هل كان عمر بن الخطاب عادلاً؟

السؤال: هل صحيحٌ أنَّ عمر كان عادلاً بين الرعية ولم يعرف عنه الظلم بغض النظر عن الخلاف مع اهل البيت على الامامة؟ يعني في سياسته وتوزيعه ثروات الأمة وهذا ما يهم غالب أهل الدنيا؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

 الجواب:

أوّلاً: مفهوم العدل في الإسلام يتجاوز السياسة الظاهريّة، فالعدل الحقيقيّ في الإسلام يشمل العدل في العقيدة، والعلاقة بالله، والالتزام بالشريعة، بالإضافة إلى العدل في الحكم وإدارة شؤون الأمّة؛ ومن هذا المنطلق لا يمكن عزل قضيّة العدالة السياسيّة عن العدالة الدينيّة والشخصيّة، وبخاصّة إذا جُعلت العدالة معياراً للأفضليّة في الدين أو الأحقيّة في الحكم، فوفقاً لمعايير الإسلام فإنّ العدالة يجب أن تبدأ من الالتزام بوصايا الرسول (ص) وأوامره، ومنها قضيّة الإمامة التي تمثّل ركيزة أساسيّة في النظام الإسلاميّ.

وثانياً: دراسة التاريخ الإسلاميّ تُظهر انتقاداتٍ لسياسات عمر، فحتّى لو تجاوزنا مسألة الإمامة ونظرنا فقط إلى السياسة العامّة لعمر بن الخطاب، لوجدنا كثيراً من السياسات التي تقدح في الصورة المثاليّة التي يُراد تثبيتها في الاذهان.

ومثالٌ على ذلك التفاوت في توزيع الأموال، فقد كان رسول الله (ص) يوزع ما زاد على نفقات الدولة على المسلمين بالسويّة، دون تفرقة بين عربيٍّ وأعجميٍّ، أو مهاجريٍّ وأنصاريّ، أو سيّدٍ وعبد.

وعندما تسلّم عمر بن الخطاب مقاليد الحكم خالف هذه السنّة، ورأى وفقاً لرايه الشخصيّ أنْ لا يُساوى بين قريشٍ وبين القبائل الأخرى، ولا بين العربيّ والعجميّ، ولا بين السيّد والعبد، ولا بين زوجات النبيّ وبقية نساء المسلمين، بل امتدّت هذه التفرقة حتّى بين زوجات الرسول (صلى الله عليه وآله)، حيث أعطى عائشة نصيباً أعلى (12 ألف درهم) مقارنة بزوجات الرسول الأخريات، اللّاتي خصص لكلٍّ منهنَّ 10 آلاف درهم.

نقل أحمد بن حنبل: «ففرض لأزواج النبيّ (ص) عشرة آلاف إلا جويرية وصفية وميمونة، فقالت عائشة: إنّ رسول الله (ص) كان يعدل بيننا، فعدل بينهنّ عمر، ثمّ قال: إنّي بادئٌ بأصحابي المهاجرين الأوليّن، فإنا أخرجنا من ديارنا ظلماً وعدواناً، ثمّ أشرفهم ففرض لأصحاب بدرٍ منهم خمسة آلاف، ولمن كان شهد بدراً من الأنصار أربعة آلاف، ولمن شهد أحداً ثلاثة آلاف، قال: ومَن أسرع في الهجرة أسرع به العطاء، ومَن أبطأ في الهجرة أبطأ به العطاء» [مسند أحمد ج3 ص 476].

