هل ظلم المحقق الطوسي الأشاعرة في مسألة الصفات؟
السؤال: هل ظلم الفيلسوف الإماميُّ نصير الدين الطوسيُّ الأشاعرة حين قال عنهم: (الأشاعرة يثبتون مع المبدأ الأوَّل قدماء ثمانية، سمَّوها صفات المبدأ الأوَّل)؛ لأنَّهم أثبتوا قديماً واحداً بصفاته، وصفاته داخلةٌ في مسمَّى اسمه، ولم يجعلوا كلَّ صفةٍ من صفاته إلهاً؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
لم يظلم نصير الدين الطوسيُّ الأشاعرة في نقله أصل مذهبهم، ولم ينسب إليهم أيضاً أنَّهم يعبدون تسعة آلهةٍ، أو يسمُّون كلَّ صفةٍ من صفات الله إلهاً مستقلاًًّ. وما قاله الطوسيُّ إنَّما هو إلزامٌ فلسفيٌّ رتَّبه على قولهم بوجود صفاتٍ أزليَّةٍ زائدةٍ على الذات، وليست حكايةً لعبارةٍ صرَّح بها الأشاعرة عن أنفسهم.
وموضع الخطأ في السؤال أنَّه اقتطع من كلام الطوسيِّ جملةً: (الأشاعرة يثبتون مع المبدأ الأوَّل قدماء ثمانية)، ثمَّ تعامل معها وكأنَّ الطوسيَّ يتَّهمهم مباشرةً بالشرك وتعدُّد الآلهة، بينما السياق الذي ورد فيه الكلام يكشف أنَّ المسألة أعمق من ذلك بكثيرٍ؛ فقد جاء كلام الطوسيِّ ردّاً على فخر الدين الرازيِّ، الذي حاول تقريب الخلاف بين الفلاسفة والمتكلِّمين بدعوى أنَّ المتكلِّمين متَّفقون على نفي العلَّة والمعلول، وأنَّهم لا يقبلون صدور موجودٍ أزليٍّ عن علَّةٍ أزليَّةٍ. فاعترض الطوسيُّ على دعوى هذا الاتفاق، مستدلّاً بأنَّ الأشاعرة أنفسهم يثبتون مع ذات الله صفاتٍ ثمانيةً قديمةً، فهم بذلك بين أمرين لا ثالث لهما: إمَّا أنْ تكون هذه الصفات واجبة الوجود بذواتها، فيلزم تعدُّد الواجب بالذات، وإمَّا أنْ تكون متوقِّفةً في وجودها على الذات الإلهيَّة، فتكون معلولاتٍ أزليَّةً لها، وحينئذٍ يثبت نوعٌ من العلاقة العلِّيَّة بين موجودين أزليَّين، خلافاً لدعوى الاتفاق التي ساقها الرازيُّ.
وهذا نصُّ كلام الطوسيِّ في شرح الإشارات: (وأمَّا القول بنفي العلَّة والمعلول فليس بمتَّفقٍ عليه عندهم؛ لأنَّ مثبتي الأحوال من المعتزلة قائلون بذلك صريحاً. وأيضاً أصحاب هذا الفاضل -أعني الأشاعرة -يثبتون مع المبدأ الأوَّل قدماء ثمانية -سمَّوها صفات المبدأ الأوَّل. فهم بين أنْ يجعلوا الواجب لذاته تسعةً وبين أنْ يجعلوها معلولاتٍ لذاتٍ واجبةٍ هي علَّتها. وهذا شيءٌ إنْ احترزوا عن التصريح به لفظاً، فلا يخلص لهم عن ذلك المعنى) [شرح الإشارات والتنبيهات ج٣ ص٨١].
فالطوسيُّ ـ إذن ـ لم يكن بصدد القول: إنَّ الأشاعرة يعبدون تسعة آلهةٍ، وإنَّما كان يقول: إنَّ تصوُّرهم الفلسفيَّ للصفات الزائدة القديمة يوقعهم في أحد شقَّين لا ثالث لهما بحسب التقسيم العقليِّ الذي يعتمده.
والأشاعرة صرَّحوا فعلاً بأنَّ الصفات الإلهيَّة معانٍ موجودةٌ زائدةٌ على الذات، قائمةٌ بها، وقديمةٌ بقدمها، فهم لا يقولون: إنَّ علم الله عين ذاته، ولا إنَّ قدرته عين ذاته، بل يثبتون علماً قديماً قائماً بالذات، وقدرةً قديمةً قائمةً بالذات، وهكذا. فأصل ما نقله الطوسيُّ عنهم صحيحٌ تماماً؛ إذْ لم يكن يسأل: هل تسمُّون الصفات آلهةً أو تعبدونها؟ بل كان يسأل عن نحو وجودها وعلاقتها بالذات.
فإذا كان العلم الإلهيُّ حقيقةً موجودةً قديمةً، وليس عين الذات، فما علاقته بالذات؟
إنْ قيل: إنَّه موجودٌ بذاته من دون أنْ يستمدَّ وجوده من الذات، صار واجباً بذاته، فتعدَّدت الموجودات الواجبة بذواتها.
وإنْ قيل: إنَّه لا يقوم إلَّا بالذات، ووجوده متوقِّفٌ عليها، فهو معلولٌ لذلك الغير، ولو كان أزليّاً غير مسبوقٍ بالعدم.
ولهذا لم يقل الطوسيُّ: إنَّ الأشاعرة صرَّحوا بأنَّ الصفات معلولةٌ، بل قال: (وهذا شيءٌ إنْ احترزوا عن التصريح به لفظاً، فلا يخلص لهم عن ذلك المعنى)، أي إنَّهم قد يمتنعون عن استعمال لفظ العلَّة والمعلول، ولكنَّ امتناعهم عن اللفظ وحده لا يزيل أصل المعنى؛ لأنَّ الصفة إذا كانت قائمةً بالذات ومتوقِّفةً عليها، فقد ثبت نوعٌ من الافتقار والارتباط الوجوديِّ بينها وبين الذات.
وفي المحصِّلة، لم يظلم نصير الدين الطوسيُّ الأشاعرة حين نقل عنهم إثبات صفاتٍ قديمةٍ زائدةٍ على الذات، فهذا عين ما صرَّح به كبار علمائهم. كما لم يدَّعِ أنَّهم يسمُّون كلَّ صفةٍ إلهاً أو يعبدون آلهةً متعدِّدةً، وإنَّما ألزمهم فلسفيّاً بأنَّ هذه الصفات القديمة الزائدة لا تخلو من أحد احتمالين: إمَّا أنْ تكون واجبةً بذاتها، فيلزم تعدُّد الواجب بالذات، وإمَّا أنْ تكون متوقِّفةً على الذات، فتكون معلولاتٍ أزليَّةً لها، وبذلك يبطل ادِّعاء اتفاقهم على نفي العلَّة والمعلول بين الموجودات الأزليَّة.
اترك تعليق