علة وصف الإمام المهديّ (عج) بالطريد الشريد

السؤال: هل ورد وصف الإمام المهدي (ع) في روايات أهل البيت (ع) بالشريد الطريد؟ وفي حال وروده فما معنى إطلاق هذا اللقب عليه؟

: الشيخ فاروق الجبوري

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم   

اعلم أخي السائل أنّ الجواب عن السؤالين يتضح ببيان أمرين:

 

الأمر الأول: وصف الإمام المهديّ (عج) بالشريد الطريد:

قد ورد في جملةٍ من روايات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) فمن ذلك:

1- ما أخرجه الصدوق (ت381هـ) بإسناده عن الأصبغ بن نباتة قال: «سمعتُ أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: صاحب هذا الامر الشريد الطريد الفريد الوحيد» [كمال الدين ص303].

2- ما رواه النعمانيّ (ت380هـ) بإسناده عن عبد الأعلى بن حصين الثعلبيّ، عن أبيه، قال: «لقيتُ أبا جعفر محمّد بن عليّ (عليهما السلام) في حجٍّ أو عمرة، فقلت له: كبِرت سنّي، ودقَّ عظمي، فلستُ أدري يُقضى لي لقاؤك أم لا، فاعهد إليّ عهداً وأخبرني متى الفرج. فقال: إنّ الشريد الطريد الفريد الوحيد، المفرد من أهله، الموتور بوالده، المكنى بعمّه، هو صاحب الرايات، واسمه اسم نبيٍّ. فقلت: أَعِدْ عليَّ، فدعا بكتاب أديمٍ أو صحيفة فكتب لي فيها» [الغيبة ص183].

3- روى الجوهريّ (ت401هـ) بإسناده عن أبي جُحيفة السوائيّ والحارث بن عبد الله الخارفيّ الهمدانيّ والحارث بن شرب كلّ: «أنّهم كانوا عند عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فكان إذا أقبل ابنه الحسن (عليه السلام) يقول: مرحباً يا بن رسول الله، وإذا أقبل الحسين (عليه السلام) يقول: بأبي أنت يا أبا ابن خير الإماء. فقيل: يا أمير المؤمنين، ما بالك تقول هذا للحسن وهذا للحسين؟ ومَن ابن خير الإماء؟ فقال: ذاك الفقيد الطريد الشريد (م ح م د بن الحسن) بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين هذا، ووضع يده على رأس الحسين (عليه السلام)» [مقتضب الأثر ج2 ص67].

4- روى شيخ الطائفة بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لَمّا دخل سلمان (رضي الله عنه) الكوفة، ونظر إليها ذكر ما يكون من بلائها، حتى ذكر مِلك بني أمية والذين من بعدهم. ثمّ قال: فإذا كان ذلك فالزموا أحلاس بيوتكم حتّى يظهر الطاهر ابن الطاهر المُطَهَّر ذو الغيبة الشريد الطريد» [الغيبة ص163].

هذا من حيث ورود الوصفين المذكورين في روايات العترة الطاهرة (عليهم السلام) على أنّ هنالك روايات أخرى أعرضنا عنها تجنّبا للإطالة.

 

الأمر الثاني: معنى (الطريد الشريد):

وأمّا من حيث معنى هذا اللقب، فقد قال ابن فارس: (شرد.. يدلّ على تنفيرٍ وإبعادٍ وبُعدٍ في انتشار) [مقاييس اللغة ج3 ص269]، وقال: (طرد.. يدلّ على إبعادٍ) [مقاييس اللغة ج3 ص455].

وحيث إنْ لَفظَي (الطَرِيد الشَرِيد) وصفان على هيئة (فَعِيل)، فإنّ هذه الهيئة تفيد أموراً:

أحدها: أنّها تأتي تارة بمعنى اسم الفاعل، مثل: سميع بمعنى سامع. وأخرى بمعنى اسم المفعول، مثل: جريح بمعنى مجروح.

