7 ص440].
وللمزيد عن مصادره وصيغه الواردة يُمكنكم مراجعة جواب مركزنا بعنوان: (مصدر دعاء: «والسر المستودع فيها»)، كما يمكنكم مراجعة ما كُتب حول حقيقة السر بعنوان: (ما هو السر المستودع عند سيدتنا فاطمة الزهراء)، فراجع واغتنم.
إذا بان هذا، فنقول:
بعد التتبُّع في المصادر والمكتبات المتاحة لدينا، لم نعثر في كتب العامة المشهورة عندهم على مَن روى هذا الدعاء بلفظه أو ما يقرب منه، إلَّا أنَّهم ـ باستثناء الفرقة الوهابية ـ لا يرون بأساً بمضمونه ولا مانعاً من الدعاء به، انسجاماً مع مبانيهم ومعتقداتهم في هذا الباب.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ العامة وإنْ لم ينقلوا هذا الدعاء في كتبهم المعروفة، ولكنَّهم لا يرون إشكالاً عقائديّاً فيه؛ لكونه توسُّلٌ إلى الله تعالى بحقِّ فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وأبيها (صلَّى الله عليه وآله)، وبعلها أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبنيها الحسن والحسين (عليهما السلام)، وهو أمرٌ مشروعٌ وجائزٌ بلا إشكال.
يرى جمهور علماء العامة أنَّ التوسُّل بالأنبياء وغيرهم أمرٌ جائزٌ في حدِّ نفسه، كما صرَّحت به كلمات أعلامهم، نذكر جملةً منها:
1ـ قال المرداويّ الحنبليّ: (يجوز التوسُّل بالرجل الصالح على الصحيح من المذهب. وقيل: يستحب. قال الإمام أحمد للمروزيّ: يتوسَّل بالنبيّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) في دعائه. وجزم به في المستوعب وغيره. وجعله الشيخ تقي الدين كمسألة اليمين به، قال: والتوسُّل بالإيمان به وطاعته ومحبته والصلاة والسلام عليه وبدعائه وشفاعته ونحوه مما هو من فعله أو أفعال العباد المأمور بها في حقِّه مشروعٌ إجماعاً، وهو من الوسيلة المأمور بها) [الإنصاف ج2 ص456].
2ـ وقال علي بن عبد الكافي السبكيّ: (اعلم، أنه يجوز ويحسن التوسُّل والاستغاثة والتشفُّع بالنبيّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) إلى ربه سبحانه وتعالى. وجواز ذلك وحسنه من الأمور المعلومة لكلِّ ذي دين، المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين، وسير السلف الصالحين، والعلماء والعوام من المسلمين. ولم ينكر أحدٌ ذلك من أهل الأديان، ولا سُمِعَ به في زمن من الأزمان، حتَّى جاء ابن تيمية، فتكلَّم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء الأغمار، وابتدع ما لم يسبق إليه في سائر الأعصار) [شفاء السقام ص٢٩٣].
3ـ وقال ابن حجر الهيتميّ: (من خرافات ابن تيمية التي لم يقلها عالمٌ قبله، وصار بها بين أهل الإسلام مُثلة، أَّنه أنكر الاستغاثة والتوسُّل به (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) وليس كما افترى، بل التوسُّل به (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) حسنٌ في كلِّ حال، قبل خلقه وبعده، في الدنيا والآخرة. فمما يدل لطلب التوسُّل به (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) قبل خلقه، وأنَّ ذلك هو سيرة السلف الصالح، الأنبياء والأولياء وغيرهم. فقول ابن تيمية ليس له أصل) [الجوهر المنظَّم ص171].
4ـ وقال أبو العبَّاس القسطلانيّ: (وأمَّا التوسُّل به (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) بعد موته في البرزخ فهو أكثر من أنْ يُحصى أو يدرك باستقصاء، وفي كتاب مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام للشيخ أبي عبد الله بن النعمان طرفٌ من ذلك) [المواهب اللدنية بالمنح المحمدية ج3 ص606].
5ـ وجاء في الفتاوى الهندية في التوسُّل بالشيخين قوله: (السلام عليكما يا ضجيعي رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) ورفيقيه، ووزيريه ومشيريه، والمعاونين له على القيام في الدين، والقائمين بعده بمصالح المسلمين ... جئناكما نتوسُّل بكما إلى رسول الله، ليشفع لنا ويسأل ربنا أنْ يتقبَّل سعينا) [الفتاوى الهندية ج1 ص266]. إلى غيرها من كلماتهم في جواز ومشروعية التوسُّل.
ومن هذا المنطلق: ما نقله محمَّد بشير السهسوانيّ الهنديّ في كتابه عن بعض العارفين أنه كان من دعائهم: «اللَّهُمَّ ربَّ الكعبة وما بناها، وفاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها، نوِّر بصري» [صيانة الإنسان ص302].
كما أنَّ من ذلك أيضاً: ما ذكره الدكتور السيد عبد الباري في مسجد الفتَّاح العليم في خطبة عيد الفطر المبارك لعام (1447هـ) من الهجرة المباركة بحضور الرئيس المصريّ عبد الفتَّاح السيسيّ وقيادات الدولة وسائر الشخصيات الأُخرى من قوله في الدعاء: «اللَّهُمَّ يا ربِّ بحقِّ فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها وبالسر الكامن فيها لا تجعل لمصر حاجةً عند لئيمٍ من خلقك، واقضِ حاجاتنا وأنت بها أعلم، فضلاً منك يا كريم». مما يكشف عمَّا قلناه من مشروعية هذا الدعاء وأمثاله عندهم.
والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ هذا الدعاء المبارك وإنْ لم يرد في كتب العامة المعروفة ولكنه أمرٌ جائزٌ ومشروعٌ.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق