هل اتساع الكون ووجود الألم دليل على العبث؟
السؤال: هل الكون عبثيّ؟ لو وُجد إلهٌ قادرٌ على كلِّ شيءٍ، عليم بكلِّ شيءٍ، وخيّرٌ إلى أقصى حدٍّ، لكان الكون مكاناً أفضلاً ليُثبتَ وجودَه. فنحن لا نرى بصمات مصمّمٍ كاملٍ، بل نرى كوناً مليئاً بالأخطاء والارتجال واللامبالاة، نرى مجرّاتٍ لا تُحصى في فراغٍ كونيٍّ هائلٍ، وكواكب عقيمةً أكثر مِنْ حبات الرملِ، وانقراضاتٍ جماعيّةً محتْ معظم الكائنات التي عاشتْ على الأرض، وأمراضاً وراثيّةً تفتك بالأطفال قبلَ أنْ يتعلموا حتّى النطقَ. الغريبُ أنَّ المؤمن لا يلاحظْ ذلك، فهو يعيش في عالمٍ بناه العلم، ويعالج أمراضَه بالعلم، ويتواصل عبر تقنياتٍ صنعها العلمُ، ثمَّ يعود ليمنحَ الفضل لكائنٍ لم يتركْ أثراً واحداً يمكنُ اختباره أو قياسُه أو التحققُ منه.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الكلام ليس دليلاً علمياً على عبثيّة الكون، بل انطباعٌ شخصيٌّ صيغ بلغةٍ عاطفيّةٍ، وجُمعتْ فيه المجرّات والكواكب الخالية مِنَ الحياة وآلام الأطفال، ثمَّ قيل لنا: هذه أخطاء تثبت غياب اللهِ. والحال أنَّ العلم لم يقرّر أنَّ كثرة المجرّات خطأ، ولا أنّ الكواكب التي لا نعرف فيها حياةٌ عديمة الفائدة، ولا أنَّ وجود المرض دليلٌ على عدم الخالق. هذه أحكام فلسفية أضافها المستشكل من عنده، ثمّ حاول أن يمنحها هيبة العلم. فهو لم يثبت أنَّ الكون بلا حكمة، وإنّما أعلن أنّه لا يعرف كلّ حكمته، وبين الأمرين فرقٌ كبير.
يقول: لو وُجد إلهٌ كاملٌ لكان الكون «مكاناً أفضل»!
ولكن، مَن الذي حدَّد معنى الأفضل؟ وعلى أيِّ أساسٍ قرَّر أنّ الكون الأفضل هو الأصغر حجماً، أو الأقلّ كواكب، أو الخالي تماماً من الألم، أو الذي يظهر الله فيه كما يظهر جسمٌ تحت المجهر؟
هذه ليست نتيجةً عقليَّةً، وإنّما ذوقٌ شخصيٌّ يريد صاحبه أنْ يجعل منه معياراً يحاكم به الخالق: كان ينبغي أنْ يصمّم الله الكون بحسب تصوّري، وحين لم يفعل، فلا إله! وهذه ليست فلسفة، بل اعتراض زبونٍ غير راضٍ عن مواصفات السلعة.
أمّا كثرة المجرات والكواكب، فلا تدلّ على الخطأ أو العبث؛ لأنَّ الخطأ لا يثبت إلَّا بعد معرفة الغاية المقصودة من الشيء، ثمّ إثبات فشله في تحقيقها، فمَن قال إنَّ كلَّ كوكبٍ خُلِق ليسكنه الإنسان؟ وهل كلّ ما لا نعرف فائدته يصبح بلا فائدة؟ بهذا المنطق يكون البحر هدراً لأنّنا لا نعيش في أعماقه، والجبال خطأ لأنّها لا تصلح كلّها للزراعة، والصحراء عيباً لأنّها لا تشبه حديقة منزل المستشكل.
وكذلك الانقراضات لا تثبت أنَّ الحياة ارتجال؛ فهي جزءٌ من تاريخٍ حيويٍّ متغيرٍ تظهر فيه أنواعٌ وتزول أخرى، وتتبدّل البيئات وتتكوّن أنظمةٌ جديدةٌ. والحياة ليست معرضاً ثابتاً يجب أنْ تبقى فيه كلّ الكائنات إلى الأبد.
ومن الطريف أنَّ الملحد يستدل بالتطوّر والانقراض على قدرة الطبيعة على إنتاج التنوّع، ثمّ يعود في الجملة التالية ليجعل الظاهرة نفسها دليلاً على فشل النظام.
