هل مناسك الحج والعمرة شعائر توحيدية أم طقوس وثنية قديمة؟
السؤال: كان الطواف حول الكعبة في الأصل طقساً وثنيَّاً، مع أنَّهم كانوا يؤدونه عراة، وكذلك السير في الوادي بين الصفا والمروة. وكانت الكعبة في الأصل مزاراً وثنيَّاً، يضم ٣٦٠ حجراً وتمثالاً. وكان الوثنيون يؤدون فريضة الحجّ حتى قبل ظهور الإسلام. ويعتقد المسلمون أنَّ هذا الحجر وضعه النبيُّ إبراهيم وابنه إسماعيل بأمرٍ من الله، وكان الغرض منه الإشارة إلى بدء الطواف، ومع ذلك لا يوجد دليلٌ علميٌّ أو تاريخيٌّ أو أثريٌّ يثبت أنَّ إبراهيم وإسماعيل كانا عند الكعبة. ولا يوجد دليلٌ على أنَّ إبراهيم وإسماعيل هما مَن بدءا الطواف حول أيّ مبنىً أو حجر. لكن على مرّ تاريخه، تعرَّض الحجر الأسود للسرقة والتحطيم، ولطّخه القرامطة بالمُخرجات الإنسانيَّة، وسرقوه، وهشّموه إلى عدة شظايا. والمصيبة أنَّه يوم القيامة سيُبعث حيَّاً بعينين ولسان، وسيشهد عليك! لم يُسمح لأي عالمٍ قطُّ بفحص الحجر الأسود، فالسلطات الإسلاميَّة لن تسمح بذلك أبداً. ولكن بناءً على الملاحظة، يتضح أنَّه لا يوجد شيءٌ غامضٌ في هذه الصخور. إنَّها ليست سوى صخور نيزكيَّة.
الجواب:
تقوم النظرة الماديَّة للوجود على اختزال المعرفة في حدود الحسّ والتجربة، ورفض ما لا يمكن إخضاعه للقياس أو الملاحظة المباشرة، وهذه المنهجيَّة، وإن كانت صالحةً في دراسة الظواهر الطبيعيَّة، إلا أنَّها تتحول إلى مغالطةٍ معرفيَّةٍ حين تُطبَّق على القضايا الدينيَّة والروحيَّة؛ لأنَّها تتجاهل طبيعة موضوعها وحدود أدواتها.
فالإيمان لا يُقاس بالمجهر، والوحي لا يُختبر بالمعادلات، والمعاني الغيبيَّة لا تُفسَّر بمناهج المادة، وحين يحاول الماديُّ أنْ يفسّر الشعائر الإلهيَّة بمنطق الفيزياء، فمن الطبيعيّ يفقد القدرة على فهمها. فالمشكلة ليست في الإسلام ولا في الكعبة، بل في المنهج الذي يقيّم الغيب بأدوات المادة، ويغفل أنَّ الدين يخاطب الإنسان في بُعده العقليّ والروحيّ معاً، لا في حدوده الحسيَّة وحدها.
ومع ذلك، فلو اكتفى أصحاب الفكر الماديّ بالبقاء ضمن حدود رؤيتهم الخاصَّة، ولم يتجاوزوا ذلك إلى الإساءة، لما كانت هناك مشكلة، لكن المؤسف أنَّ بعض المنحرفين عن الأديان، وبخاصة في البيئات الإسلاميَّة، لا يقفون عند حدود الاختلاف الفكريّ، بل يتحدثون عن الشعائر الدينيَّة بروحٍ من الحقد والاستهزاء، وكأنَّ بينهم وبين الدين ثأراً قديماً، فهم لا يناقشون الفكرة بمنهج علميّ، بل يهاجمونها بشعورٍ عدائيٍّ متجذر، يسعى إلى تشويه الإيمان لا إلى فهمه، وإلى هدم المعنى لا إلى محاورته.
