هل أراد الإمام الحسين (ع) أن يسير بسيرة الخلفاء؟

السؤال: ما مدى صحَّة إرادة الإمام الحسين (عليه السلام) أنْ يسير بسيرة الخلفاء الثلاثة عند خطابه مع أخيه ابن الحنفية؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

يُشير السائل إلى ما رواه المؤرِّخ أحمد بن أعثم الكوفيّ في وصيَّته التي كتبها إلى أخيه محمَّد بن الحنفية، والتي تضمَّنت إرادته (عليه السلام) السير بسيرة جدِّه المصطفى (صلَّى الله عليه وآله)، وسيرة أبيه (عليه السلام)، وسيرة الخلفاء أيضاً!

قال ما نصُّه: «وصية الحسين (رضي الله عنه) لأخيه محمَّد (رضي الله عنه). فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب لأخيه محمَّد ابن الحنفية المعروف، ولد علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): إنَّ الحسين بن علي يشهد أنْ لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمَّداً عبده ورسوله، جاء بالحق من عنده، وأنَّ الجنَّة حق والنار حق، وأنَّ الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعث من في القبور. وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجتُ لطلب النجاح والصلاح في أمَّة جدِّي محمَّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أريدُ أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدِّي محمَّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وسيرة أبي علي بن أبي طالب، وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين» [الفتوح ج5 ص٢١].

ونقل عنه الخوارزميّ في مقتله، وفيه: «ثمَّ دعا الحسين (عليه السلام) بدواة وبياض، وكتب فيها هذه الوصية لأخيه محمَّد... إلى قوله: إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجتُ أطلب الإصلاح في أمَّة جدِّي محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) أريد أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدِّي محمَّد، وسيرة أبي علي بن أبي طالب، وسيرة الخلفاء الراشدين» [مقتل الحسين ج1 ص273].

إذا بان هذا، فلنا بعض الوقفات نذكرها ضمن أمور:

الأمر الأوَّل: أنَّ ما نُقل من إرادة الإمام الحسين (عليه السلام) السير بسيرة الخلفاء منافٍ لما رواه أعلام الإماميَّة من عدم وجود هذه الفقرة المذكورة؛ ولذلك يحتمل إدراجها من قبل هؤلاء ـ أو غيرهم ـ لاعتقادهم بشرعية حكمهم أو إيهام الناس بذلك، كما هو ظاهر لمن عرف أحوالهم، وطالع كتبهم.

1ـ روى العلَّامة ابن شهر آشوبّ، وفيه: «فقال (عليه السلام): إنّي لم أخرج بطراً ولا أشراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجتُ أطلب الصلاح في أمَّة جدِّي محمَّد، أريدُ أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، أسير بسيرة جدِّي وسيرة أبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، وهو أحكم الحاكمين» [مناقب آل أبي طالب ج3 ص240]. من دون الزيادة المذكورة.

2ـ وروى السيد محمَّد بن أبي طالب الحسينيّ الكركيّ الحائريّ، وفيه: «ثمَّ دعا الحسين (عليه السلام) بدواةٍ وبياضٍ وكتب هذه الوصية لأخيه محمَّد (رضي الله عنه): بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمَّد المعروف بابن الحنفية ... إلى قوله: وأنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجتُ لطلب الاصلاح في أمَّة جدِّي (صلَّى الله عليه وآله)، أريدُ أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدِّي محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) وأبي علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردَّ عليَّ هذا أصبر حتَّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق» [تسلية المجالس ج2 ص160]. من دون الزيادة المذكورة أيضاً.

إنْ قلت: إنَّ ما أورده ابن شهر آشوب هو بعينه ما ذكره ابن أعثم في كتابه الفتوح، وعليه فلا يصح القول بأنَّ علماء الإماميَّة قد نقلوا الرواية من دون الزيادة محلِّ البحث؟

قلت: لا دليل على أنَّ ابن شهر آشوب قد أخذ هذه الرواية من كتاب الفتوح، بل الظاهر من استعراضه لمصادر كتابه أنَّ الفتوح ليس من جملتها، فيكون الأرجح أنّه اعتمد في نقلها على طريقٍ آخر مستقل.

ويؤيِّد ذلك: أنَّ ابن شهر آشوب معروفٌ بالأمانة والدقة في النقل، فلو كان ينقل الرواية من كتاب الفتوح لما كان من المناسب أنْ يحذف هذه الفقرة رأساً، بل كان بإمكانه أنْ يوردها ثمَّ يناقشها أو يردَّها. أما حذفها مع نقله عن المصدر نفسه فلا ينسجم مع ما عُرف عنه من النزاهة العلميَّة.

وعليه، فالأقرب إلى الاطمئنان أنَّ ابن شهر آشوب قد نقل الرواية من مصدرٍ آخر غير كتاب الفتوح، وكان ذلك المصدر خالياً من هذه الزيادة المنقولة في كتاب الفتوح.

الأمر الثاني: أنَّ من أوضح الشواهد على بطلان هذه الزيادة ـ أي: السير بسيرة هؤلاء المذكورين ـ أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد رفض الالتزام بسيرة الشيخين حين جعلها عبد الرحمن بن عوف شرطاً لتولِّي الخلافة، فلم يقبل أنْ يجعل نفسه ملتزماً بسيرتهما.

وعليه، فإذا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) قد رفض ذلك رفضاً قاطعاً، فكيف يُعقل أنْ يخالف الإمام الحسين (عليه السلام) منهج أبيه، فيجعل الالتزام بسيرة الشيخين جزءاً من مشروعه الإصلاحيَّ؟

خصوصاً مع ما عُرف عنه (عليه السلام) من عدم مخالفة سيرة أبيه طيلة حياته المباركة، كما هو واضح وبيِّن.

