هل كانت البتراء هي مكة الحقيقية أم مجرد فرضية بلا دليل؟
السؤال: كتاب "جغرافية القرآن" (Qur’anic Geography) للباحث الكندي دان جيبسون (Dan Gibson) عملٌ مثيرٌ للجدل يطرح فرضيّاتٍ تعيد النظر في التاريخ الإسلاميّ المبكر والجغرافيا المرتبطة بنشأة الإسلام. يقول فيه إنّ "البتراء هي مكة الأصليّة"، وإنّها المكان الحقيقيّ الذي وُلد فيه النبيّ محمّد وبدأ فيه الإسلام، وليست مكة المكرّمة في تهامة (السعوديّة). ويدّعي الكاتب أنّ "البيت الحرام" والمسجد الأقصى المذكورين في بدايات الإسلام كانا في الشمال. ويورد أدلّة عن "القبلة" من الجانب الهندسيّ، حيث اعتمد جيبسون في كتابه على دراسة اتجاهات محاريب المساجد القديمة التي بُنيت في القرن الأوّل والثاني الهجريّ، ويزعم من خلال مسوحاته أنّ: المساجد الأقدم: تتجه محاريبها نحو مدينة البتراء بدقّة عالية. المساجد اللاحقة: بدأت تظهر محاريب تتجه نحو "نقطة وسيطة" بين البتراء ومكة. المرحلة الأخيرة: تم اعتماد مكة المكرّمة قبلةً نهائيّةً لاحقاً (في العصر العباسيّ حسب ادّعائه). وذكر كلاماً عن الوصف الجغرافيّ والزراعيّ، حيث يجادل جيبسون بأنّ الأوصاف الواردة في القرآن والسيرة للأرض التي عاش فيها قوم عادٍ وثمود، وكذلك طبيعة الأرض الزراعيّة (من أعنابٍ وزروعٍ وزيتونٍ)، تتناسب جغرافيّاً ومناخيّاً مع منطقة شمال الجزيرة العربيّة (الأردن وجنوب الشام) أكثر من طبيعة مكة الجافّة والصخريّة. وذكر المؤلّف أنّ صراعاً سياسيّاً (بين الزبيريّين والأمويّين) أدّى إلى تدمير مكة الشماليّة (البتراء)، مما استدعى نقل الحجر الأسود ومركزية العبادة إلى الموقع الحاليّ في مكة المكرّمة بعيداً عن جيوش الأمويّين، ومع مرور الزمن طُمست معالم القصة الأصليّة.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
قبل الدخول في التفاصيل، ينبغي ضبط المنهج: ما طرحه «دان جيبسون» ليس اكتشافاً مبنيّاً على أدلّةٍ قاطعةٍ، بل فرضيّةٌ كبيرةٌ أُنشئت أولاً، ثم جُمعت لها شواهد جزئيّة قابلة للتأويل والنقض. وهذه قاعدة معروفة: الدعوى الاستثنائيّة التي تنقض تاريخاً مستقراً تحتاج أدلّةً استثنائيّةً قاطعةً ومتعدّدة المصادر، لا قراءاتٍ انتقائيّةٍ أو استحسانات. وكل ما يقدّمه جيبسون – عند الفحص – لا يرقى إلى هذا المستوى.
أوّلاً: دليل «المحاريب» الذي بُنيت عليه الفرضيّة لا يقوم على أساسٍ حسيٍّ متينٍ، فالحديث عن أنّ المساجد الأولى كانت تتجه إلى البتراء لا يستند إلى قياساتٍ أثريّةٍ دقيقةٍ متفقٍ عليها، بل إلى إسقاطاتٍ نظريّةٍ على اتجاهاتٍ تقريبيّة.
فأين هي المساجد الموثّقة بقياساتٍ أثريّةٍ دقيقةٍ تثبت أنّها كانت متجهة إلى البتراء تحديداً؟ لا توجد أدلّة حسّيّة واضحة بهذا المستوى، بل مجرّد قراءاتٍ قابلةٍ للنقاش. وبالتالي، تحويل هذا المعطى غير الدقيق إلى برهانٍ على تغيير جغرافيا الإسلام هو قفزةٌ غير علميّة.
