هل كأس العالم بديل أفضل من الحج؟
السؤال: يقول أحمد القبانجيُّ: لا حاجة إلى الحجِّ بالنسبة للمسلمين؛ لأنَّ العالم ابتكر أطروحاتٍ أخرى أفضلَ بكثيرٍ، مثل كأس العالم، حيث تجتمع الأقوام على مختلف مذاهبهم وأديانهم كلَّ أربع سنواتٍ في بلادٍ مختلفةٍ للترفيه والتواصل، بينما الحجُّ لا يزال محصوراً بين المسلمين المتناحرين فيما بينهم، دون أهدافٍ اجتماعيَّةٍ أو علميَّةٍ أو أخلاقيَّةٍ. فالحجُّ جمعهم بالأبدان فقط، بعكس World Cup الذي جمعهم قلباً وقالباً.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
بغضِّ النظر عن القائل وصحَّة نسبة هذا الكلام إليه، فإنَّ اعتبار كأس العالم «أطروحةً أفضلَ من الحجِّ» لا يمثِّل نقداً فكريّاً جادّاً، بل يكشف عن جهلٍ بحقيقة الحجِّ ووظيفته في الإسلام، وعجزٍ عن التمييز بين العبادة والترفيه، وبين بناء الإنسان في الحجِّ وحماسةٍ عابرةٍ تثيرها مباراةٌ وتنتهي بانتهائها.
فالحجُّ لا ينافس كأس العالم في عدد الجماهير، كما أنَّ المسجد لا ينافس المسرح، والجامعة لا تنافس المهرجان، والمقارنة بينهما لمجرَّد أنَّ كليهما يجمع أعداداً كبيرةً تشبه الدعوة إلى إغلاق الجامعات والاستعاضة عنها بالحفلات؛ لأنَّ الحفلات أيضاً تجمع الناس وتمنحهم المتعة.
الحجُّ ليس رحلةً سياحيَّةً، ولا تجمُّعاً بشريّاً غايته التعارف والترفيه، وإنَّما هو عبادةٌ كبرى تعيد ترتيب علاقة الإنسان بالله، وبنفسه، وبالناس، يخرج الحاجُّ من بلده وماله وعاداته، ويتجرَّد من ثيابه ومظاهر طبقته ومكانته، ويلبس ما يلبسه سائر الحجَّاج، ويقف معهم في مكانٍ واحدٍ، ويلبِّي نداءً واحداً، ويطوف حول قبلةٍ واحدةٍ؛ ليتدرَّب عمليّاً على المساواة، والانضباط، والتضحية، والانتماء إلى أمَّةٍ تتجاوز العرق واللون والجنسيَّة.
وقد بيَّن القرآن أنَّ الحجَّ لا يخلو من الأهداف الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة، فقال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: 28]، وهي عبارةٌ واسعةٌ تشمل المنافع الدينيَّة، والاجتماعيَّة، والثقافيَّة، والاقتصاديَّة. وقال تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]، فجعل الحجَّ تدريباً على ضبط الشهوة، واللسان، والسلوك، لا مجرَّد اجتماعٍ للأبدان.
أمَّا القول إنَّ كأس العالم يجمع الناس «قلباً وقالباً»، فهو وصفٌ عاطفيٌّ لا ينسجم مع طبيعة الحدث، فكأس العالم يجمع جماهير منقسمةً إلى منتخباتٍ متنافسةٍ، ترفع كلُّ جماعةٍ علمها، وتتمنَّى هزيمة الأخرى، ثمَّ ينتهي الاجتماع بانتهاء المباريات، ولا عيب في الرياضة، ولا في الترفيه والتواصل بين الشعوب، لكنَّ تحويل منافسةٍ رياضيَّةٍ إلى مشروعٍ روحيٍّ وأخلاقيٍّ بديلٍ عن الحجِّ أمرٌ متهافتٌ.