1ـ روى الطبريّ، وفيه كلام عن عبد الرحمن بن عوف: «هل أنت يا علي مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟ فقال: اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي. فالتفت إلى عثمان، فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم نعم» [تاريخ الطبريّ ج4 ص238].

2ـ وروى ابن كثير الدمشقيّ، وفيه: «قم إليَّ يا علي، فقام إليه فوقف تحت المنبر، فأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيّه، وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللّهمّ لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي. قال: فأرسل يده وقال: قم يا عثمان. فأخذ بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيّه، وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللّهمّ نعم. قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان، فقال: اللّهمّ اسمع واشهد، اللّهمّ اسمع واشهد، اللّهمّ اسمع واشهد، اللّهمّ إنّي قد جعلتُ ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان. قال: وازدحم الناس يبايعون عثمان» [البداية والنهاية ج10 ص212].

إلى غيرهما من المصادر الكثيرة.

الأمر الثالث: إنَّ الزيادة المذكورة تنافي الأصول القطعيَّة لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)؛ لكون الإمام الحسين (عليه السلام) عندنا من أهل العِصمة، فكيف يسعه الالتزام بسيرة غير المعصوم على نحو الإطلاق؟ إنَّ الالزام بهذه الزيادة يؤدِّي إلى التناقض مع أصل الإمامة والعصمة، وهو ما لا يُمكن قبوله، كما لا يخفى.

1ـ قال الشيخ الصدوقّ: (اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمَّة والملائكة (صلوات الله عليهم) أنَّهم معصومون مطهَّرون من كلِّ دنس، وأنَّهم لا يذنبون ذنباً، لا صغيراً ولا كبيراً، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. ومن نفى عنهم العصمة في شيءٍ من أحوالهم فقد جهلهم) [الاعتقادات ص96].

2ـ وقال الشيخ المفيدّ: (إنَّ الأئمَّة القائمين مقام الأنبياء في تنفيذ الأحكام، وإقامة الحدود، وحفظ الشرائع، وتأديب الأنام، معصومون كعصمة الأنبياء، وإنهم لا يجوز منهم صغيرة... وإنّه لا يجوز منهم سهو في شيءٍ في الدين ولا ينسون شيئاً من الأحكام، وعلى هذا مذهب سائر الإماميَّة) [أوائل المقالات ص65].

الأمر الرابع: أنَّ من طالع سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) يجدُ موقفه واضحاً وصريحاً من حكم هؤلاء المذكورين؛ إذْ كان من أشدِّ المناوئين لهم، والرافضين لنهجهم الذي أسَّس لحكم يزيد بن معاوية الذي خرج الإمام لإبطاله وإزالته؛ ولذلك ورد في كلماته يوم عاشوراء أنَّه قال: «قتلني فلانٌ وفلانٌ».

روى الخوارزميّ، وفيه قوله: «ما عُرِفت الحمرة في السماء حتَّى رمى الحسين بدمه إلى السماء، ثمَّ وضع يده على الجرح ثانياً، فلما امتلأت لطخ بها رأسه ولحيته، وقال: هكذا والله أكون حتَّى ألقى جدِّي محمَّداً (صلَّى الله عليه وآله) وأنا مخضوبٌ بدمي، وأقول: يا رسول الله، قتلني فلان وفلان» [مقتل الحسين ج2 ص39].

ولمعرفة المزيد من موقف الإمام الحسين (عليه السلام) من هؤلاء المذكورين راجع كتاب «تقريب المعارف» لأبي الصلاح الحلبيّ (طاب ثراه)، فإنّه أحسن وأجاد.

الأمر الخامس: أنَّ ممَّا يشهد لكذب هذه الفقرة المذكورة أنَّ مصطلح (الخلفاء الراشدين) لم يعرف في الصدر الأوَّل من الإسلام، وإنَّما ظهر في زمن العبَّاسيين. ومن ذلك يتَّضح أنَّ إلحاق الزيادة المذكورة كان في زمانهم أو بعده.

ولهذا ـ وغيره من القرائن ـ حكم المرجع الراحل السيّد محمَّد سعيد الحكيمّ (طاب ثراه) بكون هذه الزيادة من الموضوعات [يُنظر: فاجعة الطف ج2 ص13، الهامش].

الأمر السادس: لو تنازلنا ـ جدلاً ـ عن كلِّ ما تقدَّم، وقلنا بصحَّة هذه الفقرة، فالمناسب هو إرادة حجج الله تعالى وخلفائه من أنبياء الله المتقدّمين وأوصيائهم، وما جاء على لسان شعيب (عليه السلام): ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ ينسجم مع ما خرج لأجله الإمام الحسين (عليه السلام)، وإلّا فليس المقصود الحكَّام الذين تقدَّموا على أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذين كانوا يجهلون أبسط الأشياء على مستوى الأحكام الفقهيَّة أم العقديَّة، فإنَّ المناسب لشأن لسبط النبيِّ الأعظم، وسيد شباب أهل الجنَّة، وخامس أصحاب الكساء، وأحد أركان المباهلة، هو التأسِّي بسيرة الحجج الإلهيِّين، كما هو واضح وبيِّن.

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ما تقدَّم، أنَّ ما ورد من نسبة إرادة الإمام الحسين (عليه السلام) السير على سيرة هؤلاء المذكورين لا يصحُّ جزماً، كما اتَّضح ذلك مفصَّلاً. نسأل الله تعالى أنْ يرزقنا زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) وشفاعته في الدنيا والآخرة.. والحمد لله ربِّ العالمين.