هل السيرة النبوية مجهولة؟

السؤال: سيرة نبيٍّ شبه مجهولٍ الظلام الشديد حول أحداث الأربعين سنةً السابقة لبعثة محمّدٍ، غيَّر الاعتقاد السائد عند المسلمين وبعض المستشرقين أيضاً أنَّ حياة محمّدٍ واضحةٌ ومدوَّنةٌ بالتفاصيل، عكس سيرة المسيح. والحقيقة أنَّنا نعرف عن مولد المسيح وطفولته وشبابه أكثر بكثيرٍ ممَّا نعرف عن محمّدٍ، حتّى مع مراعاة الروايات المتعارضة. لذلك، جاءت السيرة النبويَّة سيرةً عامَّةً لا سيرة محمّدٍ نفسه، وحضور الرسول في السيرة حضورٌ فرعيٌّ ما عدا في بعض فصول السيرة التي تركّز على الأحداث المتسارعة بين بعثته وهجرته إلى المدينة بعد اضطهاده. غير أنَّنا نجد أنفسنا أمام أزمةٍ أخرى في حالة السيرة النبويَّة: في كلّ السير الشعبيَّة، تلعب تفاصيل حياة البطل دوراً رئيساً في صياغة شخصيَّته والتمهيد لبطولته. لكن السيرة النبويَّة لا تكاد تخبرنا شيئاً عن طفولة محمّدٍ ومراهقته وشبابه حتّى لحظة زواجه بخديجة. والأحداث المرويَّة مفكَّكةٌ يصعب وضعها في إطارٍ تصاعديٍّ لصناعة شخصيَّة البطل. السيرة النبويَّة ليست سيرةً عن محمّدٍ، فمحمّدٌ شخصيَّةٌ فرعيَّةٌ فيها لا تحتلّ أحداث حياته أكثر من ثلث صفحات السيرة. إنَّها سيرةُ ملء الفراغات برواية الأحداث الموازية والشخصيَّات المساندة. ولا شكَّ أنَّ رواة وكتّاب السيرة الأوائل عانوا كثيراً في ملء الفراغات وبناء الشخصيَّة! لكنَّنا لا نعرف عن النبيّ ما يكفي للاقتناع بمصداقيَّة المرويّ أو المكتوب.

: الشيخ أمير الخزاعي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

قبل الدخول في الجواب، لا بدَّ من الالتفات إلى أنَّ هذا الإشكال ليس إشكالاً واحداً بسيطاً، بل هو مركَّبٌ من عدَّة دعاوى متداخلة:

الأولى: أنَّ سيرة النبيّ قبل البعثة مجهولةٌ، فلا نملك معلوماتٍ كافيةً عن شخصيَّته في طفولته وشبابه، وأنَّ ما نعرفه عن طفولة المسيح أكثر ممَّا نعرفه عن طفولة محمّدٍ صلّى الله عليه وآله.

الثانية: أنَّ ما يسمّى بالسيرة النبويَّة ليس في الحقيقة سيرة النبيّ نفسه، بل إنَّ شخصيَّته تأتي فيها بصورةٍ فرعيَّةٍ ضمن سياقٍ عامٍّ.

الثالثة: أنَّ المرويَّ في كتب السيرة غير معتمدٍ عليه في الأساس.

وقبل الإجابة عن هذه الدعاوى نقول:

الإشكال في حقيقته قائمٌ على تصوّرٍ مسبقٍ لطبيعة كتابة التاريخ والسيرة، وعلى توقّعٍ معيَّنٍ لكيفيَّة تدوين حياة الشخصيَّات الكبرى، ثمَّ الحكم على السيرة النبويَّة بالفشل لأنَّها لم تُكتب وفق هذا النموذج المتخيَّل، وأنَّ المتأمّل يكشف أنَّ المستشكل وقع في تناقضٍ داخليٍّ في عرض دعواه؛ فهو من جهةٍ يزعم أنَّ السيرة «مجهولةٌ»، ثمَّ ينتقل ليقول إنَّها «ليست سيرة النبيّ أصلاً»، ثمَّ يبني اعتراضه الثالث على أنَّ «ما رُوي في كتب السيرة غير معتبرٍ»؛ وهذا يعني أنَّه تراجع عن فرضيَّة الجهل المطلق، وانتقل إلى الاعتراض على ماهيَّة السيرة تارةً، وعلى مصادرها تارةً أخرى، وعليه، فالإشكال لم يُبنَ على مقدّمةٍ واحدةٍ واضحةٍ، بل على ثلاث دعاوى متعارضةٍ في مبناها.