مع أنَّ هذا الخطاب الماديّ لا يمثل أي قيمةٍ معرفيَّةٍ عند المؤمن الواعي، إلا أنَّنا – من باب البيان لا المجادلة – سنعرض الردّ على هذه المزاعم في نقاط واضحة:
أولاً: إنَّ القول بأنَّ الطواف حول الكعبة كان طقساً وثنيَّاً لمجرد أنَّ العرب في الجاهليَّة كانوا يطوفون بها، خلطٌ بين الشكل والمضمون، فالعرب قبل الإسلام كانوا متأثرين ببقايا شعائر دينيَّة صحيحة، وكانوا يعترفون بأنَّ الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، كما قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزمر: 38]، لكنَّهم ضلّوا حين جعلوا له شركاء، فجاء الإسلام ليصحّح هذا الانحراف ويعيد للعبادة معناها التوحيديّ الأصيل مصداقاً لقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ...} [الشورى: 13]، ولقوله: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ...} [المائدة: 48]، فالإسلام جاء مكمِّلاً ومصحِّحاً لما سبقه من رسالاتٍ توحيديَّة.
ثانياً: الكعبة لم تكن وثناً في أيّ زمن، بل هي بيتٌ لله أقامه إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام)، كما نصّ القرآن الكريم: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} [البقرة: 127]، وما حدث لاحقاً هو أنَّ العرب انحرفوا عن معناها التوحيديّ حين أحاطوها بالأصنام، فكان دور الإسلام أن يطهّرها ويعيدها إلى أصلها الإبراهيميّ، ولو كانت في أصلها وثنيَّة لرفضها الإسلام، لكنه أبقاها لأنَّها رمز التوحيد، لا الوثن.
وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنَّ الله عز وجل اختار من كلّ شيءٍ شيئاً، واختار من الأرض مكّة، واختار من مكّة المسجد، واختار من المسجد الموضع الذي فيه الكعبة» [الغيبة للنعماني ص73]، مما يبيّن خصوصيتها الإلهيَّة منذ خلق الأرض.
ثالثاً: ما يقال: إنَّ العرب كانوا يطوفون عراة. فإنَّه لا يثبت أنَّ الطواف وثنيٌّ، بل يكشف أنَّ الوثنيَّة شوّهت طقساً توحيديَّاً أصيلاً، فجاء الإسلام ليعيد الطواف إلى معناه الحقيقيّ، فأوجب الإحرام رمزاً للتجرّد والمساواة، وحوّل ممارسةً منحرفةً إلى عبادةٍ طاهرة.
رابعاً: الادّعاء بأنَّ الحجر الأسود لا يختلف عن أيّ حجرٍ آخر، يعكس نظرةً ماديَّة قاصرة. فالحجر الأسود في الوعي الإسلاميّ ليس معبوداً، بل رمزٌ للميثاق والعهد الإلهيّ. فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إنَّ الله تبارك وتعالى وضع الحجر الأسود وهو جوهرةٌ أُخرجت من الجنة إلى آدم، فوضعت في ذلك الركن لعلّة الميثاق» [الكافي ج4 ص184، علل الشرائع ج2 ص429]، وفي روايةٍ عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «فوالله، ليبعثنّه الله يوم القيامة وله لسانٌ وشفتان، فيشهد لمن وافاه» [علل الشرائع ج2 ص426].
فالقيمة ليست في المادة، بل في المعنى، ولا يُدرك هذا إلا مَن أُوتي بصيرة الإيمان. فسواء أكان نيزكاً أم حجراً أرضيَّاً، فمكانته لا تُقاس بتركيبه الكيميائيّ، بل بكونه آيةً من آيات الله.
خامساً: الادّعاء بعدم وجود دليلٍ أثريّ على بناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة، لا يحمل دلالةً نافية؛ لأنَّ مثل هذه القضايا لا يثبتها علم الآثار بطبيعتها، إذ يتجاوز موضوعها نطاق الملاحظة الماديَّة، والمعرفة بها إنَّما جاءت من النقل المتواتر والروايات المتسقة في المصادر الدينيَّة الإسلاميَّة واليهوديَّة والمسيحيَّة، التي تحدثت عن وجود إبراهيم في جزيرة العرب وذريته في مكة؛ فعلم الآثار لا يملك ما يثبت ولا ما ينفي، فالإيمان المستند إلى الوحي وما تناقلته الأجيال المؤمنة فهو الأساس الأوثق، ولا يصح التشكيك به لمجرد غياب الدليل الماديّ.
اترك تعليق