هل شكّت الزهراء (ع) بأنّ عليّاً (ع) واقع جارية؟

السؤال: وردت رواية بسند معتبر في كتاب عين الحياة للمجلسي مفادها إن فاطمة عليها السلام تشك في الامام علي عليه السلام بأنه واقع جارية اهديت له!!! هكذا روايات تقدح في اهم عقيدة شيعة وهي العصمة!

: السيد عبدالهادي العلوي

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ورد هذا الحديث من طريقين:

الأوّل: الشيخ الصدوق في [علل الشرائع ج1 ص163] عن والده، عن سعد بن عبد الله، عن الحسن بن عرفة، عن وكيع، عن محمّد بن إسرائيل، عن أبي صالح، عن أبي ذرّ، قال: « كنت أنا وجعفر بن أبي طالب مهاجرين إلى بلاد الحبشة، فأهديت لجعفر جارية قيمتها أربعة آلاف درهم، فلمّا قدمنا المدينة أهداها لعليّ (ع) تخدمه، فجعلها عليّ (ع) في منزل فاطمة، فدخلت فاطمة (ع) يوماً فنظرت إلى رأس عليّ (ع) في حجر الجارية.. ».

الثاني: الشيخ الطبريّ في [بشارة المصطفى ص163] عن جماعة، عن إبراهيم بن نصر الجرجانيّ، عن محمّد بن حمزة العلويّ المرعشيّ من كتابه، عن محمّد بن الحسن، عن محمّد بن جعفر، عن حمزة بن إسماعيل، عن أحمد بن خليل، عن يحيى بن عبد الحميد، عن شريك، عن ليث المرادي بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: « لمّا فتح رسول الله (ص) مدينة خيبر قدم جعفر (ع) من الحبشة... وكانت مع جعفر جارية، فأهداها إلى عليّ (ع)، فدخلت فاطمة (ع) بيتها فإذا رأس عليّ في حجر الجارية.. ».

أقول: يلاحظ على هذا الحديث بجملة من الملاحظات:

الملاحظة الأولى: أصل الحديث عاميّ:

فإنّ هذا الحديث وإنْ أخرجه الشيخان الصدوق والطبريّ في كتابيهما، ولكن أصل الحديث مأخوذ من العامّة.

أمّا الطريق الأوّل: فإنّ الشيخ الصدوق يرويه عن والده عن سعد عن الحسن بن عرفة بإسناده، والحسن بن عرفة من شخصيّات المخالفين، والرواة من بعده كلّهم من رواة العامّة، قال السيّد الخوئيّ: (الحسن بن عرفة: من وجوه العامّة، لقيه وسمع منه سعد بن عبد الله الأشعريّ) [معجم رجال الحديث ج5 ص372].

وأمّا الطريق الثاني: فإنّ أكثر رواته ليسوا من الإمامية، خصوصاً أنّه من رواية مجاهد الذي يعدّ من كبار العامّة.

إذن: هذا الحديث بطريقين يعدّ من أحاديث المخالفين، وليس من أحاديث الشيعة، وإنّما رواه الشيعة لِما في ذيله من فضيلة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وهي أنّه قسيم النار والجنّة، كما يروون غير ذلك من أحاديث الفضائل والمناقب من طرق المخالفين.

الملاحظة الثانية: إسناد الحديث ضعيف:

إنّ هذا الحديث بطريقيه ضعيف الإسناد وفق قواعد علم الرجال؛ إذ تضمّن الطريقان على جماعة من الرواة غير الموثّقين عندنا، ولا عند المخالفين أيضاً، فهذا الحديث ممّا لا يمكن الاستدلال به على هذا المطلب.

أضف لذلك: أنّ حديث أبي ذرّ هجرته إلى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب، وذلك لم يثبت، ولهذا علّق محقّق البحار: (لا يُعرف لأبي ذرّ هجرة إلى الحبشة) [بحار الأنوار ج43 ص147].

الملاحظة الثالثة: الحديث ليس منافياً للعصمة:

لو افترضنا أنّ هذا الحديث شيعيّ، وأنّ إسناده معتبرٌ، فنقول:

إنّ هذا الحديث لا يضرّ بالعصمة أبداً؛ إذ لا إشكال شرعاً ولا عرفاً في وضع أمير المؤمنين (عليه السلام) رأسه في حجر جارية له.

