هل كان النبي (ص) يحب عائشة لجمالها؟
السؤال: روى الكُلينيُّ بسنده عن محمَّد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل إذا خيَّر امرأته فقال: «إنما الخيرة لنا ليس لأحد، وإنما خيَّر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لمكان عائشة، فاخترْنَ الله ورسوله، ولم يكن لهنَّ أنْ يخترْنَ غير رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)» [الكافي ج6 ص139]. قال المجلسيّ بعدها: (بيان: لعلَّ المعنى أنه (صلَّى الله عليه وآله) إنما لم يطلقن ابتداءً بل خيَّرهن لأنه (صلَّى الله عليه وآله) كان يحب عائشة لجمالها، وكان يعلم أنهنَّ لا يخترن غيره لحرمة الأزواج عليهن، أو لغيرها من الأسباب، أو أنَّ السبب الأعظم في تلك القضية كان سوء معاشرة عائشة وقلَّة احترامها له (صلَّى الله عليه وآله)، ويحتمل أنْ يكون المراد بقوله: «ولم يكن لهنَّ أنْ يخترن» أنَّه لو كنَّ اخترنَ المفارقة لم يكن يقع الطلاق إلَّا بأنْ يطلقهن الرسول الله (صلَّى الله عليه وآله) كما يدلُّ عليه كثير من الأخبار، لكنه خلاف المشهور) [بحار الأنوار ج22 ص213]. وقال الفيض الكاشاني: («لمكان عائشة» كأنّ المراد أنّه (صلَّى الله عليه وآله) كان يهواها) [الوافي ج23 ص1133]. فهل كان النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) يُحب عائشة لجمالها؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
لا يخفى أنَّ زواج النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) من عائشة بنت أبي بكر لم يكن خالياً من الحِكمة والمصلحة قطعاً، بل قد يُستفاد من بعض الآثار أنَّ من جملة الحِكم الإلهيَّة في ذلك هي امتحان الناس ليتبيَّن هل يكون اتباعهم وطاعتهم لله تعالى ورسوله (صلَّى الله عليه وآله) أو لها هي وحدها؟ [يُنظر: كتاب سُليم بن قيس الهلاليّ ص٤٣٨، صحيح البخاري ج٨ ص٩٧].
ومن الواضح أنَّ تحقق مثل هذا الابتلاء يتوقَّف على أنْ تكون لها منزلةٌ وموقعٌ اجتماعيٌّ أو دينيٌّ بنظر الناس، وذلك كأنْ تكون زوجة للنبي (صلَّى الله عليه وآله)، إذْ لولا ذلك لما تحقق مورد الاختبار والتمييز، كما لا يخفى.
إذا بان هذا، فلنا بعض الوقفات، نذكرها ضمن أمور:
الأمر الأوَّل: في حبِّ النبيّ (ص) لها:
الملاحَظ في النصوص الواردة عندهم أنَّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) لم يكن محباً لها، بل كان يتمَّنى موتها والخلاص منها، نذكر بعضاً منها:
1ـ روى أحمد بسندٍ صحيحٍ إلى عائشة، قالت: «دخل عليَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) في اليوم الذي بُدئ فيه، فقلتُ: وارأساه، فقال: وددتُ أنَّ ذلك كان وأنا حيٌّ، فهيأتكِ ودفنتكِ. قالت:... كأنّي بك في ذلك اليوم عروساً ببعض نسائك» [مسند أحمد ج42 ص50].
وفيه أيضاً: بسندٍ حَسَن إليها أيضاً قالت: «رجع إليَّ رسول الله ذات يوم من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعاً في رأسي، وأنا أقول: وارأساه. قال: بل أنا وارأساه. ثمَّ قال: ما ضرَّكِ لو متِّ قبلي، فغسَّلتكِ وكفنتكِ، ثمَّ صلَّيتُ عليكِ ودفنتكِ. قلتُ: لكنّي ـ أو: لكأنّي ـ بكَ والله لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي، فأعرست فيه ببعض نسائك. قالت: فتبسَّم رسول الله» [مسند أحمد ج43 ص81].
