هل كانت أرض كربلاء مستوطنة أيام الطف؟
السؤال: هل كانت أرض كربلاء مُستوطنةً أيام وقوع حادثة الطف أو أيام النبيّ وأهل البيت (عليهم السلام)؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
في البداية، لا بأس أنْ يُعلم أنَّ اسم مدينة كربلاء اسمٌ ضاربٌ في القِدم، ولم يكن حادثاً بعد واقعة الطف، بل كان معروفاً قبلها بمدَّةٍ طويلةٍ. فقد ورد عند الفريقين أنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله) أخبر بمقتل الإمام الحسين (عليه السلام) في أرض كربلاء، وكان عنده شيءٌ من ترابها، وهو تراب القارورة التي بقيت عند السيدة أمِّ سلمة (رضوان الله عليها). وكذلك ورد ذكر كربلاء في كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما توجَّه لقتال معاوية في صفِّين. ومن مجموع هذه الشواهد يتَّضح أنَّ اسم كربلاء كان معروفاً ومتداولاً بين المسلمين منذ الصدر الأوَّل، كما هو واضحٌ.
إذا بان هذا، فنقول:
المستفاد من مجموع ما كتب عن تاريخ أرض كربلاء: أنَّ هناك لفيفاً من سكَّان القرى المجاورة قبل حادثة الطف الأليمة كما يُستفاد من تفسير كلمة (كور بابل) بقرى كربلاء، مما يعني وجود عدَّة قرىً ساكنةٍ آنذاك، وكذلك مما ورد من شراء الإمام الحسين (عليه السلام) لبعض الأراضي من السكَّان القاطنين هناك، وكذلك ما ورد من موقف بني أسدٍ حين دفن الأجساد الشريفة بعد واقعة الطف، وغيرها من الإشارات الدالَّة على وجود السكَّان آنذاك.
ولا بأس بذكر بعض الشواهد على ذلك، تأكيداً لما قلنا من وجود بعض القرى والسكَّان آنذاك، فنقول:
1ـ كربلاء، بمعنى كور بابل:
قال السيد هبة الدين الحسينيّ الشهرستانيّ: (إنَّ كربلاء منحوتةٌ من كلمة «كور بابل» العربية، بمعنى مجموعة قرىً بابليةٍ، منها نينوى القريبة من أراضي سدَّة الهندية، ثمَّ الغاضرية، وتسمَّى اليوم أراضي الحسينية، ثمَّ كربله بتفخيم اللام بعدها هاءٌ، وتقرب اليوم من مدينة كربلاء جنوباً وشرقاً، ثمَّ كربلاء أو عقر بابل، وهي قريةٌ في الشمال الغربي من الغاضريات، وبأطلالها أثرياتٌ مهمَّةٌ. ثمَّ النواويس، وكانت مقبرةً عامَّةً قبل الفتح الإسلاميّ. ثمَّ الحائر، رواقُ بقعته المشرَّفة، أو إلى حدود الصحن الشريف) [نهضة الحسين ص83].
وقال الدكتور لبيب بيضون: (أمَّا «كور بابل» فيضم مجموعة القرى التالية... الغاضرية: قريةٌ منسوبةٌ إلى بني غاضرة من بني أسدٍ، الذين قد اشترى منهم الحسين (عليه السلام) أرض كربلاء، وهي الأرض المنبسطة التي كانت مزرعةً لبني أسدٍ، شمالي الهيابي، وتعرف بأراضي الحسينية. وقد نزلها بنو أسدٍ بعد اختطاط الكوفة ونزول القبائل المضريَّة واليمانية) [موسوعة كربلاء ج1 ص601ـ602].
2ـ شراء الإمام (عليه السلام) لأرض كربلاء:
قال الشيخ البهائيّ: (ما نقله جدِّي (رحمه الله) من خط السيّد الجليل الطاهر ذي المناقب والمفاخر السيد رضي الدين علي ابن طاووس (قدَّس الله روحه) من الجزء الثامن أو الثاني في كتاب الزيارات لمحمَّد بن أحمد بن داوود القمِّيّ (رحمه الله) ... إلى قوله: ومن الكتاب المذكور: روي: أنَّ الحسين (عليه السلام) اشترى النواحي التي فيها قبره من أهل نينوى والغاضرية بستِّين ألف درهمٍ، وتصدَّق بها عليهم، وشرط أنْ يرشدوا إلى قبره ويضيِّفوا من زاره ثلاثة أيامٍ. وقال الصادق (عليه السلام): «حرم الحسين (عليه السلام) الذي اشتراه أربعة أميالٍ في أربعة أميالٍ، فهو حلالٌ لولده ومواليه، حرامٌ على غيرهم ممن خالفهم، وفيه البركة) [الكشكول ج1 ص280].