أمَّا الجواب عن الدعوى الأولى:

فهي تحتاج إلى قدرٍ كبيرٍ من التفصيل؛ لأنَّها في الواقع مركَّبةٌ من جهتين مختلفتين:

الأولى: أنَّ حياة النبيّ قبل البعثة غامضةٌ ولا نملك عنها معلوماتٍ كافيةً.

والثانية: أنَّ سيرة المسيح عليه السلام أوضح وأكثر تفصيلاً من سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله) في مرحلة الطفولة والشباب.

أمَّا الجهة الأولى، فمن الواضح أنَّها مبالغةٌ ظاهرةٌ؛ إذ إنَّ كتب السيرة والحديث والتاريخ الإسلاميّ قد نقلت مقداراً واسعاً من الأخبار المتعلّقة بحياة النبيّ (صلى الله عليه وآله) قبل البعثة، من نسبه، وولادته، وكفالته، ورحلته مع عمّه، وعمله في التجارة، وزواجه من السيّدة خديجة عليها السلام، وما كان معروفاً عنه بين قومه من الصدق والأمانة والعفاف وحسن السيرة، حتّى لُقِّب بالأمين قبل البعثة بسنواتٍ طويلةٍ، والواقع أنَّ المستشكل يقيس السيرة النبويَّة بمعايير الرواية الحديثة أو السرد القصصيّ المعاصر، حيث يُتوقَّع من الكاتب أن يقدّم بناءً متسلسلاً نفسيّاً واجتماعيّاً دقيقاً لشخصيَّة البطل منذ طفولته، ثمَّ يعتبر عدم وجود هذا النمط دليلاً على جهالة السيرة، مع أنَّ هذا ليس من طبيعة التدوين التاريخيّ في تلك العصور أصلاً، فهو ارتكب هنا قياساً مع الفارق.

وأمّا الجهة الثانية: وهي المقارنة بين النبيّ (صلى الله عليه وآله) والنبيّ عيسى (عليه السلام)، فهي في نفسها مقارنةٌ غير دقيقةٍ؛ لأنَّ هناك فرقاً جوهريّاً بين الشخصيَّتين من حيث ظروف الظهور التاريخيّ وطبيعة الاهتمام الاجتماعيّ بكلٍّ منهما.

فالنبيّ عيسى (عليه السلام) عُرف بالنبوَّة منذ ولادته، وارتبطت حياته منذ بدايتها بأحداثٍ إعجازيَّةٍ استثنائيَّةٍ، كولادته من غير أبٍ وكلامه في المهد، فصار محلَّ أنظار الناس منذ اللحظة الأولى، وأصبحت طفولته جزءاً من الرسالة نفسها، إضافةً إلى أنَّ حياته كانت قصيرةً نسبيّاً، ولم يعش مراحل الكهولة والشيخوخة التي عاشها النبيّ (صلى الله عليه وآله).

أمَّا النبيّ محمّدٌ (صلى الله عليه وآله)، فإنَّه لم يُعلن نبوَّته إلَّا عند بلوغه الأربعين من عمره؛ ولذلك لم تكن طفولته وشبابه قبل البعثة محلَّ مراقبةٍ دينيَّةٍ أو تدوينٍ تفصيليٍّ من الناس كما هو الحال في المسيح عليه السلام، ومن الطبيعيّ جدّاً أن يتركّز الاهتمام الأكبر على المرحلة التي بدأت فيها الدعوة وتكوَّنت فيها الرسالة والدولة والمجتمع الإسلاميّ.

فقلَّة تفاصيل الطفولة مقارنةً بما بعد البعثة ليست ظلاماً شديداً، بل هي دليلٌ على واقعيَّة التأريخ وعلميَّته حيث لم يخترع المسلمون أساطير لملء الفراغ كما فعلت السير الشعبيَّة.

ولهذا، فإنَّ المقارنة الصحيحة ليست بين طفولة المسيح وطفولة النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقط، بل بين مجموع السيرة المنقولة عن كلٍّ منهما، وحينئذٍ لا مجال أصلاً للمقارنة؛ لأنَّ المسلمين نقلوا عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أدقَّ تفاصيل حياته: صفاته الخَلقيَّة والخُلقيَّة، وطريقة كلامه، وضحكه، ومشيه، وعبادته، وتعاملاته، وسلوكه في الحرب والسلم، وأحداث سنوات حياته بعد البعثة بصورةٍ تفصيليَّةٍ لا تكاد توجد لشخصيَّةٍ دينيَّةٍ أخرى في التاريخ القديم.