2ـ وروى البخاريّ بسنده الصحيح إلى عبد الله قال: «قام النبيّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) خطيباً، فأشار نحو مسكن عائشة، فقال: هنا الفتنة ـ ثلاثاً ـ من حيث يطلع قرن الشيطان» [صحيح البخاري ج3 ص1130]. وفي لفظ مسلم: «خرج رسول الله من بيت عائشة فقال: رأس الكفر من هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان» [صحيح مسلم ج8 ص181].
3ـ وروى مُسلم بسنده الصحيح عن عائشة قالت: «ألا أحدِّثكم عني وعن رسول الله، قلنا: بلى، قال: قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبيّ فيها عندي... إلى قولها: فقال: ما لكِ يا عائش حشياً رابية، قالت: قلت: لا شيء، قال: لتخبريني، أو ليخبرني اللطيف الخبير، قالت: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فأخبرته، قال: فأنتِ السواد الذي رأيتُ أمامي، قلت: نعم، فلهدني في صدري لهدة أوجعتني» [صحيح مسلم ج3 ص64].
أقول: إذا كان (صلَّى الله عليه وآله) يتمنَّى موتها والخلاص منها، ويعتقد بأنَّ منزلها يطلع منه قرن الشيطان، بل وأكثر من ذلك، وكان يضربها حتَّى يوجعها، لتجسُّسها وكذبها عليه. فهل هذا يدلُّ على حبّهِ لها أم العكس؟
والخلاصة: أنَّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) لم يكن يحبها أصلاً بل كان يتمَّنى الخلاص منها، وبذلك يتبيَّن بطلان الشق الأوَّل من السؤال.
الأمر الثاني: في جمالها المزعوم:
المستفاد من بعض الروايات المرويَّة عندهم أنَّ عائشة لم تكن جميلة أصلاً، بل كانت سوداء البشرة، من تلك الروايات:
1ـ ما جاء في تاريخ الإمام والحافظ ـ عندهم ـ يحيى بن معين برواية الدوري، ما هذا نصُّه: «سمعتُ يحيى يقول: قال عبَّاد: قلنا لسهيل بن ذكوان: رأيتَ عائشة أم المؤمنين؟ قال: نعم. قلنا: صفها؟ قال: كانتْ سوداء» [تاريخ يحيى بن معين ج1 ص369].
وانظر في ذلك أيضاً كتاب [تاريخ الإسلام ج9 ص169، وغيره].
نعم، قد يُناقش في إسنادها بدعوى الضعف والتوهين، ولكن هل يُنتظر منهم الحكم بصحة روايات تتضمَّن قدحاً في المرأة المذكورة؟ فمن الواضح أنَّ ذلك غير متوقَّع، لما عُرف عنهم من شدَّة الميل إليها والمبالغة في تعظيمها وتقديسها، فتأمَّل.
2ـ وما جاء في الطبقات عن عائشة قالتْ: «ما غرتُ على امرأة إلَّا دون ما غرتُ على مارية، وذلك أنَّها كانت جميلةً من النساء جعدة، وأعجب بها رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، وكان أنزلها أوَّل ما قَدِم بها في بيت لحارثة بن النعمان، فكانت جارتنا، فكان رسول الله عامَّة النهار والليل عندها حتَّى فرغنا لها، فجزعتْ فحوَّلها إلى العالية، فكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشدَّ علينا، ثمَّ رزق الله منها الولد وحرمنا منه» [الطبقات الكبرى ج8 ص٢١٢، أنساب الأشراف ج1 ص350، إمتاع الأسماع ج5 ص٣٣٦، وغيرها].
