سبب تذكير لفظ الجلالة
السؤال: لماذا يُنسب الله للذكورة؟ ففي كلِّ النصوص الإسلاميَّة يُشار إليه على أنَّه «هو» لا «هي»، وأنَّه ليس مولوداً ولا والداً؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم أنَّه لا شكَّ ولا شبهةً في أنَّ الله سبحانه ليس بذكرٍ ولا أُنثى، فالذكر هو الجنس المعروف في المخلوقات التي تحلُّها الحياة، وهو الذي ليس من شأنه أنْ يلد بنفسه، وبخلافه الأُنثى، حيث من شأنها أنْ تلد بنفسها، وهذان المعنيان لا ينطبقان على الله سبحانه.
ثمَّ اعلم أنَّ أكثر اللغات وُضعت على طريقة الإشارة للأشياء بالمذكَّر تارةً وبالأُنثى أخرى، سواءٌ كان التأنيث حقيقيّاً أم مجازيّاً.
ثمَّ إنَّ دأب أكثر اللغات ومنها العربيَّة في التعبير عن الأسماء أن تعطيها صفة التذكير والتأنيث عند الحديث عنها، وليس هناك صيغةٌ ثالثةٌ، فأيُّ اسمٍ لا بدَّ أن يُعامل إمَّا معاملة المذكَّر أو المؤنَّث، سواءٌ كان عاقلاً أم غير عاقلٍ، وسواءٌ كان اسم علمٍ كعليٍّ وفاطمة، أم اسم جنسٍ كتلميذٍ وشجرةٍ، فإنَّك ترى بكلِّ وضوحٍ الإشارة للشمس بالتأنيث وللقمر بالتذكير، مع أنَّهما في الواقع ليسا مصداقاً للذكر ولا الأُنثى، وإنَّك لا ترى لفظاً على غير طريقة التذكير والتأنيث؛ ولذا قالوا بأنَّ اللغة العربيَّة تركت المذكَّر على حاله وأصله، ووضعت للمؤنَّث علاماتٍ يُعرف بها سُمِّيت علامات التأنيث، بمعنى أنَّ اللغة استعملت للمذكَّر اللفظ الأصليّ واشتقَّت منه المؤنَّث، بل يستخدمون اللفظ المذكَّر المنصرف للأُنثى حصراً إذا لم يوجد لبسٌ في الفهم لدى المستمع، كألفاظ: حامل، وناهد، وكاعب، وناشز، وطالق، فهنا يرتفع اللبس في دلالتها بين التذكير والتأنيث لأنَّها لا تصف إلَّا المرأة، وبالتالي تعود للأصل اللغويّ وهو التذكير.
فكيف بمَن هو ليس بذكرٍ ولا أُنثى، فجرت الإشارة إلى الله سبحانه بالتذكير على ألسنة العرب وغيرهم، ونزل القرآن بهذه الصيغة (التذكير)، فلا تصحُّ مخالفة النصِّ القرآنيّ واستخدام صيغة التأنيث في هذا، مع عدم صحَّة المخالفة لغويّاً أيضاً؛ فمن يقول مثلاً: (إنَّ القلم التي اشتريتها غاليةٌ)، سيصدم المستمع ويثير الضحك، رغم أنَّ القلم ليس ذكراً ولا أُنثى.
فلا وجه للاعتراض على أمرٍ تعارف الناس عليه من باب الاصطلاح اللغويّ وجرت العادة على قبوله، خصوصاً وأنَّك أمام خيارين لا ثالث لهما.
هذا مع شرفيَّة التذكير على التأنيث، وكون الذكر أكمل من الأُنثى، كما أنَّ اليمين أشرف من اليسار؛ ولذلك يتمُّ تغليب الذكر على الأُنثى كثيراً في المخاطبات العرفيَّة، حتَّى وإن كانت الأغلبيَّة العدديَّة للإناث على الذكور، ومن هنا ناسب أنْ تكون أسماء الله تعالى مذكَّرةً، متابعةً لعرف أهل اللغة، الذين حكموا بتقدُّم المذكَّر على المؤنَّث في الشرف والأصالة والكمال.
ودمتم في رعاية الله سالمين.
اترك تعليق