وثانيها: دلالتها على المبالغة في اتصاف الموصوف بالصفة، مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، الدالّ على كثرة اتصافه تعالى بالسمع والبصر.

وثالثها: دلالتها على لزوم الوصف للموصوف ودوامه له على نحو يصعب معه زواله عنه، مثل وصف (جميل) فإنّ زوال الجمال عن الموصوف صعب.

إذن: فالمستفاد من الهيئة أنّهما وصفان للمبالغة يدلّان على كثرة حصول الطرد والتشريد ودوامهما زمناً طويلاً.

وعليه، فوصف (الطريد) هنا بمعنى المطرود وهذا واضحٌ لا يحتاج إلى بيان، و(الشريد) إمّا بمعنى المشرَّد من قبل الخصوم والأعداء وهو المطرود الذي ينفرونه ويكرهونه، أو بمعنى النافر المستوحش من الناس بسبب كراهتهم له.

قال المصطفويّ - في معنى التشريد -: (هو نفارٌ مع وحشة، كما أنّ النفار فيه مفهوم الكراهة، أي طرد مع كراهة) [التحقيق في كلمات القرآن ج6 ص33]. وقال المجلسيّ: (الطريد: المطرود المُبعَد خوفاً من الظالمين، والشريد: الفارُّ من بين الناس) [مرآة العقول ج3 ص383].

وإطلاق لفظ الطريد عليه (عجّل الله فرجه الشريف) آتٍ من عدّة جهات:

فهو مطرود من قبل جبابرة الأمّة وطُغاتها ممّن سلبوا الخلافة ودفعوه عن مقامه وأزالوه عن مرتبته التي رتّبه الله فيها.

كما أنّه (عليه السلام) مطرودٌ من قِبَل الأمّة الإسلاميّة نفسها حيث فضّلت إتّباع الظلمة على ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، وكان رفض الأمّة مستمرّاً على مرّ العصور من حين وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وسيبقى إلى وقت الظهور المقدّس.

بل الإمام (عليه السلام) مطرودٌ من قبل البشريّة جمعاء إلّا مَن رحم ربّي؛ وذلك لما نراه من نزوعٍ عندهم نحو الأنظمة الوضعية والاتجاهات الفكريّة الباطلة، رافضين بذلك قيام دولة إسلاميّة، زاعمين أنّ الشريعة بأحكامها توجب تقيّيداً لحركة الإنسان، وسلباً لحريّة اختياره؛ فلذا حاربوه بكلّ ما وسعهم وأنكروا وجوده وكذّبوا قضيّته.

قال الشيخ عبّاس القميّ عند ذكره لجملة ألقابه (عجّل الله فرجه): (الرابع: الشريد، ذكر الائمّة (عليهم‏ السلام) هذا اللقب كثيراً لا سيما أمير المؤمنين والامام الباقر (عليهما السلام)، والشريد بمعنى الطريد من قبل هؤلاء الناس الذين ما رعوه حقّ رعايته، وما عرفوا قدره وحقّه (عليه ‏السلام)، ولم يشكروا هذه النعمة بل سعى الاوائل بعد اليأس من الظفر به والقضاء عليه إلى قتل وقمع الذريّة الطاهرة لآل الرسول (صلّى ‏الله ‏عليه وآله)، وسعى أخلافهم إلى انكاره ونفي وجوده باللسان والقلم، وأقاموا الأدلة والبراهين على نفي ولادته ومحو ذكره) [منتهى الآمال ج2 ص564].

وهكذا الأمر في لقب الشريد فإنّه (عجّل الله فرجه الشريف) مشرّدٌ قهراً حتّى ممَّن ينسبون أنفسهم للإسلام، فقد سبق بنو العبّاس إلى مطاردته بهدف قتله قبل وبعد ولادته الميمونة، ولا زالت الأمّة تسعى لذلك؛ فحركة السفيانيّ - مثلاً - إنّما تهدف للقضاء على الإمام في مكّة قبل خروجه إلى العراق، ووجود القوى الغربيّة في منطقة الظهور المقدّس يمثّل ضربة استباقيّة تسعى إلى وأد نهضته المباركة قبل انتشارها وفقدان السيطرة عليها.