وقال السيد عبد الرزاق المقرَّم في ذلك: (ثمَّ إنه (عليه السلام) اشترى النواحي التي فيها قبره من أهل نينوى والغاضرية بستِّين ألف درهمٍ، وتصدَّق بها عليهم، واشترط عليهم أنْ يرشدوا إلى قبره، ويضيِّفوا من زاره ثلاثة أيامٍ، وكان حرم الحسين (عليه السلام) الذي اشتراه أربعة أميالٍ في أربعة أميالٍ، فهو حلالٌ لولده ولمواليه، وحرامٌ على غيرهم ممن خالفهم وفيه البركة، وفي الحديث عن الصادق (عليه السلام) أنهم لم يفوا بالشرط) [مقتل الحسين ص٢٠١].
3ـ حضور بني أسدٍ لدفن الأجساد:
روى الطبريّ، وفيه: «فقُتل من أصحاب الحسين (عليه السلام) اثنان وسبعون رجلاً، وَدَفَن الحسينَ وأصحابَه أهلُ الغاضرية من بني أسدٍ بعد ما قتلوا بيومٍ، وقتل من أصحاب عمر بن سعدٍ ثمانيةٌ وثمانون رجلاً سوى الجرحى، فصلَّى عليهم عمر بن سعدٍ ودفنهم» [تاريخ الطبري ج5 ص455].
وقال الشيخ المفيد: «ولما رحل ابن سعدٍ، خرج قومٌ من بني أسدٍ كانوا نزولاً بالغاضرية إلى الحسين وأصحابه (رحمة الله عليهم)، فصلُّوا عليهم ودفنوا الحسين (عليه السلام) حيث قبره الآن، ودفنوا ابنه علي بن الحسين الأصغر عند رجليه، وحفروا للشهداء من أهل بيته وأصحابه الذين صرعوا حوله مما يلي رجلي الحسين (عليه السلام) وجمعوهم فدفنوهم جميعاً معاً، ودفنوا العبَّاس بن علي (عليهما السلام) في موضعه الذي قتل فيه على طريق الغاضرية حيث قبره الآن) [الإرشاد ج2 ص114].
هذا، ولكنَّ الصحيح ـ كما بيَّنا في جوابٍ مستقلٍّ ـ أنَّ من دفن الأجساد الشريفة هو الإمام السجَّاد (عليه السلام)؛ لما ورد في الروايات: من أنَّ الإمام لا يلي أمره إلَّا إمامٌ مثله، ولعلَّ بني أسدٍ كانوا قد ساعدوا الإمام (عليه السلام) في دفن الشهداء فقط، كما يُستفاد من بعض المصادر المتأخِّرة.
وعلى أيِّ حالٍ، فإنَّ هذه النصوص تدلُّ على أنَّ بني أسدٍ كانوا من سكَّان تلك القرى، كما هو واضحٌ.
مؤيِّداتٌ ومؤكِّداتٌ:
قال السيد عبد الحسين الكليدار في هذا الصدد: (لم تكن كربلاء في العهد القديم قبل الفتح الإسلاميّ بلدةً تستحق الذكر، ولم يرد ذكرها في التاريخ إلَّا نادراً، وأكثر ذلك في عرض الكلام عمَّا كان يقع في الحيرة وقرية الطف من الوقائع. بل كانت هي قريةً بسيطةً عليها مزارع وضياع لدهاقين الفرس، وكان سكَّانها أهل حراثةٍ وزراعةٍ) [بغية النبلاء في تاريخ كربلاء ص5].
وقال أيضاً: (هذا، ولم تكن كربلاء عامرةً يوم ورود الحسين (عليه السلام) لها، يوم الخميس الثاني من المحرَّم سنة (61هج)، وهو على ظهر جواده، على شفير ذلك الوادي، إلَّا بعض قرىً تحف أطرافها، كشفيه، والغاضريات، ونينوى، وماريه، والعقر) [بغية النبلاء في تاريخ كربلاء ص10].
نعم قد يُقال: بأنَّ المستفاد من خبر مرور أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى واقعة صفِّين أنها كانت عبارة صحراء خاليةً لا أثر بها خلا بعض نُخيلاتٍ، مما يعني عدم وجود السكَّان فيها، كما هو واضحٌ.
ولكنَّ (هذا لا يكون دليلاً قاطعاً على عدم وجود عمرانٍ وأبنيةٍ فيها؛ إذْ من الجائز أنْ تكون الوقفة الشريفة على بعض نواحيها لا نفس موقعها، أو أنه من الجائز أنْ أخذت إلى الخراب والدثار بعد ترك سعد بن أبي وقَّاصٍ لها وتحوُّله عنها إلى موضع الكوفة بعد أنْ سبى أهلها فلم يسكنها أحدٌ بعد ذلك) [يُنظر: بغية النبلاء للكليدار ص8]. ولذلك فلا يُمكن القول بخلوِّها من السكَّان بناءً على هذا الخبر، كما بيَّنا.
والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ الظاهر من هذه الشواهد المذكورة هو أنَّ كربلاء كانت مأهولةً من قبل بعض السكَّان آنذاك.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق