هل الفقه الشيعي ناظر إلى الفقه السني؟

السؤال: (وقد اعتقد بعض كبار فقهاء الإماميَّة بأنَّ الفقه الشيعيّ ناظرٌ في إنجازاته العلميَّة إلى الفقه السنّيّ، ولا يمكن تحقّق فهم الفقه الشيعيّ بشكلٍ تامٍّ إلَّا لمن يفهم الفقه السنّيّ بشكلٍ تامٍّ..) [منذر الحكيم، بحثٌ بعنوان: مراحل تطوّر الاجتهاد في الفقه الإماميّ، في مجلَّة "فقه أهل البيت"]. ما رأيكم بهذا الكلام؟

: الشيخ أمير الخزاعي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

كي نفهم هذه المقولة بشكلٍ صحيحٍ، يجب أن ننظر إلى الظروف التاريخيَّة التي نظر إليها المؤلِّف، وأن نقرأ كلام صاحبها كاملاً دون نقصٍ، فاجتزاء الكلام يشوّه معانيه ويقود إلى تأويلاتٍ مغلوطةٍ.

فنقول: إنَّ المراد من هذه العبارة ـ كما يظهر من كلمات بعض العلماء ـ هو أنَّ كثيراً من روايات الأئمَّة عليهم السلام كانت تصدر ضمن فضاءٍ اجتماعيٍّ وفقهيٍّ كانت تهيمن عليه المدرسة الفقهيَّة السنّيَّة بوصفها الفقه الرسميّ والحاكم في المجتمع الإسلاميّ آنذاك؛ ولذلك فإنَّ فهم هذه الروايات فهماً دقيقاً يقتضي أحياناً ملاحظة فتاوى فقه العامَّة والاتّجاهات الفقهيَّة السائدة زمن صدور النصّ؛ فإنَّ لهذه المعرفة آثاراً مهمَّةً في عمليَّة الفهم والاستنباط، من قبيل تشخيص ما صدر على سبيل التقيَّة أو التورية، وفهم أجواء صدور الرواية وملابساتها، وتمييز ما إذا كانت الرواية واردةً في مقام بيان الحكم الواقعيّ وتشريعه، أو في مقام دفع توهّم الإلزام، أو مجاراة السائل، أو معالجة ظرفٍ خاصٍّ، ونحو ذلك من القرائن التي تؤثّر في تحديد مدلول الرواية وحدود دلالتها.

وعليه، فالمراد ليس أنَّ الفقه الإماميّ فرعٌ عن الفقه السنّيّ أو تابعٌ له، بل إنَّ بعض طبقاته الروائيَّة والجدليَّة لا تُفهم بدقَّةٍ إلَّا بعد معرفة الطرف المقابل الذي كانت الروايات ناظرةً إليه، وهذا نظير أيّ خطابٍ حواريٍّ أو جدليٍّ لا يمكن فهمه بمعزلٍ عن معرفة السياق الذي وُلد فيه.

وهذا المعنى يتّضح بصورةٍ أكبر عند الالتفات إلى المرحلة العلميَّة التي ينظر إليها مؤلِّف هذه المقولة، وهي المرحلة التي عاشها الشيخ الطوسيّ، ففي مدرسة بغداد، وتحت ظلّ الحكم البويهيّ، برز فنّ «الفقه المقارن» أو «فقه الخلاف» بوصفه ضرورةً علميَّةً واجتماعيَّةً فرضها واقع التعدّد المذهبيّ والاحتكاك الفقهيّ المباشر.

وفي هذا الإطار، جاءت مصنَّفاتٌ من قبيل الانتصار للسيِّد المرتضى، والخلاف للشيخ الطوسيّ، وهي كتبٌ لم يكن هدفها مجرَّد عرض الأحكام، بل بيان انفرادات الإماميَّة وإبراز تمايز منهجهم الفقهيّ في مواجهة المذاهب الأخرى. ولتحقيق هذا الغرض، كان لا بدَّ للفقيه الإماميّ من اعتماد تبويبٍ موحَّدٍ يسمح بعرض آراء المذاهب الأخرى أوَّلاً، ثمَّ إيراد رأي أهل البيت عليهم السلام في الموضع نفسه، بما يسهّل المقارنة ويُحكم الاستدلال.

