كيف كتبت أسماء الائمة على العرش؟

سؤال: إذا كان العرش بمعنى السلطة، فبماذا تفسرون الروايات التي تقول: أسماء الائمة عليهم السلام مكتوبة على ساق العرش؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

العرش - بحسب روايات أهل البيت (عليهم السلام) - مخلوق مربوب لله تعالى، وهو بالتالي ليس مكاناً لله كما يتصوّر المشبّهة، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): "وليس العرش - كما تظنّ - كهيئة السرير، ولكنه شيء محدود مخلوق مدبّر، وربّك عز وجل مالكه، لا أنّه عليه ككون الشيء على الشيء ".

فالله سبحانه وتعالى منزّه عن المكان؛ بل هو خالق المكان ومحيط به، ولم يزل كائناً ولا مكان، وقد عبّر أمير المؤمنين (عليه السلام) عن ذلك بقوله: "لا يوصف الربّ جلّ جلاله بمكان، هو كما كان، وكان كما هو، لم يكن في مكان، ولم يزل من مكان إلى مكان، ولا أحاط به مكان، بل كان لم يزل بلا حد ولا كيف ".

ومع أن العرش مخلوق إلا أنّه ليس من جنس المخلوقات الماديّة، وإذا جاز لنا التعبير؛ فإنّ مقام العرش في الكون كمقام العقل في الجسم، فالعقل هو الذي يتحكّم في كلّ حركات الجسم وسكناته، والعرش يتحكّم في كلّ سنن الكون والوجود، ومن هنا كان أسمى ما في الإنسان هو العقل، وأسمى ما في الكون هو العرش، وبذلك نفهم الروايات التي تؤكد بأن العرش هو العلم، فعن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} فقال: « السماوات والارض وما بينهما في الكرسي، والعرش هو العلم الذي لا يقدر أحد قدره ».

وعلى ذلك، فالسلطة ليست معنى للعرش كما جاء في السؤال، وإنّما السلطة هي حقّ مستحقّ لمَن يكون مستوياً ومستولياً على العرش، يقول تعالى: (الرحمن على العرش استوى)، والاستواء هنا ليس بمعنى الجلوس، والعرش ليس بمعنى المكان، يقول الإمام الصادق (عليه السلام) - في تفسير هذه الآية -: "بذلك وصف نفسه، وكذلك هو مستولٍ على العرش، باين من خلقه من غير أن يكون العرش حاملاً له، ولا أن يكون العرش حاوياً له، ولا أنّ العرش محتاز له، ولكنا نقول هو حامل العرش وممسك العرش "، وعن الإمام الكاظم (عليه السلام) - في قوله: (على العرش استوى) - قال: " استولى على ما دقّ وجلّ ".

وإذا اتّضح أنّ العرش هو العلم، حينها لا تكون كتابة أسماء الائمة على العرش بمعنى النقش والرسم، وإنّما يصبح المقصود هو أنّ أسماء الائمّة وولايتهم من الحقائق والعلوم الثابتة في العرش، فكلمة (كتب) - في اللغة - تحمل معاني عديدة، منها: قضى، وجعل، وفرض - كما في قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ..) -، أي: أنّ الله جعل وقضى وفرض ولايتهم، وأثبت ذلك في مكنون علم العرش الذي به قوام السماوات والأرض.

ويمكن استظهار هذا المعنى من رواية داود الرقيّ الذي سأل فيها الإمام الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}. فقال عليه السلام: «ما يقولون في ذلك؟ قلت: يقولون: إنّ العرش كان على الماء والربّ فوقه، فقال: كذبوا، مَن زعم هذا فقد صيّر الله محمولاً، ووصفه بصفة المخلوقين، ولزمه أنّ الشيء الذي يحمله أقوى منه. قلت: بيّن لي جعلت فداك، فقال: إنّ الله عز وجل حمّل علمَه ودينَه الماءَ قبل أن تكون أرض أو سماء أو جن أو إنس أو شمس أو قمر، فلما أراد أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه فقال لهم: مَن ربّكم؟! فكان أوّل من نطق رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام والأئمة صلوات الله عليهم، فقالوا: أنت ربّنا، فحمّلهم العلم والدين، ثمّ قال للملائكة: هؤلاء حملة علمي وديني واُمنائي في خلقي، وهم المسؤولون. ثمّ قيل لبني آدم: أقرّوا لله بالربوبيّة، ولهؤلاء النفر بالطاعة، فقالوا: نعم ربّنا أقررنا، فقال للملائكة: اشهدوا. فقالت الملائكة: شهدنا على أن لا يقولوا إنّا كنّا عن هذا غافلين أو يقولوا إنّما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذريّة من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون، يا داود! ولايتنا مؤكدة عليهم في الميثاق ».