هل عدم ذكر اسم ملكة سبأ دليل على نقص في القرآن؟
السؤال: مؤلف القرآن يحكي قصة ملكة سبأ ويترفّع عن ذكر اسمها لكونها امرأة يعتبرها كافرة، ويقول: قالت. ويسكت، ولا يعرف القارئ من هي التي قالت، ما اسمها! ربَّما أنَّ الصمت عن ذكر اسم الملكة العظيمة من ضمن البلاغة والإعجاز القرآنيّ.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا النوع من الطرح ينطلق من موقفٍ عدائيٍّ مُسبقٍ لا علاقة له بالبحث العلميّ، أو محاولةِ الوصول إلى الفهم، بل تحرّكه رغبةٌ في التقليل من شأن النصِّ الدينيِّ؛ ولذلك تجد صاحبه يبحث عن أيّ زاويةٍ - مهما كانت ضعيفةً - ليحوّلها إلى "شبهة". ومن هنا يظهر التناقض بوضوح: يُطالب النصَّ بأنْ يكون تفصيليَّاً في ذكر الأسماء، ثمَّ يُنتقد في مواضع أخرى لأنَّه «يطيل» أو «يكرّر». فالمشكلة - إذن - ليست في النصِّ، بل في الذهن الذي يتعامل معه.
فهذه العقليَّة تعاني نوعاً من التوتر الداخليِّ: فهي تريد أنْ تبدو «عقلانية»، لكنَّها في الحقيقة تحاكم النصَّ بناءً على انطباعاتٍ وانفعالاتٍ، لا على معايير معرفيَّةٍ منضبطةٍ. فهي لا تسأل: ما وظيفة هذا النصِّ؟ ما منهجه في السرد؟ ما الذي يركّز عليه؟ بل تقفز مباشرةً إلى الحكم: «لماذا لم يُذكر الاسم؟ إذن هناك مشكلة!». وهذا ليس تفكيراً نقدياً، بل ردّ فعلٍ نفسيٍّ مغلّفٌ بلغة النقد.
وعليه، فالإشكال المثار هنا لا يتعلق بـ «عدم ذكر الاسم»، بل بالفكرة التي ينطلق منها الاعتراض نفسه، ولتوضيح ذلك، يمكن الإشارة إلى عدّة نقاط:
أوَّلاً: افتراض أنَّ عدم ذكر الاسم سببه «احتقار المرأة» هو استنتاج بلا دليل، بل يتجاهل حقيقةً واضحةً: القرآن لم يذكر أسماء كثيرٍ من الرجال أيضاً، بل تركهم بلا أسماء مع أنَّهم محور القصة. فهل كان ذلك احتقاراً للرجال؟ أو أنَّ هناك منهجاً مختلفاً في عرض القصص؟ القرآن ليس كتاب تاريخٍ يسعى إلى توثيق الأسماء، بل كتاب هدايةٍ يركّز على الموقف والمعنى والدلالة، لا على التفاصيل التي لا تغيّر من الرسالة شيئاً. فاسم ملكة سبأ - سواء ذُكر أم لم يُذكر - لا يضيف شيئاً إلى الدرس الأساسيِّ في القصة.
وثانياً: هذا الاعتراض يكشف عن تصوّرٍ سطحيٍّ لوظيفة النصِّ. القصة في القرآن لا تُبنى على «الشخصيَّة بوصفها اسماً»، بل على «الموقف بوصفه نموذجاً»، وملكة سبأ تُقدَّم نموذجاً للعقل السياسيِّ المتزن، والقدرة على مراجعة الذات، والانتقال من الشرك إلى التوحيد. وهذا بحدِّ ذاته قلب للصورة النمطيَّة التي يُراد إلصاقها بالقرآن، إذ إنَّ النصَّ يقدّم امرأةً غير مسلمة في البداية بوصفها شخصيَّةً حكيمةً، قادرةً على التشاور، واتخاذ القرار، ثمَّ يمدح تحوّلها. فأين «الاحتقار» هنا؟
وثالثاً: السخرية من «البلاغة» في هذا السياق تكشف عن جهلٍ بطبيعة البيان القرآنيِّ، البلاغة ليست في ذكر كلِّ شيء، بل في اختيار ما يُذكر وما يُترك. أحياناً يكون ترك الاسم أبلغ؛ لأنَّه يحوّل الشخصيَّة من حالةٍ فرديَّةٍ محدَّدةٍ إلى نموذجٍ إنسانيٍّ عامّ، يمكن أن يتكرر في كلِّ زمانٍ ومكانٍ. حين لا تُقيَّد القصة باسم، تصبح أوسع دلالةً، وأقرب إلى أنْ تُقرأ بوصفها تجربةً إنسانيَّةً لا مجرد حادثةٍ تاريخيَّةٍ.
وفي المحصّلة، السؤال الحقيقيُّ ليس: لماذا لم يُذكر اسم ملكة سبأ؟ بل: لماذا نُصرُّ على محاكمة نصٍّ هدايتيٍّ بمعايير كتاب تاريخ؟ ولماذا يُفترض سوء النيَّة في كلِّ تفصيل، بدل محاولة فهم منطق النصِّ من داخله؟ هنا يتكشف أنَّ الإشكال أعمق بكثيرٍ من مجرد «اسم لم يُذكر»، بل هو إشكالٌ في طريقة التفكير، وفي العلاقة المسبقة مع الدِّين نفسه.
اترك تعليق