وقد أكَّد المؤلِّف هذه الحقيقة بوضوحٍ؛ حيث بيَّن أنَّ الفقه السنّيّ كان فقه الدولة والفقه الحاكم على الساحة العامَّة، الأمر الذي فرض حضوره بوصفه الإطار الفقهيّ السائد، ولم يكن أمام الفقهاء الشيعة، في هذا الواقع، إلَّا أنْ يأخذوا هذا الفقه بعين الاعتبار، مع التزامهم باتّخاذ المواقف الفقهيَّة المنسجمة مع الأصول والمباني الإماميَّة في الوسط الذي كانوا يعيشون فيه؛ إذ إنَّ التعايش المذهبيّ كان واقعاً مفروضاً لا مناص منه. [ينظر: فقه أهل البيت ج13 ص183-185].

ويؤيّد هذا التحليل ما ذكره الشيخ الطوسيّ في بيان سبب تأليفه كتاب المبسوط؛ إذ كشف هناك عن السياق العلميّ والجدليّ الذي كان يعيشه الفقه الإماميّ في بغداد، فقد أشار إلى أنَّه كان يسمع من فقهاء المخالفين، ومن المتفقّهين المنتسبين إلى علم الفروع، استصغارَهم لفقه الإماميَّة، ونسبتَهم إيّاه إلى قلَّة الفروع والمسائل، واتهامَهم بأنَّهم أهل حشوٍ ونقلٍ، لا يملكون القدرة على التفريع وبناء المسائل، بزعم أنَّ نفي القياس والاجتهاد يسدّ باب التوسّع الفقهيّ.

وقد ردَّ الشيخ الطوسيّ على هذه الدعوى بردٍّ منهجيٍّ وقال: (إنَّ هذا الاتّهام ناشئٌ عن الجهل بمذاهب الإماميَّة وقلَّة التأمّل في أصولهم؛ إذ إنَّ جلَّ ما يذكره فقهاء العامَّة من مسائل موجودٌ في أخبار أهل البيت عليهم السلام، إمَّا نصّاً صريحاً، أو عموماً، أو تلويحاً، وبيَّن في هذا السياق أنَّ كثرة الفروع في كتب العامَّة إنَّما نشأت في كثيرٍ من الأحيان من تركيب المسائل بعضها على بعضٍ، وتعليقها، والتدقيق الصناعيّ فيها، حتَّى غدت بعض المسائل الواضحة مسائلَ دقيقةً بفعل الصياغة الفنيَّة، لا لتعقيدٍ حقيقيٍّ في مضمونها). [المبسوط ج1 ص2-3].

وعليه فإنَّ ما قدَّمه الشيخ الطوسيّ يكشف:

أوَّلاً: أنَّ منهجه وغرضه كان أوَّلاً وبالذات هو الردّ والمحاجَّة، ثمَّ بيان الأحكام؛ ومن الطبيعيّ في المصنَّفات ذات الطابع الجداليّ أن يتوقَّف فهمها العميق على فهم آراء الخصم للوقوف على أبعاد الردّ والاستدلال.

وثانياً: أنَّ التوسّع في التفريعات الفقهيَّة لدى الإماميَّة لم يكن نابعاً بالضرورة من الابتلاء العمليّ بتلك المسائل آنذاك، بقدر ما كان استجابةً لضرورة الردّ على الخصوم ودفع اتّهاماتهم، وهو ما صار سبباً غير مباشرٍ لتطوّرٍ لافتٍ في آفاق فقه أهل البيت وتوسيع دائرة فروعه؛ إذ لولا هذا السياق الجدليّ، ربَّما لما وجد الفقيه الإماميّ أو المكلَّف في تلك المرحلة حاجةً ملحَّةً لكلّ هذا التراكم في التفريعات الدقيقة، فمن هذه الجهة هو سببٌ لتطوّر الفقه الإماميّ، وهذا هو مراد صاحب المقولة.