ما هي مبررات خروج الإمام الحسين (ع) على يزيد؟

السؤال: لقد وصل الحسين إلى حيث قُتِل بعد عدَّة أيام من تولِّي يزيد الخلافة، ممَّا يعني أنَّه لم يكن لديه الوقت الكافي لتقييم سياسات الخليفة يزيد، وليس هو قريباً حتَّى يسجِّل عليه ما يستوجب خروجه والإصلاح؛ لأنَّ المسافة بينهما تستغرق مدَّة طويلة لانتقال الأخبار. وتفسير كلِّ هذا، هو أنَّ خروجه كان سعياً وراء السلطة والثروة؛ لعدم وجود مُبرِّر آخر للخروج عليه؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

لا يخفى أنَّ خروج الإمام الحسين (عليه السلام) ضد حكم الطاغية يزيد بن معاوية له مبرِّراته الخاصة، تارةً بما ينظر إليه شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، وأُخرى بما ينظر إليه أهل العامة، ولبيان ذلك بشيءٍ من التفصيل نعقد الكلام في مقامين:

المقام الأوَّل: مبرِّرات الخروج عند الشيعة:

إنَّ من جملة ما يعتقد به أتباع أهل البيت (عليهم السلام) أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) كان مكلَّفاً من قبل الله تعالى بالخروج على الحكم الأمويّ آنذاك؛ ولذلك فإنَّ قِصر مدَّة حكم يزيد أو طولها، وقِصر المسافة بينهما أو بُعدها، لا يغيِّر من الأمر شيئاً؛ لأنَّ تكليفه الشرعيَّ كان يقتضي الخروج عليه والسعي إلى إسقاط حكمه.

من ذلك:

1ـ ما رواه الصفَّار والكلينيُّ بالإسناد إلى ضريس، عن أبي جعفر (عليه السلام)، وفيه: «فقال له حمران: جُعِلتُ فداك يا أبا جعفر، رأيتَ ما كان من أمر قيام علي بن أبي طالب (عليه السلام) والحسن والحسين (عليهم السلام) وخروجهم وقيامهم بدين الله وما أصيبوا به من قبل الطواغيت إياهم والظفر بهم حتَّى قتلوا وغلبوا؟

فقال أبو جعفر (عليه السلام): يا حمران، إنَّ الله (تبارك وتعالى) قد كان قدَّر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتَّمه ثمَّ أجراه، فبتقدُّم علمٍ إليهم من رسول الله قام عليٌّ والحسن والحسين (صلوات الله عليهم) وبعلمٍ صمتَ مَنْ صمتَ منَّا... وما كان الذي أصابهم من ذلك يا حمران لذنبٍ اقترفوه، ولا لعقوبة معصيةٍ خالفوا الله فيها، ولكن لمنازل وكرامةٍ من الله أراد أنْ يبلغها، فلا تذهبنَّ بك المذاهب فيهم» [بصائر الدرجات ص١٤٤، الكافي ج1 ص261].

2ـ وما رواه الشيخ الكلينيُّ بسنده إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أنزل على نبيه (صلَّى الله عليه وآله) كتاباً قبل وفاته، فقال: يا محمَّد، هذه وصيتك إلى النجبة من أهلك.

قال: وما النجبة يا جبرئيل؟ فقال: عليّ بن أبي طالب وولده (عليهم السلام)، وكان على الكتاب خواتيم من ذهب، فدفعه النبي (صلَّى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وأمره أنْ يفك خاتماً منه ويعمل بما فيه، ففكَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) خاتماً وعمل بما فيه، ثمَّ دفعه إلى ابنه الحسن (عليه السلام) ففكَّ خاتماً وعمل بما فيه، ثمَّ دفعه إلى الحسين (عليهما السلام)، ففكَّ خاتماً فوجد فيه: أنْ اخرج بقومٍ إلى الشهادة، فلا شهادة لهم إلَّا معك، واشر نفسك لله (عزَّ وجلَّ) ففعل» [الكافي ج1 ص280].

