هل يثبت كلام عائشة أن القرآن استجاب لهوى النبي (ص)؟
السؤال: المرأة: «وهبت لك نفسي بلا مقابل» النبي: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عائشة: «ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك» [صحيح البخاريّ ج6 ص321، صحيح مسلم ج4 ص95]. التعليق: امرأةٌ تهب فرجها للرّسول دون مقابلٍ، وعائشة تستهجن هذه الممارسة، والرّسول يُصدر أصواتاً قرآنيّةً لتصحيحها، فتبادر عائشة لتطلق كلمتها الشّهيرة الّتي تكشف عن وعيها المبكّر في فهم حقيقة وجوهر الأصوات القرآنيّة: «ما أرى ربّك إلّا يُسارع لك في هواك»!!
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
تعتمد هذه الشبهة على خلطٍ متعمدٍ بين أمرين مختلفين تماماً: بين الزواج المشروع الذي تتحدث عنه الآية، وبين الصورة التي يحاول صاحب الشبهة رسمها في ذهن القارئ.
فالآية لا تتحدّث عن علاقةٍ خارج إطار الزواج، ولا عن استباحة المرأة بلا ضوابط، ولا عن امرأةٍ «تهب فرجها» - كما يحاول الخطاب الجدليّ أنْ يوحي -، وإنَّما تتحدث صراحةً عن النكاح: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا﴾ [الأحزاب: 50].
فالقرآن يتحدّث عن زواجٍ كامل الأركان والآثار الشرعيّة، لا عن علاقةٍ عابرةٍ، أو استجابةٍ لرغبةٍ آنيةٍ، والمقصود من هبة النفس - كما ذكر المفسّرون - أنَّ المرأة تتنازل عن بعض حقوقها الماليّة المعتادة في الزواج كالمهر، لا أنَّها تعرض نفسها على النبيّ (ص) خارج إطار النكاح.
ثمَّ إنَّ الشبهة تقوم على افتراضٍ مسبقٍ لا دليل عليه، وهو أنَّ كُلّ حكمٍ اختصَّ الله به نبيَّه (ص) لا بدَّ أنْ يكون ناشئاً عن رغبةٍ شخصيَّةٍ أو هوىً خاصٍّ، وهذا لا يعدو كونه مجرّد ادعاءٍ.
فالقرآن مليءٌ بالأحكام الخاصة بالنبيّ (صلى الله عليه وآله)، وبعضها كان أشدَّ عليه من غيره، وبعضها كان متعلِّقاً بموقعه الرساليّ ووظيفته الاجتماعيَّة، ووجود حكمٍ خاصٍّ لا يعني تلقائيّاً أنَّه صادرٌ عن هوىً أو رغبةٍ شخصيَّةٍ.
بل إنَّ السؤال الذي يتجاهله صاحب الشبهة هو: إذا كان المقصود مجرّد إشباع رغبةٍ شخصيَّةٍ، فلماذا تتحول القضية إلى آيةٍ قرآنيّةٍ تتلى على الناس إلى يوم القيامة؟
إنَّ الإنسان الذي يريد تمرير رغبةٍ خاصةٍ لا يجعلها جزءاً من كتابٍ مقدسٍ يقرؤه الموافق والمخالف، والمؤمن والناقد، جيلاً بعد جيلٍ.
وبعد تجاوز هذه النقطة نصل إلى الاستشهاد بقول عائشة: «ما أرى ربَّك إلَّا يسارع لك في هواك».
وهنا ينبغي الالتفات إلى أنَّ هذه الرواية ـ على فرض قبولها ـ لا تتجاوز كونها تعليقاً صدر من عائشة على واقعةٍ معينةٍ، وفي لحظة غيرةٍ غلب فيها الانفعال على التقييم الموضوعيّ للأحداث، ومن ثَمَّ فهي لا تتحول إلى برهانٍ على أنَّ القرآن من صنع النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ولا إلى دليلٍ على أنَّه كان يعبر عن رغباته الشخصيَّة، بل إنَّ العبارة ـ بهذا المعنى ـ تشكل موضع إدانةٍ لعائشة قبل أنْ تكون شاهداً على المدَّعى الذي يحاول السائل إثباته.
والأعجب من ذلك أنَّ صاحب الشبهة يمنح هذه العبارة قيمةً برهانيةً هائلةً لا تمنحها الرواية نفسها؛ إذ أقصى ما تثبته أنَّ عائشة قالت هذا الكلام، أما صحة مضمون كلامها فمسألةٌ أخرى تحتاج إلى دليلٍ مستقلٍّ.
فإثبات صدور العبارة شيءٌ، وإثبات صحة مضمونها شيءٌ آخر تماماً، والسائل يخلط بين الأمرين، فينتقل من قول عائشة: «ما أرى ربَّك إلَّا يسارع لك في هواك»، إلى الجزم بأنَّ القرآن كان يعبّر عن رغبات النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وكأنَّ مجرّد صدور هذا الكلام من عائشة يكفي لإثبات صحته.
مع أنَّ هذا ليس منهجاً علميّاً ولا استدلالاً مقبولاً؛ إذ لو أردنا اعتماد هذا المنهج لكان علينا أنْ نحول كُلّ اعتراضٍ أو اتهامٍ أو سوء ظنٍّ صدر من أيّ شخصٍ تجاه أيّ نبيٍّ إلى دليلٍ على صحة ذلك الاعتراض، وهو أمرٌ لا يقبله عاقلٌ.
بل إنَّ العقيدة الإماميَّة لا ترى في عائشة شخصيةً معصومةً، ولا مرجعاً معرفيّاً يحتج بكلامها في العقائد حتّى يتحوّل انطباعها الشخصيّ إلى حجّةٍ على المسلمين، لاسيَّما وأنَّ التاريخ نقل مواقف عديدةً اعترضت فيها على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو خالفته أو أساءت التقدير في حقّه.
وعليه، فإنَّ أقصى ما تثبته الرواية هو موقفٌ صدر من عائشة في لحظة انفعالٍ وغيرةٍ، أمّا تحويل هذا الموقف إلى برهانٍ على حقيقة الوحي أو مصدر القرآن فليس إلَّا مصادرةً على المطلوب وقفزاً فوق جميع قواعد الاستدلال.
وفي المحصّلة، لا تدلُّ الآية على أكثر من تشريعٍ خاصٍّ بصورةٍ من صور الزواج المشروع، ولا تتحدّث عن علاقةٍ خارج إطار النكاح كما يحاول صاحب الشبهة الإيحاء.
أمّا عبارة عائشة - على فرض صحّة صدورها - فلا تعدو أنْ تكون تعليقاً شخصيّاً وانطباعاً ذاتيّاً، لا يملك أيَّ قيمةٍ برهانيةٍ في إثبات مصدر القرآن أو نفيه؛ ولذلك فالشبهة لا تقوم على دليلٍ تاريخيّ أو عقليّ، وإنَّما على إعادة صياغة الآية بلغةٍ مثيرةٍ، ثمَّ تحميل كلام عائشة ما لا يحتمله، للوصول إلى نتيجةٍ جاهزةٍ تمَّ افتراضها مسبقاً.
اترك تعليق