فكيف أصبحت المنافسة بين الأعلام والهتافات وحدةً قلبيَّةً، بينما صار اجتماع المسلمين على ربٍّ واحدٍ، وقبلةٍ واحدةٍ، وتلبيةٍ واحدةٍ، مجرَّد اجتماعٍ بالأبدان؟ وكيف يكون التعصُّب لمنتخبٍ أكثر قدرةً على توحيد الناس من شعيرةٍ تخلع عنهم مظاهر التفاوت، وتضعهم في لباسٍ واحدٍ، وموقفٍ واحدٍ؟
ثمَّ إنَّ تنازع المسلمين لا يثبت فشل الحجِّ، كما أنَّ الحروب بين الدول المشاركة في كأس العالم لا تثبت فشل الرياضة، فالحجُّ يقدِّم القيم، ويهيِّئ الإنسان لتغيير نفسه، لكنَّه لا يلغي إرادته، ولا يحوِّله آليّاً إلى إنسانٍ كاملٍ. فهل نلغي المدارس؛ لأنَّ بعض خرِّيجيها جهلاء، أو نلغي القانون؛ لأنَّ الجرائم لم تتوقَّف؟ إنَّ فشل بعض المسلمين في تمثُّل أخلاق الحجِّ إدانةٌ لهم، لا للحجِّ.
كما أنَّ ضعف استثمار المسلمين لموسم الحجِّ لا يعني أنَّ الفريضة بلا أهدافٍ اجتماعيَّةٍ أو حضاريَّةٍ؛ فالحجُّ يتيح لقاءً واسعاً بين المسلمين من شعوبٍ، ولغاتٍ، وبيئاتٍ مختلفةٍ، ويمنحهم فرصةً للتعارف، ومعرفة أحوال بعضهم بعضاً، وتبادل الخبرات، وإذا لم تستثمر الأمَّة هذه الفرصة كما ينبغي، فالمشكلة في مستوى وعيها وإدارتها، لا في أصل الفريضة.
ولا معنى للاعتراض بأنَّ الحجَّ لا يقدِّم أهدافاً علميَّةً؛ لأنَّه ليس جامعةً أو مختبراً حتى يُطالب بإنتاج الاكتشافات، فالعبادة تبني الضمير والغاية الأخلاقيَّة التي توجِّه العلم؛ فالعلم يستطيع أن يصنع الدواء والسلاح، لكنَّه لا يقرِّر وحده متى يكون استعمالهما رحمةً أو جريمةً. والحجُّ يشارك في بناء الإنسان الذي يحمل المعرفة ويوجِّهها، لا في أن يحلَّ محلَّ المختبر.
والحجُّ مرتبطٌ بتاريخ التوحيد والتضحية؛ ففيه إبراهيم (عليه السلام) الذي حطَّم الأصنام، وهاجر التي سعت لإنقاذ طفلها، وإسماعيل (عليه السلام) الذي سلَّم لأمر الله، والبيت الذي جعله الله ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: 97]، فمناسكه ليست حركاتٍ فارغةً، وإنَّما استحضارٌ عمليٌّ لمعاني التوحيد، والتسليم، والتضحية، ورفض الخضوع للشيطان والطغيان.
أمَّا كأس العالم فهو نشاطٌ إنسانيٌّ مشروعٌ وممتعٌ في حدوده، لكنَّه لا يجيب عن معنى الوجود، ولا يصل الإنسان بربِّه، ولا يطهِّره من ذنوبه، ولا يمنحه معياراً للحقِّ والباطل. ومن السذاجة جعله بديلاً عن العبادة لمجرَّد أنَّ الناس يلتقون في المدرَّجات، ويتبادلون الفرح.
وفي المحصِّلة، فإنَّ المقارنة بين الحجِّ وكأس العالم ليست تجديداً في فهم الدين، بل خلطٌ بين وظيفتين مختلفتين تماماً، فكأس العالم يجمع الناس لمشاهدة منتخباتٍ تتنافس على كأسٍ، بينما يجمع الحجُّ الناس ليقفوا متساوين بين يدي الله، ويجدِّدوا توحيدهم، ويهذِّبوا أنفسهم، ويشهدوا منافعهم. وإذا كان بعض المسلمين لم يحملوا أخلاق الحجِّ بعد عودتهم، فالعلاج هو أن يفهموا الحجَّ ويعيشوا قيمه، لا أن نرسلهم إلى المدرَّجات ليهتف كلُّ فريقٍ ضدَّ الآخر، ثمَّ نزعم أنَّ التعصُّب للمنتخب حقَّق ما عجز عنه الوقوف بين يدي الله.
اترك تعليق