ما معنى موالاة الكفار؟

السؤال: ما معنى تحريم موالاة الكفَّار؟ وهل يمكن تفعيلها في عصرنا الحاضر؟ وهل من الممكن معرفة أبرز تجلِّياتها لنحذر من موالاتهم. هل مثلاً السفر إلى بلادهم، والإقامة بينهم، هو موالاةٌ لهم؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

يكثر الاضطراب في فهم «موالاة الكفَّار»؛ إذ يظنُّها بعضهم شاملةً لكلِّ تعاملٍ مع غير المسلم، بينما يراها آخرون مفهوماً تاريخيّاً انتهى، وكلا الفهمين غير صحيحٍ.

فالموالاة المنهيُّ عنها ليست مجرد العلاقة الإنسانيَّة أو المعاملة اليوميَّة، وإنَّما هي اتِّخاذ غير المؤمن أو الجهة المعادية مرجعاً للنصرة والانتماء والطاعة، بحيث يربط المسلم مصيره وموقفه ومصالحه بهم على حساب دينه وأمَّته، أو يقف معهم ضدَّ المؤمنين، أو يرضى بعقيدتهم وباطلهم، أو يعينهم على ظلم المسلمين ومحاربتهم.

فالولاية في أصل معناها تدور حول القرب والنصرة والاتِّباع وتداخل المصير، وليست مرادفةً لكلِّ معرفةٍ أو مودَّةٍ طبيعيَّةٍ أو تعاملٍ دنيويٍّ. ومن هنا قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: 28].

والتعبير المهمُّ في الآية هو قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي أن يجعل الإنسان ولاءه واعتماده ونصرته للطرف الآخر على حساب المؤمنين، لا أنَّ مجرد كلِّ تعاملٍ مع غير المسلم محرَّمٌ.

وقال تعالى في وصف المنافقين: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 139].

فالآية تكشف أحد دوافع الموالاة، وهو أن ينبهر الإنسان بقوَّة الطرف الآخر، فيطلب العزَّة والقبول والحماية منه، ولو كان ثمن ذلك التخلِّي عن دينه أو أمَّته، أو الوقوف مع الظالم على المظلوم.

وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51].

وليس معنى الآية تحريم كلِّ معاملةٍ أو علاقةٍ إنسانيَّةٍ مع كلِّ يهوديٍّ أو مسيحيٍّ؛ لأنَّ القرآن نفسه صرَّح بجواز البرِّ والعدل مع غير المحاربين، وإنَّما الممنوع هو إدخالهم في موقع الولاية والنصرة والمرجعيَّة التي تجعل المسلم جزءاً من جبهتهم في مواجهة المؤمنين أو دينهم.

أمَّا المعاملة الحسنة مع غير المؤمن المسالم، فقد حسم القرآن هذه المسألة، فقال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].

فالقرآن لم يكتفِ بإباحة التعامل مع غير المحارب، بل أجاز «البرَّ» به، وهو أبلغ من مجرد العدل، وأمر بالقسط معه.

ثمَّ قال بعدها مباشرةً: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: 9].

فالآيتان ترسمان الحدَّ الفاصل بوضوحٍ: غير المحارب يعامل بالبرِّ والعدل، أمَّا المعتدي الذي يحارب الناس في دينهم، ويخرجهم من أرضهم، ويساند العدوان عليهم، فلا يجوز اتِّخاذه وليّاً ونصيراً ومرجعاً على حساب أهل الحقِّ.

بل إنَّ القرآن أوجب العدل حتَّى مع العدوِّ، فقال: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

فليس من الإسلام أن يُظلم غير المسلم، أو تُخان أمانته، أو يُعتدى على ماله، بحجَّة البراءة من عقيدته؛ لأنَّ رفض عقيدة الإنسان لا يبيح ظلم شخصه.

ومن هنا يتَّضح أنَّ الإسلام يفرِّق بين أمرين: البراءة من الكفر والظلم والعدوان، وهذه مسألةٌ عقائديَّةٌ وأخلاقيَّةٌ. والعدل والإحسان وحفظ الحقوق، وهذه واجباتٌ إنسانيَّةٌ وشرعيَّةٌ لا تسقط بسبب اختلاف الدين.

وعليه، فإنَّ المحرَّم هو إعانة الكافر على المؤمن، كأن يمدَّه بالسلاح أو المال أو المعلومات، أو يفشي إليه أسرار المسلمين، أو يبرِّر عدوانه، أو يطلب عنده العزَّة والقبول، ولو كان ذلك على حساب الدين؛ كمن يخجل من إسلامه، ويتبرَّأ من قيمه، ويطعن في أهله، ويتبنَّى خطاب خصومه طمعاً في رضاهم أو في منصبٍ عندهم. وهذا هو المعنى الذي حذَّرت منه الآية: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾. ويضاف إلى ذلك تقديم مصالح القوى المعادية على مصالح الأمَّة، كأن يتمنَّى الإنسان انتصار المعتدي على أبناء أمَّته، أو يدافع عن احتلاله، أو يمدَّه بما يقوِّي عدوانه، لا دفعاً لظلمٍ أو طلباً لعدالةٍ، وإنَّما تبعيَّةً له واصطفافاً معه.

ولا يلزم أن تكون كلُّ هذه الصور في مرتبةٍ واحدةٍ؛ فبعضها قد يبلغ حدَّ الخيانة أو الإعانة على العدوان، وبعضها يكون معصيةً، وبعضها انحرافاً في الوعي والانتماء. وتحديد الحكم التفصيليِّ في الواقعة المعيَّنة يرجع فيه إلى الفقيه الجامع للشرائط.

أمَّا الموالاة غير المحرَّمة، فمثل: التجارة المشروعة مع غير المسلمين، والعمل معهم، والدراسة عندهم، والاستفادة من علومهم وتجاربهم، وعلاجهم أو العلاج عندهم، وإكرام الجار، ومساعدة المحتاج، والوفاء بالعقود، والحوار، والدعوة إلى الله بالحكمة، والتعاون على مصلحةٍ إنسانيَّةٍ مشروعةٍ.

كما لا تُعدُّ الصداقة الاجتماعيَّة الطبيعيَّة، ما دامت لا تستلزم الرضا بالكفر، أو التأثُّر المحرَّم، أو نصرة الباطل، أو تقديم غير المسلم على أهل الحقِّ في موضع الصراع بين الحقِّ والباطل.

وقد عاش المسلمون في مجتمعاتٍ متعدِّدةٍ، وعقد النبيُّ (صلى الله عليه وآله) المواثيق، وتبادل المسلمون التجارة والمنافع مع غير المسلمين. فالمنهيُّ عنه ليس التواصل، وإنَّما التبعيَّة؛ وليس التعاون، وإنَّما الانحياز للباطل؛ وليس الإحسان إلى المخالف، وإنَّما نصرته على الحقِّ.

وعليه، فالإقامة في الغرب أو الشرق لا تجعل الإنسان موالياً للكفَّار تلقائيّاً. قد يعيش مسلمٌ في بلدٍ غير مسلمٍ، وهو متمسِّكٌ بدينه، نافعٌ لأهله، مدافعٌ عن قضايا أمَّته، بينما يعيش آخر في بلدٍ مسلمٍ، وقلبه وعمله وتوجُّهه كلُّه في خدمة أعداء الأمَّة. فالعبرة ليست بالجغرافيا وحدها، وإنَّما بموقع الإنسان العقائديِّ والأخلاقيِّ والعمليِّ.

نعم، إذا كانت الإقامة تؤدِّي فعلاً إلى ضياع الدين، أو تربية الأولاد على الانحلال، أو العجز عن أداء الواجبات، أو الوقوع المستمرِّ في المحرَّمات، فإنَّ المشكلة حينئذٍ في تعريض النفس والأسرة للانحراف. ولهذا أُكِّد على المسلم المقيم في المجتمعات غير الإسلاميَّة أن يصنع لنفسه ولأسرته بيئةً دينيَّةً تحفظ الإيمان والأخلاق.

وفي المحصِّلة، فإنَّ تحريم موالاة الكفَّار لا يعني تحريم التعايش أو التعامل أو السفر أو البرِّ بالمسالمين، وإنَّما يعني أن لا يجعل المسلم نفسه جزءاً من جبهة الباطل ضدَّ الحقِّ، ولا أداةً بيد المعتدي ضدَّ أمَّته، ولا تابعاً لمن يريد إذلال دينه وتفكيك مجتمعه