وأمّا سؤال الزهراء (عليها السلام) لأمير المؤمنين (عليه السلام) وإجابته بالنفي، ليس على نحو الاستفهام الاستنكاريّ، فضلاً عن أن يكون استفهاماً حقيقيّاً، سيّما لو قلنا بكون تحريم النساء على أمير المؤمنين (عليه السلام) مدّة حياة الزهراء (عليها السلام) مطلق يشمل الزواج الدائم والتسري بالإماء؛ إذ تعلم الزهراء (عليها السلام) يقيناً أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يرتكب إثماً لكونه طاهراً مطهّراً، فيكون سؤالها على غرار قول الله تعالى للنبي عيسى: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، وقوله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ}، فإنّ الله تعالى لا يستفهم عن جهلٍ، بل هو عالم بأنّ النبيّ عيسى لم يدعُ قومَه للشرك، كما أنّه عالم بما في يد النبي موسى (عليه السلام)، وإنّما الغاية الإلفات والتنبيه ونحو ذلك.

وقد كان هذا السؤال والذهاب للنبيّ تمهيداً لبروز فضيلة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وهي أنّه قسيم النار والجنّة، وفضيلة للزهراء (عليها السلام)، وهي أنّ ذلك كان لدخالة رضا الزهراء (عليها السلام).

قال السيّد نعمة الله الجزائريّ – عند مناقشة رواية خطبة ابنة أبي جهل –: (الثالث - وهو الأظهر عندي –: أنّها (ع) إنّما فعلته لمعرفتها بما يؤل إليه الأمر من إحضار النبيّ (ص) لمَن أحضر حتّى يكون باعثاً لإتمام الحجّة عليهما. فإذا ترتّب على مثل هذا أمثال هذه الحجج والفوائد فلا ريب أن فعله أحسن من تركه، كما وقع منها (ع) مرّة أخرى لفائدة جليلة، وهو ما رواه الصدوق (طث) بإسناده إلى أبي ذر (ره) قال: كنت أنا وجعفر بن أبي طالب مهاجرين إلى بلاد الحبشة – وساق الحديث بطوله – وترتّب مثل هذه الفائدة الجليلة على مثل هذا حسن جداً) [الأنوار النعمانية ج1 ص63].

وهناك وجوه أخرى أشار لها السيّد محمّد باقر الموسويّ بقوله: (لعلّ القضيّة اتّفقت للتعليم بأنّ المرأة الصالحة لا تشكو من زوجها، ولا تغارّ على زوجها، وبأنّها تسليم على حكم اللّه تعالى كلّ التسليم، وبأنّها إذا فعلت فعلاً على خلاف زوجها لابدّ أن تعتذر من زوجها، وتحصل رضا زوجها.. إلى غير ذلك، وإلّا لا تصدر من فاطمة (ع) فعل على خلاف ما شاء اللّه؛ لأنّها من العباد المكرّمين. والقضيّة اتّفقت ليظهر اللّه تعالى مراتب تسليمها للّه ولرسوله بقولها: « رغم أنفي لرضاك »، وهذا أقرب الوجوه) [الكوثر في أحوال فاطمة ج4 ص63].

الملاحظة الرابعة: لا تعارض بين الحديث وأدلة العصمة:

لو سلّمنا صحّة الرواية، وسلّمنا معارضتها للعصمة، فنقول:

إنّ عصمة أمير المؤمنين والزهراء (عليهما السلام) ثابتة باليقين؛ بنصّ القرآن الكريم والأحاديث المتواترة، كآية التطهير، وآية المباهلة، وحديث البضعة، وحديث الثقلين، وحديث الغدير، وغيرها.

وهذا الحديث المنافي للعصمة – لو سلّمنا ذلك – يفيد الظنّ، وإذا عارض الأدلّة اليقينيّة فتترجّح تلك الأدلّة اليقينيّة، ولا يُؤخَذ بمثل هذا الحديث الظنيّ.

الحاصل: هذا الحديث أصله عاميّ، وإسناده ضعيف، ومتنه لا ينافي العصمة، ولو سلّمنا المنافاة فهو لا يترجّح على الأدلّة اليقينيّة المثبتة للعصمة.

والحمد لله رب العالمين