وثانياً: الاستدلال بالأوصاف الزراعيّة (أعناب، زيتون، زروع) لإثبات أنّ مكة كانت في الشمال يقوم على خلطٍ صريحٍ بين مواضع مختلفةٍ في القرآن، فهذه الأوصاف وردت في سياق الحديث عن أقوامٍ وأراضٍ أخرى، لا عن مكة. أمّا مكة نفسها فقد وُصفت بدقّة: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ}، وهو وصفٌ ينطبق تماماً على موقعها الحاليّ، لا على البتراء.
وثالثاً: دعوى «نقل مكة» سياسيّاً غير قابلةٍ للتصديق تاريخيّاً، فالقول بأنّ صراعاً سياسيّاً أدّى إلى نقل مركز العبادة من البتراء إلى مكة الحاليّة يواجه إشكالاً حاسماً:
كيف يمكن نقل موقعٍ مقدّسٍ بهذه المركزيّة (الكعبة، الحجّ، القبلة) دون أن تترك هذه العمليّة أثراً واضحاً في المصادر التاريخيّة الإسلاميّة أو غير الإسلاميّة؟
لا توجد روايةٌ واحدة بأيّ طريقٍ كانت تتحدث عن انتقالٍ جغرافيٍّ للكعبة، ولا عن نقل الحجر الأسود من شمال الجزيرة إلى جنوبها. كما أنّ الأحداث المرتبطة بـ (عبد الله بن الزبير) جرت في مكة المعروفة، لا في موقعٍ آخر. فالفكرة هنا ليست مجرّد فرضيّةٍ ضعيفةٍ، بل تتطلّب افتراض صمتٍ تاريخيٍّ كاملٍ على حدثٍ ضخمٍ، وهو أمرٌ غير معقول.
ورابعاً: يحاول جيبسون في كتابه نفي أن تكون مكة طريقاً تجاريّاً، وكل ما اعتمد عليه هو تحليلاتٌ اجتهاديّةٌ وانتقائيّة، لا أدلّة تاريخيّة حاسمة. بينما المصادر القديمة – الإسلاميّة وغيرها – تشير إلى وجود شبكة طرق تجاريّة تمرّ بالحجاز، وكانت مكة جزءاً منها، حتى لو لم تكن المركز الأكبر. فإنكار هذا كلّه بناءً على إعادة قراءةٍ جزئيّة لا يرقى إلى مستوى نقض المعطيات المتراكمة.
وخامساً: تجاهل التراكم التاريخيّ المتواتر لموقع مكة، فموقع مكة ليس مسألة نظريّة، بل حقيقة تاريخيّة نُقلت بالتواتر العمليّ: الحجّ المستمرّ، طرق القوافل، الروايات المتصلة، الوعي الجغرافيّ لدى المسلمين وغيرهم. فهل يمكن أن يخطئ الجميع عبر القرون، ثم يُكتشف الخطأ اليوم من خلال تحليل اتجاه بعض الأبنية؟
وبجمع هذه العناصر، يتّضح أن الخلل ليس في تفصيلٍ هنا أو هناك، بل في المنهج نفسه. فقد وُضعت فرضيّةٌ مسبقةٌ: (البتراء هي مكة)، ثم جرى التعامل مع الأدلة على أساسها؛ فتم تأويل بعض القرائن لتوافقها، وتضخيم معطيات جزئيّة لا تحتمل هذا الوزن، مقابل إهمال المعطيات الكبرى الحاسمة كالتواتر التاريخيّ. وهذا يكشف أن المسار لم يكن بحثاً يقود إلى نتيجة، بل نتيجةً جاهزةً يُعاد تشكيل الشواهد لخدمتها.
وفي المحصّلة، ما طرحه جيبسون لا يرقى إلى أن يكون نظريّةً علميّةً متماسكةً، فضلاً عن أن يكون بديلاً عن التاريخ المعروف. بل هو مجموعة افتراضاتٍ جزئيّةٍ قابلةٍ للنقض، جُمعت لتدعم تصوّراً مسبقاً. ومع غياب الأدلة الحسيّة القاطعة، والتعارض مع النصوص الصريحة، والانقطاع عن التراكم التاريخيّ، يبقى هذا الطرح أقرب إلى «إثارة الجدل» منه إلى البحث العلميّ الرصين.
اترك تعليق