3ـ وما رواه السيد ابن طاووس عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سار محمَّد بن الحنفية إلى الحسين في الليلة التي أراد الخروج في صبيحتها عن مكَّة فقال: يا أخي، إنَّ أهل الكوفة من قد عرفتَ غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خفتُ أنْ يكون حالك كحال من مضى، فإنْ رأيتَ أنْ تقيم فإنَّك أعزُُّ مَنْ في الحرم وأمنعه... فلما كان السَّحر ارتحل الحسين (عليه السلام) فبلغ ذلك ابن الحنفية فأتاه فأخذ زمام ناقته التي ركبها فقال له: يا أخي، ألم تعدني النظر فيما سألتك؟ قال بلى.

قال: فما حداك على الخروج عاجلاً؟ فقال: أتاني رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بعد ما فارقتك، فقال: يا حسين، اخرج فإنَّ الله قد شاء أنْ يراك قتيلاً.

فقال له ابن الحنفية: إنا لله وإنا إليه راجعون» [اللهوف في قتلى الطفوف ص ٣٩].

إلى غيرها من الأخبار الكثيرة الواردة من طرق الشيعة.

وعلى ضوء ذلك، فالمبرِّر للخروج على حكم الطاغية يزيد (لعنه الله تعالى) هو التكليف الإلهيُّ النابع من الحِكمة والمصلحة في ذلك، بلا فرقٍ بين طول المدَّة أو قصرها، وكذلك بعد المسافة أم قصرها. وعليه، فما استنتجه السائل من أنَّ خروجه (عليه السلام) كان سعياً وراء السلطة والثروة باطلٌ جزماً؛ لما تبيَّن من أنَّه تكليفٌ من الله تعالى له.

المقام الثاني: مبرِّرات الخروج عند العامَّة:

أوَّلاً: تحريم الحكم على يزيد:

ورد في أخبار العامة أنَّ الحكم والخلافة محرَّمةٌ على آل أبي سفيان، لكونهم من الطلقاء، بل ورد الأمر بقتل معاوية في حال توليه ذلك، وهذا المعنى لا يفرَّق فيه بين قصر حكم يزيد أم طوله، بُعد المسافة أم قصرها، بعد أنْ كان القانون الشرعيُّ يحرِّم ذلك عليه ويمنع من تولِّيه الحكم.

1ـ روى ابن مزاحمٍ المنقريُّ، وابن قتيبة الدينوريُّ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال لمعاوية: «أما بعد، فإنَّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام... إلى قوله: واعلم - يا معاوية - أنَّك من الطلقاء الذين لا تحلُّ لهم الخلافة» [وقعة صفين ص٢٩، الإمامة والسياسة ج1 ص114].

2ـ وروى البلاذريُّ بسنده إلى المطَّلب بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطَّاب: «إنَّ هذا الأمر لا يصلح للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء. ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما طمع يزيد بن أبي سفيان ومعاوية أنْ استعملهما على الشام» [أنساب الأشراف ج10 ص435].

3ـ وروى ابن أعثم الكوفيُّ، وفيه: «قال: ثمَّ ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والحسين بن علي وقال: والله لئن لم يبايعوا ليزيد لأفعلنَّ ولأفعلنَّ. قال: ثمَّ نزل عن المنبر ودخل إلى منزله، وبلغ ذلك عائشة فأقبلت حتَّى دخلتْ مغضبةً عليه وقالتْ: يا معاوية، ما كفاك أنَّك قتلت أخي محمَّد بن أبي بكر وأحرقتَه بالنّار حتَّى قدمت المدينة وأخذت بالوقيعة في أبناء الصحابة؟ وأنت من الطلقاء الذين لا تحلُّ لهم الخلافة» [الفتوح ج4 ص337].