فلو كانت جميلةً ـ كما يُقال ـ فلماذا تُعلل تلك الغيرة بجمال السيدة مارية القبطية؟ مما يُشير إلى ما قلنا: من كونها قبيحة المنظر والشكل.
والخلاصة: أنَّه لم يثبت كونها من أهل الجمال بل كانت سوداء البشرة، وبذلك يتبيَّن بطلان الشق الآخر من السؤال.
قال العلَّامة السيد جعفر العامليُّ: (ونسجِّل هنا: أنَّ أكثر ـ إنْ لم يكن كل ـ ما يُقال عن جمال عائشة، وعن حظوتها، وحب النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) لها، إنما هو مرويٌّ عنها نفسها، أو عن ابن أختها عروة، ونحن نقطع بعدم صحَّة ذلك كلِّه من الأساس) [الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم ج4 ص104].
الأمر الثالث: مناقشة كلمات الأعلام:
وأمَّا ما ذكره الأعلام منَّا من دعوى جمالها وحبّ النبيّ (ص) لها، فيُحتمل أنه من باب المجاراة مع العامة الذين يعتقدون بذلك، خصوصاً وأنَّ بعض كلمات العلَّامة المجلسيّ (طاب ثراه) صريحةٌ في ذمّها.
وبعبارة أُخرى: إنَّ الأعلام المذكورين قد فسَّروا رواية الكافي المتقدِّمة بناءً على ما هو المعروف عند العامّة من دعوى جمالها وحبّ النبيّ (ص) لها، وإلَّا فهو مخالفٌ لما يعتقده أتباع أهل البيت (ع) من كونها قبيحة الشكل والمنظر.
على أنَّ ذلك مخالفٌ لما ورد في أخبار الفريقين من النهي عن تزويج المرأة من أجل جمالها فقط ما لم تكن من أصحاب الدين.
وعليه، فهل يُعقل أنْ ينهى النبيُّ الأعظم عن ذلك ثمَّ يفعله هو بنفسه، فيكون من مصاديق قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 3]؟! هذا ما لم لا يُمكن الالتزام به أبداً، لاعتقادنا القطعي بعدم كون المذكورة من أهل الدين والتقوى.
من تلك الأخبار:
1ـ ما رواه الشيخ الكُلينيُّ بسندٍ مُعتبرٍ إلى السكونيّ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قام رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) خطيباً فقال: أيُّها الناس، إياكم وخضراء الدمن، قيل: يا رسول الله، وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في منبت السوء» [الكافي ج ٥ ص ٣٣٢، المقنع ص٣٠٥، وينظر: الجرح والتعديل ج4 ص١٣٩].
2ـ وما رواه الشيخ الصدوق بسنده إلى هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا تزوَّج الرجل المرأة لمالها أو جمالها لم يرزق ذلك، فإنْ تزوَّجها لدينها رزقه الله (عزَّ وجلَّ) جمالها ومالها» [من لا يحضره الفقيه ج3 ص٣٩٢].
3ـ وما رواه الشيخ الطوسيّ بسنده إلى بريد العجلي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «من تزوَّج امرأة لا يتزوَّجها إلَّا لجمالها لم ير فيها ما يحب، ومن تزوَّجها لمالها لا يتزوَّجها إلَّا له وكله الله إليه، فعليكم بذات الدين» [تهذيب الأحكام ج7 ص ٣٩٩ وص ٤٠٠].
4ـ وما رواه ابن ماجة ـ من العامة ـ بسنده إلى عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): «لا تزوجوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أنْ يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن، فعسى أموالهن أنْ تطغيهن. ولكن تزوجوهن على الدين. ولأمةٌ خرماء سوداء ذات دين أفضل» [سُنن ابن ماجة ج1 ص597، وينظر: كنز العمَّال ج١٦ ص٣٠١].
والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ دعوى حبّ النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) لعائشة من أجل جمالها مخالفٌ للقوانين الإلهيَّة من جهة، وللواقع من جهةٍ أُخرى.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق