هل تابت عائشة عن خروجها يوم الجمل؟
السؤال: يذكر المخالفون: أنَّ المستفيض في الأثر، والمنقول في جوامع التواريخ والسير، ندم عائشة على شخوصها يوم الجمل، حتَّى لهجت بالتمني أنَّها كانت ميتةً قبل ذلك بعقدين من الزمان كمداً وتأسفاً، وثبت رجوعها إلى تصويب مواقف أمير المؤمنين (عليه السلام). ومقتضى خروجها من الدنيا على التوبة والإنابة سقوط التبعة عنها وعفا الله عما سلف، فلا يصحّ جعل تصرفاتها السابقة ذريعةً للغمز والطعن فيها. فما هو رأيكم بهذا التبرير؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
اعلمْ – أيدك الله – أنَّ القول بأنَّ التوبة قد أسقطت المسؤوليَّة عن هذه الأفعال محلّ مناقشةٍ من جهتين:
الأولى: أنَّه لم يثبتْ تاريخياً أنَّها تابتْ من كلِّ ما نُسب إليها من أخطاء.
والثانية: أنَّ الأفعال التي صدرتْ منها ترتبتْ عليها نتائج خطيرةٌ، أهمَّها سفك دماءٍ كثيرةٍ من المسلمين قُدِّر عددها بأكثر من عشرة آلاف قتيل، فضلاً عن أنَّها كانت سبباً في إثارة الفتنة والانقسام بين المسلمين وكسر وحدة الجماعة.
ويتضح ذلك من خلال عدة أمور:
أولاً: المخالفات التي ترتَّبت على خروجها إلى البصرة:
1ـ مخالفة ظاهر القرآن الكريم، إذ خرجتْ من بيتها مع أنَّ الله تعالى أمر نساء النبيّ بقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَّ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾ [الأحزاب: 33].
2ـ الإسهام في تفريق جماعة المسلمين وشقّ وحدتهم، مع ورود النهي الشديد عن ذلك في الأحاديث النبويَّة: «من أتاكم وأمركم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ - يريد أنْ يشقَّ عصاكم، أو يفرِّق جماعتكم - فاقتلوه» [صحيح مسلم ج6 ص23].
3ـ الخروج على الإمام الشرعيّ، وهو أمر جاءت النصوص بالتحذير منه واعتباره من أسباب الضلال والانحراف، فقد ورد: «من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنَّه من خرج من السلطان شبراً مات ميتةً جاهليةً» [صحيح البخاري ج6 ص2588].
وثانياً: أنَّ ما نُقل عنها من الندم لا يدلُّ بالضرورة على التوبة الكاملة:
فالروايات التي تذكر تأثرها وبكاءها عند سماع آية الحجاب يمكن أنْ تُفسَّر بأنَّها ندمتْ على خروجها من البيت خاصَّةً، أو أنَّها تحسّرتْ بسبب فشل ما كانت ترجو تحقيقه وما لحقها من أذىً وذلٍّ، ولا يدل ذلك بالضرورة على التوبة من كلِّ الأفعال الأخرى المنسوبة إليها.
وثالثاً: أنَّ بعض الروايات التاريخيَّة الواردة في كتب علماء الإمامية استُدلّ بها على استمرار موقفها المعارض لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وأهل بيته؛ ولذلك ألَّف الشيخ المفيد كتاباً بعنوان (الكافئة في إبطال توبة الخاطئة)، وذكر فيه عدداً من الأخبار التي استند إليها في نفي ثبوت توبتها نذكر منها - على سبيل المثال -:
1ـ عن محمد بن إسحاق: أنَّها لما قفلتْ راجعةً إلى المدينة، لم تزلْ تحرِّض الناس على أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكاتبتْ معاوية وأهل الشام مع الأسود بن أبي البختري تستنهضهم عليه [الكافئة ص144، الشافي في الإمامة ج4 ص351].
2ـ ما رواه مسروق في مقالتها عن غلامها الذي سمَّته «عبد الرحمن»؛ حبّاً بقاتل أمير المؤمنين عبد الرحمن بن ملجم [الكافئة ص144، الشافي في الإمامة ج4 ص351].
3ـ تضافرت النقول التاريخية من إظهارها السرور عند بلُوغها نبأ شهادته (عليه السلام)؛ حيث روى أرباب السير والمؤرخون أنَّها لما نُعي إليها (عليه السلام) قالت:
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى * كما قرّ عيناً بالإيابِ المسافرُ
ثمّ سألت: مَن قتله؟ فقيل: رجلٌ من مراد، فقالت:
فأنْ يكُ نائياً فلقد نعاه * غلامٌ ليس في فيه الترابُ
فأنكرتْ عليها زينب بنت أبي سلمة مقالتها هذه، فاعتذرتْ عائشة بالنسيان قائلةً: إنّي أنسى، فإذا نسيتُ فذكِّروني [ينظر: تاريخ الطبريّ ج4 ص115، جواهر المطالب ج1 ص169، مقاتل الطالبين ج1 ص11، الكافئة في إبطال توبة الخاطئة ص144، الشافي في الإمامة ج4 ص350].
4ـ ما روي عن ابن عباس – في خبر طويل - في منعها دفن الامام الحسن المجتبى (عليه السلام) جنب جدّه المصطفى (صلى الله عليه وآله): فأقبلتُ مبادراً فإذا أنا بعائشة في أربعين راكباً على بغلٍ مرحلٍ، تقدّمهم و تأمرهم بالقتال، فلما رأتني قالتْ: إليَّ إليَّ يا ابن عباس، لقد اجترأتم عليَّ في الدنيا تؤذونني مرَّةً بعد أخرى، تريدون أنْ تدخلوا بيتي من لا أهوى ولا أحبّ. فقلتْ: وا سوأتاه، يومٌ على بغل، ويومٌ على جمل، تريدين أنْ تطفئي نور الله، وتقاتلي أولياء الله، وتحولي بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين حبيبه أنْ يدفن معه؟ ارجعي فقد كفى الله [ينظر: الكافئة ص144، الشافي في الإمامة ج4 ص350، الأمالي للطوسي ج1 ص64، مناقب آل أبي طالب ج3 ص89].
وعليه؛ أنَّ التوبة الشرعيَّة المسقطة للإثم والعقاب لم تقمْ عليها أمارةٌ معتبرةٌ في مقام الاحتجاج، وأقصى ما روي هو الندم على فقد الاستقرار في المنزل، وهو لا يفي برفع تبعات الخروج وإراقة الدماء.
ومجرّد الندم النفساني - بفرض ثبوته - لا ينفكّ عن عهدة التبعات العظمى التي تترتب عليها حقوق الآدميّين وإراقة الدماء المعصومة، وقواعد العدل الإلهيّ والضمان الفقهيّ تقتضي أنَّ الخروج على الإمام الشرعيّ الذي أدَّى إلى طحن آلاف النفوس المعصومة - والتي أربتْ على عشرة آلاف وفي بعض السير عشرين ألفاً - لا يرتفع إثمه بمجرّد التحسّر البارد، بل هو جنايةٌ بحقّ الأمّة، وسيّئةٌ كبرى لا تُبقي ولا تذر؛ لكونها أوّل من سنَّ الشقاق، وشقَّ عصا الطاعة، وهتك حجاب الحرمة في الإسلام.
إضافة إلى عدم قيام الدليل المعتبر والكاشف القطعيّ على تحقق التوبة النصوح الجامعة لشروطها الشرعيَّة، بل الدلائل التاريخيَّة والقرائن الحاليَّة ناطقةٌ بخلاف ذلك.
نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوّلاً وآخراً.
اترك تعليق