التوحيد بين الاعتقاد والتقليد

: الشيخ ليث ألعتابي

لقد لاحظت الشريعة اختلاف مستويات الناس الفكرية والثقافية، فلم تُكلِّف كل إنسان بالنظر والبحث في أصول الدين إلا بالقدر الذي يتناسب مع مستواه، ويصل به إلى قناعة كاملة بالحقيقة تطمئن بها نفسه، ويعمر بها قلبه، ويتحمل مسؤوليتها المباشرة أمام ربه(1).

أما حكم معتقد التوحيد تقليداً فقد ذهب السيد المرتضى إلى: (أنّ معتقد الحق على سبيل التقليد غير عارف بالله تعالى، ولا بما أوجب عليه من المعرفة به فهو كافر؛ لإضاعته المعرفة الواجبة... فإذا ثبت كفر من ضيّع المعارف فلا شبهة في أنّه فاسق؛ لأنّ كل كفر فسق وإن لم يكن كل فسق كفراً)(2).

ولكن ذهب بعض علماء الطائفة إلى أنّ حكم معتقد التوحيد تقليداً لأهل الحق، هو أنّه مصيب في اعتقاده مخطئ في تقليده، فيرتجى له العفو ما يرجى لغيره من مستضعفي أهل الحق(3).

شبهات الشرك داخل منظومة التوحيد:

لقد أُثيرت بعض الشبهات حول بعض الأعمال وعدت شركاً بالله تعالى في العبادة، كزيارة القبور وإقامة المآتم والاحتفالات والتوسل بالصالحين وطلب الشفاعة منهم وغيرها، مع أنّها ليست من نوع التقرب إلى غير الله تعالى في العبادة كي تعد شركاً كما توهّمه بعض من يريد الطعن في طريقة الإمامية، بل هي من نوع التقرب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة، كالتقرب إليه بعيادة المريض وتشييع الجنائز وزيارة الإخوان في الدين ومواساة الفقير.

إنّ إقامة هذه الأعمال الغرض منه ليس الشرك في العبادة كما يتوهمه البعض، كما وليس المقصود منها عبادة الأئمة (عليهم السلام)، وإنمّا المقصود منها إحياء أمرهم، وتجديد ذكرهم، وتعظيم شعائر الله تعالى فيهم. فكل هذه أعمال صالحة ثبت من الشرع استحبابها، فإذا جاء الإنسان متقرباً بها إلى الله تعالى طالباً مرضاته استحق الثواب منه ونال جزاءه(4).

الأثار الفقهية لشهادة التوحيد:

إنّ للتوحيد جملة من الأثار الفقهية نذكر منها:

1ـ إنّ الإقرار بالتوحيد أول الإيمان بالله تعالى، وشهادة التوحيد هي قول: (لا إله إلا الله). ومن نطق بها وأضاف لها شهادة الإقرار بالنبوة سمي مسلماً وحقن ماله ودمه إلا بحقهما وحسابه على الله سبحانه(5).

والدليل عليه قول رسول الله (ص): ((من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقد حقن ماله ودمه إلا بحقها، وحسابه على الله عز وجل))(6).

2ـ من الآثار الفقهية الأُخرى لشهادة التوحيد، هو أنّ اعتقاد الغالي لو آل إلى إنكار الصانع، أو إثبات الشريك، أو تكذيب القرآن الكريم فلا محالة يوجب الكفر والنجاسة.

3ـ من الآثار الفقهية لشهادة التوحيد، هي حلية ذبيحة من نطق بها، وعليه إجماع المسلمين.

4ـ كفر منكر التوحيد، وترد شهادة كل مخالف في شيء من أصول العقائد ومنها التوحيد.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الفتاوى الواضحة، ص 91ـ92.

(2) المسائل الرسيّة الأولى (رسائل الشريف المرتضى)، ج2، ص 316ـ317.

(3) إشارة السبق، الحلبي، ص35.

(4) عقائد الإمامية، ص 15 ـ 16.

(5) الهداية، ص 54.

(6) كمال الدين، ص 410.