أمّا الأمراض الوراثيّة وآلام الأطفال، فهي بلا شك من أشدّ صور الألم، لكنَّها لا تتحوّل بمجرّد قسوتها إلى برهانٍ على عدم وجود الله. فالانتقال من قولنا: «هذا مؤلمٌ» إلى قولنا: «إذن لا يوجد إله» يحتاج إلى إثبات أنَّ الإله الخيِّر يجب أنْ يمنع كلّ ألم، في كلّ وقتٍ، عن كلّ إنسان، وأنّه لا يمكن أنْ يكون للألم أيّ موقع في نظام أوسع، ولا توجد حياة أخرى يتحقّق فيها العدل والتعويض. والمستشكل لم يثبت شيئاً من ذلك، بل افترضه ثمّ بنى النتيجة عليه.
والعجيب أنَّه يتحدّث عن الخير والشر والخطأ واللامبالاة وكأنَّها حقائق موضوعيَّة، مع أنَّ رؤيتَه الماديَّة تجعل الكون مادَّة عمياء لا تعرف خيراً ولا شرّاً، ولا تقصد غاية، ولا تبالي بأحد. فإذا كان الإنسان مجرَّد تفاعلات كيميائيَّة وحركة ذرَّات، فمن أين جاء الحكم بأنَّ موت الطفل شرّ «كان ينبغي» ألَّا يقع؟ ولماذا تُلام الطبيعة على عدم الرحمة، وهي عنده لا عقل لها ولا إرادة ولا واجب أخلاقيّاً؟
إنَّ المادَّة قد تفسّر كيف وقع الألم، لكنَّها لا تفسّر لماذا يكون الألم ظلماً؟ ولماذا ينبغي أنْ يكون العالم أرحم؟ فالمستشكل يستعير من الإيمان فكرة الخير الموضوعيّ والعدل والغاية، ثمَّ يستخدمها للاعتراض على الإيمان.
ثمَّ يجعل العلم خصماً لله، وكأنَّ المؤمن حين يتناول الدواء يعترف بأنَّ الكون بلا خالق.
والعلم لا يصنع القوانين التي يكتشفها، بل يدرسها ويستفيد منها. فالطبيب يكتشف أسباب المرض ويصنع الدواء اعتماداً على خصائص موجودة في الطبيعة، لكنَّه لم يخلق العقل، ولا المادَّة، ولا قوانين الكيمياء، ولا قابليَّة الجسم للعلاج.
ونسبة الشفاء إلى الدواء والطبيب لا تنافي نسبته إلى الله؛ لأنَّ المؤمن لا ينكر الأسباب، بل يضع كلَّ سبب في مرتبته: الطبيب سبب، والعلم وسيلة، والطبيعة نظام، والله خالق الأسباب والنظام والإنسان القادر على اكتشافه.
أمَّا قوله: إنَّ الله لم يترك أثراً يمكن اختباره. فهو يشبه مَن يقرأ كتاباً بالغ الإحكام ثمَّ يقول: لم أرَ المؤلِّف بين الحروف، إذن لا مؤلف له. الله ليس جسماً داخل الكون حتَّى يُرصَد بجهاز أو يُقاس في مختبر، بل يُستدلّ عليه من وجود الكون وافتقاره وانتظامه وقابليَّته للفهم، ومن ظهور العقل والوعي والقيم فيه.
فالعلم يجيب عن كيفيَّة حدوث الظواهر، لكنَّه لا يجيب وحده عن سبب وجود الكون، ولا عن منشأ قوانينه، ولا عن سبب قابليَّته للفهم. وعدم قدرة المجهر على رؤية الله لا يثبت عدمه، كما أنَّ عجز المجهر عن رؤية العدالة والكرامة لا يجعلهما خرافة.
وفي المحصِّلة، لا يثبت اتّساع الكون العبث، ولا تثبت الكواكب الخالية من الحياة الخطأ، ولا يثبت الانقراض غياب الحكمة، ولا يثبت المرض عدم وجود الله. كل ما تثبته هذه الظواهر أنَّ العالم ليس جنَّة أبديَّة، بل عالم تجري فيه الحياة والموت والصحَّة والمرض، وهذا ما يقوله الدين نفسه.
أمَّا وصف الكون بأنَّه مليء بالأخطاء والارتجال، فليس حكماً علمياً، بل انطباع شخص صنع في ذهنه إلهاً يجب أنْ يصمِّم الكون بحسب مزاجه، ويمنع كلَّ ألم، ويجعل كلَّ كوكب مأهولاً، ثمَّ يظهر كلَّ صباح داخل المختبر. وحين لم يجد هذا الإله المصنوع على مقاسه، أعلن أنَّ الله غير موجود. فهو لم ينف الله، وإنَّما نفى صنماً ذهنياً صنعه بنفسه ثمَّ نسبه إلى المؤمنين.
اترك تعليق