والحاصل: أنّه ظفر به أعداؤه اليوم لقتلوه لساعتهم؛ ولذا جاء في الأخبار أنّ من أهمّ علل غيبته خوفه من القتل ممّا يوجب فوات المشروع الإلهيّ الذي خُلق من أجله، فقد روى ثقة الإسلام الكلينيّ بسنده عن زرارة قال: «سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنّ للغلام غيبة قبل أنْ يقوم، قال: قلت ولِمَ ؟ قال: يخاف!، وأومأ بيده إلى بطنه...» [الكافي ج1 ص337]، وروى الصدوق بإسناده عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في حديث شبه المهديّ بالأنبياء (عليه وعليهم السلام) قال: «...وأما شبهه من موسى (عليه السلام) فدوام خوفه، وطول غيبته، وخفاء ولادته، وتعب شيعته من بعده ممّا لقوا من الأذى والهوان إلى أن أذن الله عزّ وجلّ في ظهوره ونصره وأيَّده على عدوّه» [كمال الدين ص327].

وفي هذا السياق كشف الإمام المهديّ بنفسه (عليه السلام) النقاب عن سبب غيبته وخفائه عند قوله لإبراهيم بن عليّ بن مهزيار: «إنّ أبي (عليه السلام) عهد إليَّ أن لا أوطّن من الأرض إلّا أخفاها وأقصاها؛ إسراراً لأمري، وتحصيناً لمحلِّي؛ لمكائد أهل الضلال والمَرَدة من أحداث الأمم الضوالّ، فنبذني إلى عالية الرمال، وجبت صرائم الأرض ينظرني الغاية التي عندها يحلُّ الأمر وينجلي الهلع... يا أبا إسحاق إنّه قال (عليه السلام): يا بنيّ إنّ الله جلّ ثناؤه لم يكن لِيُخلي أطباق أرضه وأهل الجدِّ في طاعته وعبادته بلا حجّة يُستعلى بها، وإمام يُؤتمُّ به، ويُقتدى بسبيل سنَّته ومنهاجِ قصده، وأرجو يا بنيَّ أن تكون أحد من أعد الله لنشر الحقِّ ووطئِ الباطل وإعلاء الدين، وإطفاء الضلال، فعليك يا بنيَّ بلزوم خوافي الأرض، وتَتَبُّع أقاصيها، فإن لكلِّ ولي لأولياء الله عزَّ وجلَّ عدواً مقارعاً وضدَّاً منازعاً؛ افتراضاً لمجاهدةِ أهل النفاق وخلاعةِ أولي الإلحاد والعناد فلا يُوحشنَّك ذلك...» [كمال الدين ص447].

وبذلك يظهر السرّ وراء توجيهنا نحو الدعاء له بمثل: «اللَّهم كُنْ لوليِّك الحجّة بن الحسن - صلواتك عليه وعلى آبائه - في هذه الساعة وفي كلِّ ساعةٍ وليَّاً وحافظاً»، وما ورد في دعاء العهد المعروف: «واجعله اللهم ممَّن حصنته من بأس المعتدين»، ونحو ذلك في الكثير من الأدعية الواردة عن العترة الطاهرة (عليهم السلام).

ختاماً نبتهل إلى الله تعالى بدعاء مولانا الإمام زين العابدين (عليه السلام) في اليوم الثالث عشر من شهر رمضان بقوله: «اللهم ادفع عن وليك وابن نبيك وخليفتك، وحجتك على خلقك، والشاهد على عبادك، المجاهد المجتهد في طاعتك ووليّك، وأمينك في أرضك، فأَعِذه من شر ما خلقت وبرأت، اجعله في ودائعك التي لا يضيع من كان فيها، وفي جوارك الذي لا يُقهر، وآمنه بأمانك، واجعله في كنفك، وانصره بنصرك العزيز يا إله العالمين»، والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.