أمَّا الدعوى الثانية، وهي أنَّ السيرة النبويَّة ليست في الحقيقة سيرةً للنبيّ (صلى الله عليه وآله)، بل مجرَّد سردٍ لأحداثٍ تاريخيَّةٍ عامَّةٍ يكون النبيّ فيها عنصراً فرعيّاً، فهي ناشئةٌ في الحقيقة من تصوّرٍ خاصٍّ لمعنى السيرة.

فالمستشكل يتوقَّع أن تُكتب السيرة بأسلوبٍ ذاتيٍّ محضٍ، بحيث يكون النبيّ (صلى الله عليه وآله) هو محور كلّ فقرةٍ، وتُرتَّب الأحداث بحسب عمره الشخصيّ: ماذا فعل في الأربعين، ثمَّ الخامسة والأربعين، ثمَّ الخمسين، وهكذا، ثمَّ يعتبر عدم وجود هذا النمط دليلاً على أنَّ النبيّ ليس محور السيرة.

غير أنَّ هذا التصوّر يغفل طبيعة المرحلة التاريخيَّة التي تتحدَّث عنها السيرة النبويَّة؛ فإنَّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يكن شخصيَّةً فرديَّةً معزولةً عن الأحداث، بل كان محور تحوّلٍ حضاريٍّ ودينيٍّ وسياسيٍّ واجتماعيٍّ هائلٍ، ومن الطبيعيّ أن ترتبط سيرته بالأحداث التي صنعت الدعوة الإسلاميَّة وتكوَّن المجتمع الإسلاميّ.

ومن هنا، فإنَّ ذكر الوقائع والأحداث المحيطة بالدعوة لا يعني أنَّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) شخصيَّةٌ فرعيَّةٌ فيها، بل على العكس، إنَّ هذه الأحداث تُذكر أساساً لارتباطها المباشر أو غير المباشر به، وبمسار دعوته ورسالته، فالهجرة، والغزوات، والعلاقات القبليَّة، والوفود، والمعاهدات، وسائر الأحداث، كلُّها تدور حول شخص النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بوصفه مركز الحركة التاريخيَّة، لا بوصفه شخصاً هامشيّاً فيها.

وعليه، فإنَّ تصوير السيرة النبويَّة وكأنَّها مجرَّد تاريخٍ عامٍّ يُذكر فيه النبيّ عرضاً، هو في الحقيقة قلبٌ لمفهوم السيرة نفسه، وقراءةٌ انتقائيَّةٌ لطبيعة التدوين التاريخيّ الإسلاميّ.

أمَّا الجواب عن الدعوى الثالثة، وهي الزعم بأنَّ الرواة والمؤرِّخين ملأوا الفراغات بأخبارٍ موضوعةٍ أو مختلقةٍ، ومن ثمَّ لا يمكن الوثوق بالمرويَّات السيريَّة، فهي في الحقيقة أصل الإشكال ومحوره الأساسيّ، غير أنَّه قد تبيَّن ممَّا تقدَّم في الجواب عن الإشكال الثاني أنَّ هذا التصوّر مبنيٌّ على مقدّمةٍ غير صحيحةٍ؛ إذ لا يوجد أصلاً ذلك الفراغ المتوهَّم الذي يُفترض أنَّ المؤرِّخين سعوا إلى ملئه بالاختلاق والوضع، وإنَّما نشأ هذا التصوّر من قراءةٍ غير دقيقةٍ للسيرة.

وأمَّا مسألة اعتبار كتب السيرة، فنقول: لا شكَّ أنَّه لا يُعتدّ بكلّ ما ورد في كتب السيرة على نحوٍ مطلقٍ؛ إذ إنَّ هذه الكتب من جهة كونها نصوصاً تاريخيَّةً تخضع لمعايير النقد التاريخيّ، مثل: عدم التعارض، وقِدم المصدر، واعتبار النسخة، وانتفاء المصلحة الشخصيَّة للمؤرِّخ، وغيرها من الموازين المعتمدة في دراسة النصوص التاريخيَّة.

ومن جهةٍ أخرى، فإنَّ السيرة النبويَّة عند المسلمين ليست مجرَّد مادَّةٍ تاريخيَّةٍ، بل هي حجَّةٌ شرعيَّةٌ وأحد أصول الاستنباط؛ إذ إنَّ قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وفعله وتقريره حجَّةٌ، ومن هذه الجهة تخضع نصوص السيرة لمعايير النقد الحديثيّ، من حيث صحَّة السند، ودلالة المتن، وعدم مخالفته للقرآن الكريم أو للعقل السليم، وسائر الضوابط المرتبطة بهذا المجال.

