دلائل معرفة الإمام (ع)
السؤال: زعم بعض أبناء الأئمَّة ادعاء مقام الإمامة، فهل وضع الأئمَّة (ع) علاماتٍ معيَّنةً تساعد في التمييز بين الإمام الحقيقيّ والمدّعي؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم –أيدك الله- أنَّه نظرًا لكون الإفصاح عن النصوص التي تدلُّ على إمامة أئمة الهدى (عليهم السلام)، مثل حديث اللُّوح وغيره، يشكل خطرًا على حياتهم، ولم يكن بالإمكان ذلك إلَّا للأشخاص الموثوق بهم، مثل أصحاب السرّ، استغل بعض مدّعي الرياسة من أبنائهم الإمامة وصار لهم أتباع مثل: «محمد بن الحنفيَّة» الذي يُعرف بإمام الكيسانيَّة، و«عبد الله الأفطح» إمام الفطحيَّة، و«محمد بن جعفر» إمام السميطيَّة، و«جعفر بن علي الكذاب» إمام النفيسيَّة؛ لذلك قام الأئمَّة (عليهم السلام) بتحديد علاماتٍ لشيعتهم ليتمكنوا من التعرّف إلى الإمام الحق من المدّعي من خلالها، كما تشير إلى ذلك العديد من النصوص نذكر منها عشر علاماتٍ وهي كالآتي:
1ـ إنَّه يُعرف بالوصية الظاهرة:
المراد أنّه معروف بين الناس، نصّ عليه الإمام السابق، وقد روى محدّثو الإماميّة أخباراً في ذلك، حيث روى الكليني بسنده عن هشام بن سالم وحفص بن البختري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قيل له، بأيّ شيء يُعرف الإمام؟ قال: بالوصيّة الظاهرة..) [الكافي ج1 ص184].
وفي خبر آخر رواه الكليني بسنده عن عبد الأعلى قال: «.. أقبل عليّ [جعفر بن محمد] فقال: ثلاثة من الحُجّة لم تجتمع في أحد إلا كان صاحب هذا الأمر: أن يكون أولى الناس بمن كان قبله، ويكون عنده السلاح، ويكون صاحب الوصيّة الظاهرة التي إذا قدِمت المدينة سألت عنها العامة والصبيان: إلى من أوصى فلان؟ فيقولون: إلى فلان بن فلان» [الكافي ج1 ص284].
٢ ـ أنّه يُعرف بالامتحان بمعرفة الحلال والحرام:
فقد كان كبار علماء الشيعة، ممَّن يعلمون مسالك الشريعة، يسألون من يدّعي الإمامة مسائل في الحلال والحرام ليَعرّفوا كذب دعواه للناس، ومثاله ما رواه المفيد في الاختصاص: «لمّا مات أبو الحسن الرضا (عليه السلام) دخل فقهاء الشيعة على أبي جعفر الجواد (عليه السلام)، وقد حضر خلقٌ من الشيعة من كلِّ بلدٍ لينظروا إلى أبي جعفر (عليه السلام).
فدخل عمّه عبد الله بن موسى - وكان شيخاً كبيراً نبيلاً - عليه ثيابٌ خشنةٌ وبين عينيه سجادة، فجلس، وخرج أبو جعفر (عليه السلام) من الحجرة، وعليه قميص قصبٍ، ورداء قصبٍ، ونعلٌ جددٌ بيضاء، فقام عبد الله فاستقبله وقبّل بين عينيه، وقام الشيعة، وقعد أبو جعفر (عليه السلام) على كرسي، ونظر الناس بعضهم إلى بعض وقد تحيّروا لصغر سنّه.
فابتدر رجلٌ من القوم فقال لعمّه: أصلحك الله، ما تقول في رجلٍ أتى بهيمة؟
فقال: تُقطع يمينه ويُضرب الحدّ.
فغضب أبو جعفر (عليه السلام) ثم نظر إليه، فقال: «يا عم، اتقِ الله، اتقِ الله، إنّه لعظيمٌ أنْ تقف يوم القيامة بين يدي الله عزّ وجلّ، فيقول لك: لِمَ أفتيتَ الناس بما لا تعلم؟»
فقال له عمّه: أستغفر الله يا سيدي، أليس قال هذا أبوك صلوات الله عليه؟
فقال أبو جعفر (عليه السلام): إنما سُئل أبي عن رجلٍ نبش قبر امرأةٍ فنكحها، فقال أبي: تُقطع يمينه للنبش ويُضرب حدّ الزنا، فإنّ حرمة الميتة كحرمة الحيّة.
فقال: صدقت يا سيدي، وأنا أستغفر الله.
فتعجّب الناس وقالوا: يا سيدنا، أتأذن لنا أن نسألك؟
قال: نعم.
فسألوه في مجلس عن ثلاثين ألف مسألة، فأجابهم فيها، وله تسع سنين) [الاختصاص ص103].
قد روى الكلينيّ بسنده عن عبد الأعلى قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المتوثّب على هذا الأمر، المدّعي له، ما الحجة عليه؟ قال: يُسأل عن الحلال والحرام...» [الكافي ج1 ص284].
قال المازندرانيّ: (قوله «قال يُسأل عن الحلال والحرام» هذه حجّة للعلماء الذين يعلمون مسالك الشريعة ومناهجها، ويميّزون بين الحق والباطل، ويعرفون قدر علم كلّ أحد بالسؤال عنه) [شرح أصول الكافي ج6 ص105].
3ـ يُعرف الإمام بالفضل:
والمُراد بالفضل جميع كمالات النفس، وهو يتوقّف على كمال القوة العقليّة والعمليّة، وكمال القوة الغضبيّة والشهويّة، فقد روى الصدوقان والكلينيّ بالإسناد عن ابن أبي نصر قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): إذا مات الإمام، بم يُعرف الذي بعده؟ فقال: «فقال للإمام علامات، منها أنْ يكون أكبر ولد أبيه، ويكون فيه الفضل والوصيّة..» [الكافي ج1 ص284، الإمامة والتبصرة ص137، الخصال ج1 ص116].
وروى الصدوق بسنده عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام) قال: للإمام علامات: يكون أعلم الناس، وأحكم الناس، وأتقى الناس، وأحلم الناس، وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس، ويُولد مختونًا، ويكون مطهّرًا، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه، ولا يكون له ظلّ، وإذا وقع إلى الأرض من بطن أمّه وقع على راحتيه رافعًا صوته بالشهادتين، ولا يحتلم، وتنام عينه ولا ينام قلبه، ويكون محدَّثًا، ويستوي عليه درع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا يُرى له بول ولا غائط لأنّ الله عزّ وجل قد وكّل الأرض بابتلاع ما يخرج منه، ويكون رائحته أطيب من رائحة المسك، ويكون أولى بالناس منهم بأنفسهم، وأشفق عليهم من آبائهم وأمّهاتهم، ويكون أشدّ الناس تواضعًا لله عزّ وجل، ويكون آخذ الناس بما يأمره به، وأكفّ الناس عمّا ينهى عنه، ويكون دعاؤه مستجابًا، حتى إنّه لو دعا على صخرة لانشقّت بنصفين...» [عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج2 ص192].
وروى والد الصدوق بسنده عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له: جُعلت فداك، إذا مضى عالمكم - أهل البيت -، فبأيّ شيءٍ يُعرف من يجيء بعده؟ قال: «بالهُدى، والإطراق، وإقرار آل محمدٍ له بالفضل، ولا يُسأل عن شيءٍ مما بين صدفيها إلَّا أجاب فيه» [الإمامة والتبصرة ص137].
وروى الصفّار والصدوقان بالإسناد عن الحارث بن المغيرة النصريّ قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): بم يُعرف صاحب هذا الأمر؟ قال: «بالسكينة، والوقار، والعلم، والوصيّة» [بصائر الدرجات ص509، الإمامة والتبصرة ص138، الخصال ص200].**
4ـ إنَّه يكلّم الناس بكل لسان:
والمراد أنَّه (عليه السلام) يكلم كلَّ صنفٍ من الناس بلغتهم من غير حاجةٍ إلى المترجم لئلا يفوت الغرض عند عدمه فقد روى الصدوق بالإسناد عن أبي الجارود قال: «سألت أبا جعفر الباقر (عليه السلام): بِمَ يُعرَف الإمام؟ قال: بخصالٍ أوّلها: نصٌّ من الله تبارك وتعالى عليه، ونصبه علماً للناس حتّى يكون عليهم حجّة؛ لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نصب عليّاً (عليه السلام) وعرّفه الناس باسمه وعينه، وكذلك الأئمَّة (عليهم السلام) ينصب الأوّل الثاني، وأنْ يُسأل فيجيب، وأنْ يسكت عنه فيبتدئ، ويخبر الناس بما يكون في غدٍ، ويكلّم الناس بكلِّ لسان ولغة » [معاني الأخبار ص102].
وروى الكُلينيُّ والحميريُّ والمفيد والطبريُّ وغيرهم بالإسناد عن أبي بصير قال: قلت لأبي الحسن الماضي (عليه السلام): جعلت فداك بم يعرف الإمام؟ قال: فقال: بخصالٍ: أما أولها فإنه بشيءٍ قد تقدم من أبيه فيه بإشارةٍ إليه لتكون عليهم حجةً، ويسأل فيجيب، وإنْ سكت عنه ابتدأ ويخبر بما في غدٍ، ويكلّم الناس بكلِّ لسان، ثم قال لي: يا أبا محمد اعطيك علامةً قبل أنْ تقوم فلم ألبث أنْ دخل علينا رجلٌ من أهل خراسان، فكلَّمه الخراسانيُّ بالعربيَّة فأجابه أبو الحسن (عليه السلام) بالفارسيَّة فقال له الخراسانيّ: والله جعلت فداك ما منعني أنْ اكلّمك بالخراسانيَّة غير أنّي ظننت أنّك لا تحسنها، فقال: سبحان الله! إذا كنت لا احسن اجيبك فما فضلي عليك قال لي: يا أبا محمد إنَّ الإمام لا يخفى عليه كلام أحدٍ من الناس ولا طير ولا بهيمة ولا شيء فيه الروح، فمن لم يكن هذه الخصال فيه فليس هو بإمام « [الكافي ج1 ص285، قرب الإسناد ص339، الإرشاد ج2 ص224، دلائل الإمامة ص337].
5ـ يستوى عليه درع رسول الله ولا يستوي على غيره:
روى الكلينيُّ بسنده عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: للإمام عشر علامات: يولد مطهراً، مختوناً، وإذا وقع على الأرض وقع على راحته رافعاً صوته بالشهادتين، ولا يجنب، وتنام عينه ولا ينام قلبه، ولا يتثاءب ولا يتمطَّى، ويرى من خلفه كما يرى من إمامه، ونجوه كرائحة المسك والأرض موكَّلَةٌ بستره وابتلاعه، وإذا لبس درع رسول الله صلى الله عليه وآله كانت عليه وفقاً، وإذا لبسها غيره من الناس طويلهم وقصيرهم زادت عليه شبراً، وهو محدثٌ إلى أن تنقضي أيامه» [الكافي ج١ ص٣٨٩].
6ـ يُعرف بوراثته لحوائج النبيّ والأئمَّة:
روى الصدوق بسنده عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) قال: للإمام علامات .. ويكون عنده سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وسيفه ذو الفقار، ويكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعتهم إلى يوم القيامة، وصحيفة فيها أسماء أعدائهم إلى يوم القيامة، ويكون عنده الجامعة وهي صحيفة طولها سبعون ذراعا فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم ويكون عنده الجفر الأكبر والأصغر» [عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج٢ ص١٩٢].
7ـ يُعرف بسلامة بدنه من العاهة:
والمراد من العاهة إما في بدنه أو في دينه وعلمه كما روى الكلينيُّ بسنده: عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) [قال]: «إنَّ الامر في الكبير ما لم تكن فيه عاهة» [الكافي ج١ ص٢٨٥].
وقد كان عبد الله بن جعفر أكبر إخوته بعد إسماعيل، وادَّعى بعد أبيه الإمامة واحتج بأنه أكبر إخوته الباقين، فلم تصدقه الإماميَّة لأنَّه كان أفطح الرجلين، لا يمشي كما ينبغي، ولا يكون في الإمام عيبٌ يوجب شينه.
8ـ يُعرف بالكرامة والمعجزة واستجابة الدعاء:
والمراد بالمعجزة هو أنْ تتمَّ بها الحجة، ويتوقف عليها التصديق، ليُعرف المحق من المبطل فقد روى الصدوق بسنده: عن سليمان بن مهران، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: عشر خصال من صفات الإمام: العصمة، والنصوص، وأنْ يكون أعلم الناس وأتقاهم لله وأعلمهم بكتاب الله، وأنْ يكون صاحب الوصية الظاهرة، ويكون له المعجز والدليل، وتنام عينه ولا ينام قلبه ، ولا يكون له فيئ ، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه» [الخصال ص429].
وروى الصدوق بسنده عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) قال: للإمام علامات .. ويكون دعاؤه مستجاباً حتى أنه لو دعا على صخرةٍ لانشقت بنصفين..» [عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج٢ ص١٩٢].
وروى الراونديُّ: عن الباقر عليه السلام إن للإمام عشر دلائل: أولها: أنه يولد مختونا. وثانيها: أول ما يقع على الأرض ينظر إلى السماء ويشهد الشهادتين. وثالثها: [أنَّه] على عضده الأيمن مكتوبٌ " وتمَّت كلمة ربّك صدقاً وعدلاً، لا مبّدل لكلماته وهو السميع العليم. ورابعها: أنَّه لا يتمطى. وخامسها: أنّه لا يتثائب . وسادسها: أنّه لا يحتلم أبدا ، والشيطان لا يقربه . وسابعها: أنَّ رائحة نجوه مثل المسك ، والأرض تستره بابتلاعه كله . وثامنها : أنَّه لا يكون له ظلٌّ إذا قام في الشمس ، [ لأنَّه نورٌ من النور ليس له ظلّ] . وتاسعها: أنَّه يختم على الحجر مثل ما كان يفعل آباؤه. وعاشرها: أنَّه يكون مستجاب الدعوة» [الخرائج والجرائح ج2 ص569]
قال الحر العامليُّ: (إنَّ الإمام يجب أنْ يكون مستجاب الدعوة، فإذا دعا الله بإحياء الموتى وقع ذلك بإذن الله، والمقدمة الأولى ثابتةٌ بالنصوص الكثيرة المذكورة في محلها، والثانية بديهية، فهذا دليلٌ على الإمكان واضحٌ قريبٌ، إذ لا دليل على استحالة دعاء الإمام بذلك، وعدم قيام دليل الاستحالة كاف) [الإيقاظ من الهجعة ج١ ص٨٤].
نكتفي بهذا القدر والحمد لله أولاً وآخراً
اترك تعليق