هل تاجر النبي (ص) بالبشر؟
السؤال: لمن لا يعلم، النبيّ محمَّد هو أول من تاجر بالبشر في الإسلام، حيث اشترى صفية من الصحابيّ دحية بسبعٍ من البشر، ثمَّ تزوَّجها ودخل بها في نفس الليلة المصدر: أخرجه مسلم (1365) مطولاً.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه الشبهة ليست سؤالاً بريئاً يُراد به البحث العلميّ، بل يُراد به صناعة صدمةٍ لفظيَّةٍ عبر استخدام تعبيراتٍ حديثةٍ مشحونةٍ مثل "الاتجار بالبشر"، ثمَّ إسقاطها على سياقٍ تاريخيٍّ مختلفٍ تماماً، دون أيّ التفاتٍ إلى طبيعة السياق التاريخيّ أو طبيعة ذلك الحدث، ولا إلى المنهج في قراءة النصوص التاريخيَّة.
أول ما ينبغي توضيحه أنَّنا لا نلتزم بمرويات غيرنا، فمجرد وجود الرواية في صحيح مسلمٍ لا يجعلها حجةً علينا، فنحن لا نُسلِّم بصحة كلِّ ما في البخاريّ ومسلمٍ، ولا نمنحهما صكَّ العصمة، فعندنا معيارنا الخاصُّ في التوثيق، وسلسلة رجالنا، ومنهجنا النقديّ في قبول الروايات.
ثمَّ حتَّى لو تنزّلنا جدلاً، فالنصُّ الذي يُراد توظيفه من صحيح مسلمٍ لا يثبت ما يدّعونه، فالتعبير الذي يُروَّج له: "اشترى صفيَّة" هو قراءةٌ دعائيَّةٌ للنصِّ، لا توصيفاً دقيقاً له، فالحديث يتكلَّم عن إعادة توزيعٍ في السبي بعد معركة خيبر، حيث كان دحية الكلبيّ قد أخذ جاريةً من السبي، فلما قيل للنبيّ (ص) إنَّها سيدة بني النضير، استرجعها وأعطاه سبايا غيرها، هذا ليس سوق نخاسةٍ، ولا تجارة أفرادٍ أحرارٍ، بل إجراءٌ ضمن نظام غنائم الحرب الذي كان معمولاً به في كلّ العالم آنذاك، والفرق بين "الاتجار بالبشر" بالمفهوم المعاصر، وبين نظام الأسرى في الحروب القديمة فرقٌ جوهريٌّ لا يجوز طمسه لأغراض الإثارة.
ومع ذلك نحن لا نبني فهمنا على تلك المرويات، فقد نقل السيِّد جعفر مرتضى العامليّ في كتابه [الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم (ص) ج18 ص80] عن الطبرسيّ وغيره ما يُعيد تركيب المشهد بصورةٍ مختلفةٍ تماماً. جاء فيه: أنَّ عليَّ بن أبي طالبٍ (عليه السلام) لما أُخذت صفيَّة في السبي، دفعها إلى بلالٍ وقال: «لا تضعها إلَّا في يدي رسول الله (ص) حتَّى يرى فيها رأيه». فلَّما مرَّ بها بلالٌ على القتلى قال له النبيُّ: «أنُزعت منك الرحمة يا بلال؟!». هذا النصُّ وحده يكشف عن حساسيَّةٍ إنسانيَّةٍ عاليةٍ حتَّى في ظرف الحرب، لا عن عقليَّة "تاجر بشرٍ".
ثمَّ إنَّ الروايات عندنا تُصرّح بأنَّ النبيَّ (ص) خيَّرها بين أنْ تبقى على دينها وتلحق بأهلها إنْ شاءت، أو أنْ تُسلم فيتخذها لنفسه. فاختارت الإسلام، فأعتقها، وجعل عتقها صداقها. هذه النقطة هي المفصل الحقيقيّ في القضيَّة، وو كان الأمر استرقاقاً محضاً أو تجارةً، لبقيت أمةً في ملكه كما كان مألوفاً في ذلك الزمان، لكنَّه نقلها من حالة السبي إلى الحريَّة، ثمَّ إلى مقام الزوجيَّة، أي إلى موقعٍٍ اجتماعيٍّ وقانونيٍّ أعلى من كلّ الاحتمالات الأخرى المتاحة في سياق ذلك العصر.
وهنا يجب أن نشير إلى أنَّ الإسلام لم ينشئ نظام الرقّ، بل جاء في عالمٍ كان الرقُّ فيه بنيَّةً اقتصاديَّةً واجتماعيَّةً متجذّرةً، ففتح أبواب التحرير التدريجيّ، وجعل العتق كفاراتٍ، ووسَّع مصارف "الرقاب"، وأغلق منابع الاسترقاق العشوائيّ، وضمن هذا السياق يجب أن نفهم حادثة صفيَّة، لا في سياق الاتجار بالبشر.
فالخلط الذي يقع فيه الطاعن هو إسقاط مفاهيم القرن الحادي والعشرين على وقائع القرن السابع الميلاديّ، ثمَّ شحنها بلغةٍ أخلاقيَّةٍ معاصرةٍ، وهذه طريقةٌ غير علميَّةٍ في قراءة التاريخ، فمن أراد الإنصاف فعليه أنْ يسأل: ماذا كان مصير الأسيرات في ذلك العصر عادةً؟ هل كان القتل؟ البيع؟ الاستعباد الدائم؟ ثمَّ ليقارن ذلك بما حصل فعلاً في حالة صفيَّة.
فنحن لا نتعامل مع النبيّ (ص) بوصفه شخصيَّةً سياسيَّةً تبحث عن مكاسب بشريَّةٍ، بل بوصفه مشرِّعاً يتحرَّك ضمن واقعٍ تاريخيٍّ معقدٍ، ويُدخل عليه إصلاحاً تدريجياً. وقصة صفيَّة ـ وفق ما عندنا من مصادر معتبرةٍ ـ تنتهي بتحرير امرأةٍ ورفعها إلى مقام زوجةٍ للنبيّ، لا بتسليعها.
فمن الناحية المنهجيَّة، لا يصحُّ أنْ يُقال: "أنَّ النبيَّ أول من تاجر بالبشر"، لأنَّها صيغةٌ دعائيَّةٌ لا علميَّةٌ، فالاتجار بالبشر يعني خطف أحرارٍ وبيعهم لتحقيق أرباحٍ.
ما جرى في خيبر كان نتيجة حربٍ معلنةٍ، ضمن نظامٍ عالميٍّ قائمٍ، وانتهى بتحرير المرأة المعنيَّة وزواجها برضاها، فبين الصورتين بونٌ شاسعٌ.
وفي المحصلة، نحن لا نُدافع بعاطفةٍ، ولا نُسلّم بمصطلحات خصومنا، ولا نقبل أنْ تُحاكم سيرة النبيّ (ص) عبر رواياتٍ لا نلتزم بها أصلاً، منهجنا واضحٌ: تمحيص الروايات وفهم السياق والتفريق بين النظام التاريخيّ والإصلاح التشريعيّ، ثمَّ إصدار الحكم، ومن سار بهذا المنهج تسقط عنده هذه الشبهة من أساسها.
اترك تعليق