هل يتوقف صدق الدعاء على إثبات جهة لله تعالى؟
السؤال: ابن تيميَّة في كتابه بيان تلبيس الجهميَّة يربط بين نفي علوّ الله على خلقه (كما عند الشيعة والمعطِّلة المتأثِّرين بالفلسفة) وبين ضعف الدعاء لله وعدم الشعور بلذَّة التضرُّع إليه، بل والانحراف إلى دعاء غير الله. الفطرة السليمة تجعل الإنسان عندما يدعو الله يتوجَّه بقلبه إلى العلوّ (السماء قبلة الدعاء)، فيشعر أنَّه يخاطب ربّاً يراه ويسمع دعاءه من فوق، فيجد لذَّةً عظيمةً في التضرُّع والإنابة. أمَّا من أنكر علوّ الله وفسدت فطرته بالتعطيل والفلسفة، فلا يجد هذه اللذَّة، ولا يحقِّق حقيقة الدعاء لله كـ"أحدٍ صمدٍ"، فيؤدِّي ذلك إلى الإعراض عن دعائه مخلصاً، والانحلال عن عبادته، وغالباً إلى الاستغاثة بغير الله (كدعاء الحسين أو البدويّ أو الأضرحة).
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
أوَّل ما ينبغي التنبيه عليه أنَّ الربط بين «إثبات العلوّ» و«حضور لذَّة الدعاء» هو ربطٌ نفسيٌّ إنشائيٌّ، لا دليل عليه من القرآن ولا من التجربة الإنسانيَّة العامَّة. فالدعاء في حقيقته ليس علاقةً مكانيَّةً حتَّى يُقاس باتجاهٍ حسّيٍّ، بل هو علاقةٌ وجوديَّةٌ بين العبد وربِّه، قائمةٌ على العلم الإلهيّ والإحاطة والسمع. القرآن نفسه يؤسِّس لهذه الحقيقة حين يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، فجعل القرب هو الأساس في تجربة الدعاء، لا «الفوقيَّة» بمعناها الحسّيّ.
ثمَّ إنَّ تحويل «السماء» إلى «قبلةٍ للدعاء» هو تعبيرٌ مجازيٌّ عن التعظيم والتوجُّه، لا تقريرٌ لعقيدةٍ مكانيَّةٍ. فالإنسان يرفع يديه إلى الأعلى كما يضع جبهته على الأرض في السجود، وكلا الفعلين رمزٌ تعبديٌّ لا يُفهم منهما أنَّ الله في جهةٍ بالمعنى الحسّيّ.
ولو كان مجرَّد الاتجاه كافياً لتحديد العقيدة: لكان الساجد أقرب إلى القول بأنَّ الله «في الأسفل»؛ لأنَّه يتَّجه إليه بجبهته، وهذا باطلٌ بالضرورة، فالمسألة إذاً ليست في أين يتَّجه الجسد، بل في كيف يحضر القلب.
وهنا تتَّضح دلالة ما ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) حين سُئل: ما بالكم إذا دعوتم رفعتم أيديكم إلى السماء؟ فقال: «إنَّ الله استعبد خلقه بضروبٍ من العبادة.. واستعبد خلقه عند الدعاء والطلب والتضرُّع ببسط الأيدي ورفعهما إلى السماء لحال الاستكانة وعلامة العبوديَّة والتذلُّل له» [الاحتجاج ج2 ص187]، فهي تفسِّر هذا الفعل بوصفه علامة عبوديَّةٍ وهيئة تضرُّعٍ، لا بياناً لموضعٍ إلهيٍّ في جهةٍ مخصوصةٍ.
والأهمّ من ذلك أنَّ الدعوى القائلة بأنَّ من لا يثبت العلوّ الحسّيّ «لا يجد لذَّة الدعاء»، دعوى تُكذِّبها الوقائع التاريخيَّة والروحيَّة. فمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) - التي تُنسب إليها هذه التهمة - هي من أغزر المدارس في تراث الدعاء والتضرُّع، وفيها نصوصٌ تُعدّ من أعمق ما كُتب في التجربة الروحيَّة، كأدعية الإمام عليٍّ والإمام زين العابدين (عليهما السلام)، حيث يبلغ التوجُّه إلى الله أقصى درجات الحضور والخشوع والانكسار.
