الحكمة في تغيير القبلة من المسجد الأقصى إلى الكعبة

السؤال: لماذا يعتبر المسجد الأقصى القبلة الأولى للمسلمين رغم أنَّ البيت الحرام تم تأسيسه أولاً؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

الحكمة من التوجه إلى المسجد الأقصى باعتباره قبلةً أولى للمسلمين، ثم تحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة، تحمل أبعاداً تربويَّةً وعقائديَّةً عميقةً، يمكن استنباطها من نصوص القرآن الكريم والسياق الذي وردت فيه هذه التشريعات.

يقول تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 142ـ143].

بيّنت هذه الآيات الكريمة الحِكمة من تغيير القبلة من المسجد الأقصى إلى بيت الله الحرام:

فقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} نصٌّ واضحٌ وصريحٌ على أنَّ الحِكمة في التحول من المسجد الأقصى إلى الكعبة كان اختباراً لمدى إيمان الناس واتباعهم لأوامر الله ورسوله.

وقوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}، فيه إشارةٌ إلى أنَّ هذا التحويل كان جزءاً من إعداد الأمة الإسلاميَّة لتكون أمَّةً متميزةً لها قبلتها الخاصة، وشريعتها المستقلة، فالتحول كان بمثابة إعلان استقلالية الأمة الإسلاميَّة عن الأمم الأخرى، وبداية تميز الإسلام كخطٍّ مستقلٍّ بعد أنْ ثبت كونه امتداداً لخط الانبياء السابقين.

يقول الشيخ مكارم الشيرازيّ: (أما سبب كون قبلة المسلمين قبلةً وسطاً، فلأنَّ النصارى -الذين يعيش معظمهم في غرب الكرة الأرضيَّة -يولّون وجوههم صوب الشرق تقريباً حين يتجهون إلى قبلتهم في بيت المقدس حيث مسقط رأس السيد المسيح. واليهود -الذين يتواجدون غالبا في الشامات وبابل -يتجهون نحو الغرب تقريبا حين يقفون تجاه بيت المقدس. أما «الكعبة» فكانت بالنسبة للمسلمين في المدينة تجاه الجنوب، وبين المشرق والمغرب، وفي خط وسط. وهذا ما يفهم من عبارة: {وَكَذَلِكَ}، وإنْ كان للمفسرين آراءً أخرى في هذه العبارة لا تخلو من مناقشة) [تفسير الأمثل ج1 ص406].

وقوله تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} يوضح أنَّ الأمر في الحقيقة ليس متعلقاً بالمكان الماديّ بقدر ما هو متعلق بالامتثال لأمر الله وعبادته وحده، والمسجد الأقصى كان قبلةً للأنبياء السابقين، وهو مقدّسٌ عند جميع أهل الكتاب، وجعل المسلمين يتوجهون إليه في البداية تأكيداً على وحدة الرسالات السماويَّة واستمراريتها، وأنَّ الإسلام جاء ليكمل ما بدأه الأنبياء.

وتوجّه المسلمين في صلاتهم إلى المسجد الأقصى في بداية الدعوة يعزز مكانة المسجد الأقصى بوصفه جزءاَ من العقيدة الإسلاميَّة ويربط المسلمين بإرث الأنبياء السابقين.

ثم جاء تحويل القبلة إلى الكعبة ليبرز مكانتها كأول بيتٍ وضع للناس لعبادة الله، كما قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96].

وتختتم الآيات بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}، تؤكّد الآية على أنَّ الصلاة في اتجاه المسجد الأقصى كانت صحيحةً في وقتها، وأنَّ المسلم مُثابٌ على عمله، ولا يضيع من أجره شيئاً؛ وذلك لأنَّ الإسلام يتدرّج في تشريعاته، وتحويل القبلة كان جزءاً من هذا التدرج.

ففي البداية، كان المسجد الأقصى قبلةً مألوفةً عند أهل الكتاب، ممَّا ساعد في تهيئة المسلمين وتطهير قلوبهم من بقايا الجاهليَّة، حيث كانت الكعبة في ذلك الوقت محاطةً بالأصنام. وعندما حان الوقت، أُمر الله المسلمين بالتوجّه إلى الكعبة؛ لتكون قبلة التوحيد الخالص. وهذا التحويل يؤكَّد أنَّه كان من أجل مصلحة الأمة ولم يكن عبثاً، وأنّ الله يحفظ أعمال عباده ويقدّر لهم الخير.

ومن المفيد في هذا السياق ذكر قول الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، في المقام:

(..إنَّ تغيير القبلة اختبارٌ كبيرٌ لتمييز المؤمنين من المشركين، لا نستبعد أنْ يكون أحد أسباب تغيير القبلة ما يلي:

لما كانت الكعبة في بداية البعثة المباركة بيتاً لأصنام المشركين، فقد أُمِرَ المسلمون - مؤقتاً - بالصلاة تجاه بيت المقدس؛ ليتحقق الانفصال التام بين الجبهة الإسلاميَّة وجبهة المشركين.

وبعد الهجرة وإقامة الدولة الإسلاميَّة والمجتمع الإسلاميّ، حدث الانفصال الكامل بين الجبهتين، ولم تعد هناك ضرورةٌ لاستمرار وضع القبلة، حينئذ عاد المسلمون إلى الكعبة أقدم قاعدةٍ توحيديَّة، وأعرق مركزٍ للأنبياء.

ومن الطبيعي أنْ يستثقل الصلاة نحو بيت المقدس لأولئك الذين كانوا يعتبرون الكعبة الرصيد المعنويَّ لقوميتهم، وأن يستثقلوا أيضا العودة إلى الكعبة بعد أنْ اعتادوا على قبلتهم الأولى (بيت المقدس).

المسلمون بهذا التحول وضعوا في بوتقة الاختبار؛ لتخليصهم مما علق في نفوسهم من آثار الشرك، ولتنقطع كل انشداداتهم بماضيهم المشرك، ولتنمو في وجودهم روح التسليم المطلق أمام أوامر الله سبحانه.

إنَّ الله سبحان ليس له مكانٌ أو ومحلّ -كما ذكرنا -والقبلة رمزٌ لوحدة صفوف المسلمين ولإحياء ذكريات خط التوحيد، وتغييرها لا يغير شيئا، المهم هو الاستسلام الكامل أمام الله، وكسر أوثان التعصب واللجاج والأنانية في النفوس...) [تفسير الأمثل ج1 ص110].

في المحصلة، تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى الكعبة كان تشريعاً مليئاً بالحِكَم الإلهيَّة، منها تأكيد وحدة الرسالات السماويَّة، واختبار الإيمان، وتعظيم مكانة المسجدين، وإبراز استقلالية الأمة الإسلاميّة. كما يعكس هذا التحول ارتباط العبادة بطاعة الله وحده، بغض النظر عن الاتجاه، ويؤكّد رحمة الله ورأفته بعباده المؤمنين.