4ـ وروى ابن مزاحم المنقريُّ والبلاذريُّ بالإسناد إلى الحسن قال: «قال رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): إذا رأيتُم معاوية يخطب على منبري فاقتلوه. قال: فحدَّثني بعضهم قال: قال أبو سعيد الخدريّ: فلم نفعل ولم نفلح» [وقعة صفين ص ٢١٦، أنساب الأشراف ج5 ص128، وغيرهما].

وعلى ضوء ذلك، فالمبرِّر للخروج على حكم الطاغية يزيد (لعنه الله تعالى) هو تحريم تصدِّيه للحكم الإسلاميّ؛ لكونه من الطلقاء، وهذا المعنى لا يتأثَّر بقصر مدَّة الحكم أو طولها، كما لا يتغير ببُعد المسافة بينهما من قصرها، كما هو واضح.

ثانياً: علم الإمام الحسين (ع) بفسق يزيد:

لا يخفى أنَّ يزيد بن معاوية لـم يكن صالحاً لتولِّي أمر المسلمين من الأساس، فقد كان ـ بحسب ما دلَّت عليه النصوص التاريخيَّة والروايات ـ كافراً بالله تعالى غير مؤمنٍ به، متجاهراً بارتكاب المعاصي والموبقات، كشرب الخمر، ولعب القمار، واتخاذ القرود، واستحلال المحارم، وقتل النفس المحترمة، وغيرها من صنوف الفساد. ومن ثَمَّ كان فاقداً لأدنى مقوِّمات الحكم والقيادة في الإسلام.

وقد كان الإمام الحسين (عليه السلام) عالماً بذلك؛ ولأجله صرَّح (عليه السلام) بعدم أهليته للحكم في جوابه لمروان بن الحكم.

قال أحمد بن أعثم الكوفيُّ: «فقال مروان: أقول: إني آمرك ببيعة أمير المؤمنين يزيد، فإنَّه خيرٌ لك في دينك ودنياك! قال: فاسترجع الحسين وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام إذْ قد بليت الأمَّة براعٍ مثل يزيد. ثمَّ أقبل الحسين على مروان وقال: ويحك، أتأمرني ببيعة يزيد وهو رجلٌ فاسقٌ؟ لقد قلت شططاً من القول يا عظيم الزلل، لا ألومك على قولك؛ لأنَّك اللعين الذي لعنك رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وأنت في صلب أبيك الحكم بن أبي العاص، فإنَّ من لعنه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لا يمكن له ولا منه إلَّا أنْ يدعو إلى بيعة يزيد.

ثمَّ قال: إليك عني يا عدو الله، فإنَّا أهل بيت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، والحق فينا وبالحق تنطق ألسنتنا، وقد سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يقول: الخلافة محرَّمةٌ على آل أبي سفيان، وعلى الطلقاء أبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فافقروا بطنه. فو الله لقد رآه أهل المدينة على منبر جدِّي فلم يفعلوا ما أمروا به، قاتلهم الله بابنه يزيد، زاده الله في النار عذاباً» [الفتوح ج5 ص17، مقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص268، مثير الأحزان ص ١٤، وغيرها من المصادر الكثيرة].

بل إنَّ فساد يزيد وعدم أهليته للخلافة كانا من الوضوح بحيث لا يكادان يخفَيان على أكثر المسلمين فضلاً عن الإمام الحسين (عليه السلام) الذي كان معاصراً لتلك الحقبة الزمنية بكامل تفاصيلها.

هذا، مع الغضِّ عن مسألة العصمة والتعليم الإلهيّ، وإلَّا فنحن نعتقد بعلم الإمام بما كان وما يكون وما هو كائنٌ بإذن الله تعالى.

والنتيجة النهائيَّة من جميع ما تقدَّم، أنَّ التكليف الإلهيَّ لخروج الإمام (عليه السلام) على يزيد، وكذا تحريم الحكم عليه لكونه من الطلقاء، مع علم الإمام بفسقه وعدم أهليته للحكم أساساً مبرِّراتٌ للخرج عليه والاطاحة بحكمه الظالم، كما تقدَّم بيانه.. والحمد لله ربِّ العالمين.