وعليه، فإنَّ هذه الدعوى فاسدةٌ؛ لأنَّ الصحيح ليس رفض كتب السيرة بالجملة، بل إخضاعها لمناهج الفحص العلميّ، فلو التزمنا بمنطق هذا المستشكل للزم إسقاطُ جميع المصادر التاريخيَّة في كلّ حضارات العالم، لا في الإسلام وحده؛ إذ لا توجد أمَّةٌ تُؤرِّخ ماضيها إلَّا عبر الروايات والنقول والوثائق التي تُعرض على قواعد النقد التاريخيّ، ويُقبل صحيحها ويُطرح سقيمها.

فهذا الإشكال ـ لو التُزم به ـ ينسف تاريخ الفرس والروم واليونان، والمسيحيَّة واليهوديَّة، بل ينسف كلّ معرفةٍ بشخصيَّاتٍ كبرى كالإسكندر وقيصر وسقراط؛ لأنَّ كلَّ ذلك بُني على مصادر تاريخيَّةٍ تُفحَص ولا تُرفض دفعةً واحدةً، فالتشكيك الكلّي في كتب السيرة ليس نقداً علميّاً، بل هو نقضٌ لمبدأ التاريخ نفسه؛ لأنَّه يساوي بين وجود الضعيف في الكتب، وبين سقوط الكتب بأجمعها.

والصحيح أنَّ السيرة النبويَّة تُعامل وفق منهجٍ مركَّبٍ: تاريخيٍّ وحديثيٍّ، يميِّز الصحيح من السقيم، ويستخرج منها ما ثبت بالنقد العلميّ، وهو ما يفعله كلّ أهل الاختصاص في دراسة أيّ تراثٍ بشريٍّ.

وللمزيد من البحث في سيرة النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، وبيان شخصيَّته في طفولته، وشبابه، وما قبل البعثة وما بعدها، فقد ألَّف العلماء والمحدِّثون والمؤرِّخون عبر القرون كتباً كثيرةً ومتنوِّعةً، تُعدّ مراجع أساسيَّةً في هذا الباب، فمن أقدم ما كُتب في هذا المجال نذكر بعضها للمراجعة: كتاب الشمائل النبويَّة والخصائص المصطفويَّة لمحمَّد بن عيسى الترمذيّ (ت 279هـ)، وكتاب أخلاق النبيّ وآدابه لأبي الشيخ الأصفهانيّ (ت 369هـ)، وكذلك كتاب خَلق النبيّ وخُلقه لمحمَّد بن عبد الله بن عبد العزيز السجستانيّ (ت 450هـ)، وهي من أوائل المصنَّفات التي تناولت السيرة الفرديَّة والاجتماعيَّة للنبيّ صلّى الله عليه وآله.

وفي العصور المتأخِّرة، ولا سيَّما في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الهجريَّين، ظهرت دراساتٌ وبحوثٌ جديدةٌ في السيرة النبويَّة، منها: كتاب حياة محمَّدٍ لمحمَّد حسين هيكل، وكتاب حياة النبيّ وسيرته لمحمَّد قوام وشنوي، وكتاب سيرة المصطفى لهاشم معروف الحسنيّ، وكتاب موسوعة التاريخ الإسلاميّ لمحمَّد هادي يوسفي الغرويّ، وكتاب السيرة النبويَّة لمصطفى دلشاد، وكتاب الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم للسيِّد جعفر مرتضى العامليّ، وكذلك كتاب تاريخ سياسيّ الإسلام وسيرة رسول الله للدكتور رسول جعفريان.

ومن المصادر الأخرى المهمَّة: كتاب السيرة المحمديَّة للشيخ جعفر السبحانيّ، وكتاب منتهى الآمال في تواريخ النبيّ والآل للشيخ عبّاس القمّيّ، وكتاب السيرة النبويَّة برواية أئمَّة أهل البيت للشيخ عليّ دعموش العامليّ، إضافةً إلى موسوعة بحار الأنوار للعلَّامة المجلسيّ، المجلَّدات التي تناولت تاريخ النبيّ محمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله) وتاريخ الأئمَّة عليهم السلام.

وهذه نماذج من المصادر، وإلَّا فالمصنَّفات في السيرة النبويَّة كثيرةٌ جدّاً ومتنوِّعةُ المناهج، ويمكن للباحث أن يراجعها لاستكمال الصورة التاريخيَّة والمعرفيَّة لشخصيَّة النبيّ قبل البعثة وبعدها.