هل يشكل التشابه بين رفع عيسى وإيليا مفارقة حقاً؟
السؤال: يؤمن المسلمون أنَّ عيسى رُفع حيّاً، ولم يمت، وسيعود قبل يوم القيامة، ويقول أنبياء اليهود شيئاً مشابهاً جدّاً عن إيليا: «وصعد إيليا في العاصفة إلى السماء.» [الملوك الثاني ٢:١١]. «ها أنذا أرسل إليكم إيليا النبيّ قبل مجيء يوم الربّ العظيم والمخوف» [ملاخي ٣:٢٣]. مفارقة؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
اللافت أنَّ السائل لم يبيّن أين تقع «المفارقة» تحديداً.
هل المفارقة أنَّ شخصاً رفعه الله إلى السماء ولم يمت؟
إذا كان هذا هو المقصود، فلا يوجد أيُّ تناقضٍ منطقيٍّ يمنع ذلك، فالذي يؤمن بقدرة الله على خلق السماوات والأرض لا يجد استحالةً عقليةً في رفع إنسانٍ أو إبقائه حيّاً مدَّةً طويلةً إذا اقتضت الحكمة الإلهيَّة ذلك.
أم أنَّ المفارقة هي أنَّ عقيدة رفع عيسى تشبه عقيدة رفع إيليا؟
وهنا يقال: وما المشكلة في ذلك؟
فالقرآن نفسه يقرّر أنَّ الأنبياء يشتركون في كثيرٍ من السُنَنِ والوقائع، وأنَّ الرسالات الإلهيَّة تنتمي إلى مصدرٍ واحدٍ؛ ولذلك ليس غريباً أنْ نجد أحداثاً متشابهةً في حياة بعض الأنبياء.
بل إنَّ التشابه هاهنا لا يعني التطابق أصلاً، ففي العقيدة اليهوديَّة التقليديَّة يُنظر إلى إيليا بوصفه نبيّاً رُفع إلى السماء وسيعود قبل اليوم الموعود، أما في العقيدة الإسلاميَّة فرفع عيسى (عليه السلام) مرتبطٌ بإفشال مؤامرة قتله وصلبه، وبكونه لم يمت بعد، وسيعود في آخر الزمان ليؤدي دوراً محدَّداً في أحداث النهاية.
فالسياق مختلفٌ، والغاية مختلفةٌ، والدور العقائديّ مختلفٌ، وإنْ اشترك الأمران في أصل فكرة الرفع.
والحقيقة أنَّ هذا النوع من الإشكالات يقوم غالباً على افتراضٍ خفيّ، وهو أنَّ وجود تشابهٍ بين الإسلام وما سبقه من الأديان دليلٌ على الاقتباس.
لكنَّ هذا الافتراض يرتدّ على صاحبه؛ لأنَّ الإسلام نفسه يصرّح بأنَّه امتدادٌ لرسالات الأنبياء السابقين، وأنَّ موسى وعيسى وإبراهيم ونوحاً وغيرهم ينتمون إلى سلسلة هدايةٍ واحدةٍ، فوجود عناصر مشتركةٍ بين الرسالات ليس أمراً محرجاً للإسلام، بل هو ما يتوقّعه المسلم ابتداءً.
ولو طبَّقنا منطق السائل على نطاقٍ أوسع للزم أنْ تكون جميع العقائد المشتركة بين اليهودية والمسيحية والإسلام موضع سخريةٍ وشبهةٍ؛ لأنَّ فيها أنبياء ووحياً وملائكةً وقيامةً وحساباً وجنَّةً وناراً، مع أنّ الاشتراك في هذه القضايا لا يعدّ دليلاً على بطلانها، بل قد يكون دليلاً على وحدة المصدر أو على بقاء أثرٍ من الوحي السابق.
وفي المحصّلة، لا توجد هاهنا مفارقةٌ ولا تناقضٌ، كُلّ ما في الأمر أنَّ هناك تشابهاً جزئيّاً بين قصة إيليا وقصة عيسى (عليهما السلام). والتشابه بين عقيدتين لا يثبت الاقتباس ولا البطلان، فضلاً عن أنَّ الإسلام لا ينكر وجود صلةٍ بين رسالته ورسالات الأنبياء السابقين، بل يعلن ذلك صراحةً؛ ولذلك فإنَّ السؤال لا يكشف تناقضاً في العقيدة الإسلاميَّة، بل يكشف خلطاً بين مفهوم التشابه ومفهوم التناقض.
اترك تعليق