فهل يُعقل أنَّ مدرسةً أنتجت هذا العمق في المناجاة يُقال عنها إنَّها «تفقد لذَّة الدعاء»؟ هذا تناقضٌ ظاهرٌ يكشف أنَّ المعيار المطروح ليس معياراً حقيقيّاً، بل افتراضٌ مسبقٌ يُراد إسقاطه على الواقع.
ثمَّ إنَّ الربط بين «نفي العلوّ» و«الانحراف إلى دعاء غير الله»، هو قفزةٌ غير مبرَّرةٍ من مسألةٍ عقديَّةٍ إلى حكمٍ سلوكيٍّ. فمسألة التوسُّل أو الاستغاثة -بصرف النظر عن الموقف منها - لها نقاشها الخاصّ في فهم معنى الدعاء والوساطة، ولا يمكن اختزالها في سببٍ واحدٍ هو «نفي العلوّ»؛ وإلَّا لكان كلّ من يثبت العلوّ منزَّهاً بالضرورة عن كلّ صور الشرك، وهذا غير صحيحٍ تاريخيّاً ولا واقعيّاً، إذ وُجد في مختلف البيئات من يمارس أنماطاً من التعلُّق بغير الله رغم تبنِّيه لهذا التصوُّر.
والأدقّ من ذلك أنَّ هذا الطرح يقوم على خلطٍ بين مستويين: مستوى «التصوُّر العقديّ»، ومستوى «التجربة النفسيَّة». فحتَّى لو افترضنا - جدلاً - أنَّ تصوُّراً معيَّناً يعطي بعض الناس إحساساً أقوى بالقرب، فهذا لا يجعله هو الحقّ في ذاته؛ لأنَّ معيار الحقّ في العقيدة هو الدليل، لا الأثر النفسيّ. وإلَّا لكان كلّ من وجد طمأنينةً في تصوُّرٍ ما مصيباً فيه، وهذا يفتح الباب لتصويب كلّ المعتقدات المتناقضة.
كما أنَّ وصف من يخالف هذا التصوُّر بأنَّ «فطرته فسدت بالفلسفة» هو حكمٌ مسبقٌ يتجاهل أنَّ كثيراً من علماء المسلمين الذين نفوا الجهة والمكان عن الله إنَّما انطلقوا من تعظيم التنزيه، لا من تعطيل الصفات، فهم رأوا أنَّ إثبات المكان يقتضي الحدّ، والحدّ ينافي الإطلاق الإلهيّ، فاختاروا تنزيه الله عن الجهة لا إنكاراً لعلوِّه، بل فهماً للعلوّ على أنَّه علوّ شأنٍ وقدرةٍ لا علوّ مكانٍ. فالمسألة هنا اجتهادٌ في فهم النصوص، لا انحرافٌ عن الفطرة.
وفي المحصِّلة، أنَّ هذا الادِّعاء يقوم على ثلاث مغالطاتٍ رئيسيَّةٍ:
أوَّلها: تحويل تجربةٍ نفسيَّةٍ جزئيَّةٍ إلى معيارٍ عقديٍّ عامٍّ.
وثانيها: الخلط بين الرمز التعبُّديّ والحقيقة المكانيَّة.
وثالثها: القفز من الخلاف العقديّ إلى الحكم على السلوك الدينيّ.
وعند تفكيك هذه المغالطات يتبيَّن أنَّ الدعاء في الإسلام أعمق من أن يُختزل في اتجاهٍ مكانيٍّ، وأنَّ لذَّته لا تنبع من تصوُّر «أين الله»، بل من حضور «من هو الله» في قلب الداعي، بوصفه القريب، السميع، المجيب، الذي لا يحجبه مكانٌ ولا تحدُّه جهةٌ.
اترك تعليق