هل يتعارض خلق الإنسان من علق مع روايات خلق أهل البيت (ع) من نور؟
السؤال: الله خلق الإنسان من علقٍ، ولم يخلق فاطمة وعليَّاً والحسن والحسين من نورٍ على شكل قناديل معلَّقةٍ في سقفٍ كما يزعم الشيعة! هل هناك تعارضٌ بين قوله تعالى وخلقنا الإنسان من علقٍ والروايات عن خلق أهل البيت (عليهم السلام) من نورٍ؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذه الشبهة تقوم أساساً على الخلط بين مستويين مختلفين: مستوى الخلق المادِّيِّ البشريِّ، ومستوى الحقيقة النورِيَّة أو المقام المعنويِّ الذي تتحدَّث عنه بعض الروايات.
فالقرآن عندما يقول: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: 2]، أو ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات: 11]، أو ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [غافر: 67]، فهو يتحدَّث عن النشأة الجسدِيَّة لِلإنسان في هذا العالم المادِّيِّ، أي عن أصل بدنه وتكوينه البيولوجيِّ.
وهذا الحكم يشمل جميع البشر بلا استثناءٍ، من آدم (عليه السلام) إلى خاتم الأنبياء محمَّدٍ (صلى الله عليه وآله)، ومن فاطمة وعليٍّ والحسن والحسين (عليهم السلام) إلى سائر الناس، فلم يقل أحدٌ من علماء الشيعة إنَّ أجساد أهل البيت (عليهم السلام) لم تمرَّ بالمراحل الطبيعِيَّة لِلخلق والتولُّد والحمل والولادة.
أمّا الروايات التي تتحدَّث عن أنَّهم خُلقوا من نورٍ، فهي تتحدَّث عن جهةٍ أخرى مختلفةٍ تماماً، وهي الجهة المعنوِيَّة أو الحقيقة الملكوتِيَّة أو المقام الروحيُّ الذي اصطفاهم الله به قبل وجودهم الدنيويِّ.
ولذلك لا يوجد أيُّ تناقضٍ بين أنْ يكون الإنسان جسداً مخلوقاً من طينٍ أو علقٍ، وبين أنْ تكون له حقيقةٌ نورانِيَّةٌ أو روحانِيَّةٌ خاصَّةٌ.
ولتقريب الفكرة، فإنَّ القرآن نفسه يصف الإنسان بأنَّه خُلق من ترابٍ، ثمَّ يصفه بأنَّه نُفخ فيه من روح الله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: 29]. فهل يوجد تناقضٌ بين كونه مخلوقاً من ترابٍ وبين ارتباطه بالروح؟ لا أحدٌ يقول بذلك؛ لأنَّ التراب يتحدَّث عن جانبٍ، والروح تتحدَّث عن جانبٍ آخر. كما أنَّ القرآن وصف المؤمنين بأنَّ لهم نوراً يسعى بين أيديهم، ومن الواضح أنَّ المقصود ليس النور الفيزيائيُّ المعروف، بل مقام الهداية والقرب الإلهيِّ.
ثمَّ إنَّ الروايات التي تتحدَّث عن خلق النَّبِيِّ وأهل بيته من نورٍ لا تقول إنَّهم كانوا «قناديل معلَّقةً في السقف» بالمعنى الحرفيِّ الذي يصوِّره صاحب الشبهة، فالروايات تتحدَّث عن وجودٍ غيبيٍّ ونورانيٍّ سابقٍ على النشأة الدنيوِيَّة، لا عن أجسامٍ بشرِيَّةٍ أو مصابيح مادِّيَّةٍ معلَّقةٍ في مكانٍ من أمكنة هذا العالم؛ ولذلك فإنَّ الاعتراض ناشئٌ من إسقاط مفاهيم العالم المادِّيِّ على موضوعٍ تتحدَّث الروايات عنه بوصفه من شؤون عالم الغيب، لا من شؤون العالم المحسوس.
وفي المحصِّلة، لا يوجد أيُّ تعارضٍ منطقيٍّ بين قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ وبين الروايات التي تتحدَّث عن خلق النَّبِيِّ وأهل بيته (عليهم السلام) من نورٍ؛ لأنَّ الأولى تتحدَّث عن كيفِيَّة نشأة الإنسان المادِّيَّة في الدنيا، والثانية تتحدَّث عن مقامه الروحيِّ أو حقيقته النورانِيَّة. والجمع بين الأمرين ليس أمراً خاصّاً بأهل البيت، بل هو منسجمٌ مع الرؤية القرآنِيَّة نفسها التي تميِّز دائماً بين البعد المادِّيِّ والبعد الروحيِّ لِلإنسان.
أما النقاش الآخر فهو: هل هذه الروايات صحيحة السند والدلالة؟ وكيف تُفهم على وجه الدقَّة؟ فهذا بحثٌ مستقلٌّ تماماً، لكنَّه لا علاقة له بدعوى التعارض مع آيات خلق الإنسان من علقٍ؛ لأنَّ التعارض المزعوم غير موجودٍ من الأساس.
اترك تعليق