ونقل ابن ابي شيبة: «ففرض للمهاجرين والأنصار ممّن شهد بدراً خمسة آلاف خمسة آلاف، وفرض لمن كان له الإسلام كإسلام أهل بدر ولم يشهد بدراً أربعة آلاف أربعة آلاف، وفرض لأزواج النبيّ (ص) اثني عشر ألفا اثني عشر ألفا إلّا صفية وجويرية، فرض لهما ستة آلاف ستة آلاف، فأبتا أنْ تقبلا، فقال لهما: إنّما فرضت لهنَّ للهجرة، فقالتا: إنّما فرضت لهنَّ لمكانهن من رسول الله (ص) وكان لنا مثله، فعرف ذلك عمر، ففرض لهما اثني عشر ألفا اثني عشر ألفا، وفرض للعبّاس اثني عشر ألفاً، وفرض لأسامة بن زيد أربعة آلاف، وفرض لعبد الله بن عمر ثلاثة آلاف، فقال: يا أبت، لم زدتَه عليّ ألفاً؟ ما كان لأبيه من الفضل ما لم يكن لأبي، وما كان له لم يكن لي، فقال: إنّ أبا أسامة كان أحبّ إلى رسول الله (ص) من أبيك، وكان أسامة أحبّ إلى رسول الله (ص) منك، وفرض لحسن وحسين خمسة آلاف خمسة آلاف، وألحقهما بأبيهما لمكانهما من رسول الله (ص)، وفرض لأبناء المهاجرين والأنصار ألفين ألفين، فمرّ به عمر بن أبي سلمة فقال: زيدوه ألفاً، فقال له محمّد بن عبد الله بن جحش: ما كان لأبيه ما لم يكن لآبائنا وما كان له ما لم يكن لنا، فقال: إنّي فرضت له بأبيه أبي سلمة ألفين، وزدته بأمّه أمّ سلمة ألفاً،...» [المصنف ج7 ص 614].

والروايات التاريخية في ذلك كثيرة، وتفصيلها يحتلّ مساحة لا تناسب المقام.

وقد أدّت هذه السياسة إلى خلق فجوةٍ اقتصاديّةٍ واجتماعيةٍ كبيرةٍ بين الناس، واستمرّت هذه السياسة تسع سنوات في خلافة عمر، مخالفاً بذلك سنة الرسول (ص) التي كانت تعتمد على المساواة التامة في توزيع بيت المال، واستبدلها باجتهاده الشخصيّ، مما أثّر سلباً في التماسك الاجتماعيّ والعدالة الاقتصاديّة في الدولة الإسلاميّة.

وقد اكتشف عمر في آخر خلافته الخطأ الذي وقع وفيه، ولذا قال: «إنْ عشتُ هذه السنة ساويتُ بين الناس، فلم أفضّل أحمر على أسود، ولا عربيّاً على أعجميّ، وصنعتُ كما صنع رسول الله وأبو بكر» [تاريخ اليعقوبيّ ج2 ص107]، ولم يعش للسنة القادمة، واستمرّت هذه السياسية الماليّة المنحرفة في عهد الخليفة الثالث حتّى تضخّمت الثروات في يد طبقاتٍ بعينها، ولم تعد الأمور إلى سنّة رسول الله إلّا في خلافة أمير المؤمنين (ع).

ورد أنّه «أتى أميرَ المؤمنين عليّ (ع) رهطٌ من الشيعة فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو أخرجتَ هذه الأموال ففرّقتها في هؤلاء الرؤساء والأشراف وفضّلتهم علينا حتّى إذا استوسقتْ الأمور عدتَ إلى أفضل ما عوّدك الله من القسم بالسوية، والعدل في الرعية.

فقال (ع): أتأمرونني - ويحكم - أنْ أطلب النصر بالظلم والجور فيمَن وليت عليه من أهل الإسلام؟ لا والله، ما سمر السمير، ورأيتُ في السماء نجماً ولو كانت أموالهم مالي لساويت بينهم، فكيف وإنّما هي أموالهم» [الكافي ج4 ص31].

وللمركز جوابٌ منشورٌ بعنوان: (موقف أمير المؤمنين (ع) من سياسة عمر في العطاء)، يمكن مراجعته.

وثالثاً: إذا اعتبرنا أنّ العدل يشمل جميع الرعية، فإنّ تعامل عمر مع أهل البيت (ع)، وخصوصاً مع فاطمة الزهراء (ع) يثير تساؤلاتٍ كبيرةً عن مدى شمولية عدله، حيث تشير المصادر التاريخيّة إلى مواقف مؤلمةٍ تتعارض مع هذا الادّعاء، وتوجد أجوبةٌ عديدةٌ عن (مظلومية الزهراء (ع)) في موقع المركز يمكن مراجعتها.

ورابعاً: موقف الشيعة من عدالة أيّة شخصيةٍ يُبنى على معايير إسلاميّةٍ راسخةٍ تشمل الولاء لله ولرسوله ولأهل بيته (ع)، بالإضافة إلى السلوك الشخصيّ والسياسيّ؛ وعليه فإنّ الشيعة يرون أنّ العدالة تبدأ بالاعتراف بحقوق أهل البيت (ع) وتنفيذ وصيّة النبيّ (ص) فيهم، وهو ما لم يتحقق في خلافة عمر.