هل كان ينبغي أن ينزل القرآن بالصينية؟
السؤال: لو كان القرآن صوتاً إلهِيّاً، لتجسَّدت فيه عدالة السَّماء ونزل باللِّسان الصِّينِيِ؛ لأنَّه في ذلك الوقت كان عدد سكَّان الصِّين 250 مليون إنسانٍ خلقه الله وليس الجنَّ، وعدد العرب في الجزيرة العربيَّة قرابة 100 ألفٍ، مع العلم اللُّغات ظواهر اجتماعيَّة تاريخيَّة خاضعة لظروف التَّطوُّر الحضاريِّ والمادِّيِّ، فمثلاً في السيَّارة أكثر من 16 ألف كلمةٍ وهي اكتشافٌ بشريٌّ، فاللُّغة هي صوتٌ بشريٌّ وليس ربَّانِيّاً الله لا يستطيع اليوم مخاطبة الشُّعوب الهنْدِيَّة الأكثر في العالم فلماذا اختار لغة الأقلِّيَّة الصَّحراوِيَّة القاسِية.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الإشكال يبدو لأوَّل وهلةٍ قوِيّاً، لكنَّه في الحقيقة قائمٌ على افتراضاتٍ متعدِّدةٍ غير مبرهنةٍ، بل إنَّ بعضها يؤدِّي إلى نتائج لا يلتزم بها صاحبه نفسه.
فأوَّل ما ينبغي ملاحظته أنّ المعترض يفترض أنّ الرِّسالة العالميَّة يجب أنْ تنزل بلغة أكبر عددٍ من البشر في لحظة نزولها، ثمَّ يبني على ذلك أنّ اختيار العربيَّة دليلٌ على بشريَّة القرآن.
لكنّ السؤال هو: من أين جاء بهذا الشرط أصلاً؟ ولماذا يجب أنْ تكون لغة الوحي هي لغة الأكثريَّة العددِيَّة؟ لو طبَّقنا هذا المعيار على التَّاريخ كلِّه لانهار؛ إذ لم تظهر أيُّ فكرةٍ عالمِيَّةٍ أو فلسفةٍ أو دينٍ أو حضارةٍ أو نظرِيَّةٍ علمِيَّةٍ بلغة جميع البشر أو بلغة أكبر عددٍ منهم. فالفلسفة اليونانِيَّة لم تُكتب بالصِّينِيَّة، والبوذِيَّة لم تظهر بلغة الرُّومان، والمسيحِيَّة لم تنزل بلغة الهند، والنَّظرِيَّات العلمِيَّة الحديثة لم تُكتب أوَّلاً بلغات أفريقيا أو أمريكا الجنوبِيَّة. ومع ذلك لم يقل أحدٌ إنَّ عالمِيَّتها منتفيةٌ بسبب لغة نشأتها.
فالفرق بين لغة الرِّسالة ونطاق الرِّسالة فرقٌ جوهريٌّ؛ اللُّغة وسيلةٌ لنقل الفكرة، أمَّا عالمِيَّة الفكرة فتُقاس بمضمونها وقابليَّتها للانتقال إلى الآخرين، لا بعدد المتحدِّثين باللُّغة الأصلِيَّة لحظة ظهورها.
ثمَّ إنَّ هذا الاعتراض يتضمَّن تصوُّراً غريباً لطبيعة التَّواصل البشريِّ؛ فكلُّ رسالةٍ لا بدَّ أنْ تبدأ من مكانٍ معيَّنٍ ولغةٍ معيَّنةٍ ومجتمعٍ معيَّنٍ؛ لأنَّه لا يوجد شيءٌ اسمه رسالةٌ تُلقى دفعةً واحدةً إلى جميع البشر بجميع لغاتهم في آنٍ واحدٍ.
وحتَّى لو نزل القرآن بالصِّينِيَّة، لكان من حقِّ العربيِّ أنْ يسأل: لماذا لم ينزل بالعربِيَّة وأنا لا أفهم الصِّينِيَّة؟ ولو نزل بالسَّنسكريتِيَّة لاعترض الفارسيُّ، ولو نزل باليونانِيَّة لاعترض الصِّينِيُّ. ومن هنا فإنّ السؤال الحقيقيَّ ليس: لماذا نزل بالعربِيَّة؟ بل: هل توجد ضرورةٌ عقلِيَّةٌ تقتضي أنْ ينزل بلغة الأكثريَّة؟ والجواب: لا.
بل إنّ فكرة الأكثريَّة نفسها متغِيِّرةٌ باستمرارٍ؛ فالصِّين اليوم ليست الصِّين قبل ألفي عامٍ، والهند اليوم ليست الهند القديمة، وعدد النَّاطقين بالإنجليزِيَّة اليوم يفوق أعداداً هائلةً من الأمم القديمة. فهل كان ينبغي للوحي أنْ يتغِيَّر كلَّما تغِيَّرت الإحصاءات السكَّانِيَّة؟
ثمَّ إنّ المعترض يتعامل مع البشر وكأنَّهم مجرَّد أرقامٍ، بينما الرِّسالات لا تُقاس بعدد السكَّان فقط، بل بقدرتها على الانتشار والتَّأثير التاريخيِّ. فالجزيرة العربيَّة كانت تقع في قلب طرق التِّجارة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتحوَّلت خلال عقودٍ قليلةٍ إلى مركزٍ حضاريٍّ انتشر منه الإسلام إلى عشرات الشُّعوب والأمم. والعبرة ليست بعدد العرب عند البعثة، بل بمسار الرِّسالة بعد البعثة.
أما قوله إنّ اللُّغة ظاهرةٌ بشرِيَّةٌ تاريخِيَّةٌ، فهذا صحيحٌ جزئيّاً لكنَّه لا يثبت شيئاً في محلِّ النِّزاع، فكون اللُّغة تتطوَّر تاريخِيّاً لا يعني أنّ الله لا يستطيع أنْ يوحي من خلالها. جميع الكتب السماوِيَّة نزلت بلغاتٍ بشرِيَّةٍ متداولةٍ بين أقوامها. ولم يقل أحدٌ إنّ التَّوراة ليست وحياً لأنَّها نزلت بالعبرِيَّة، أو إنّ الإنجيل ليس وحياً لأنَّه نزل بلغةٍ بشرِيَّةٍ. فاللُّغة البشرِيَّة ليست دليلاً على بشريَّة الرِّسالة، وإلَّا لاستحال وجود أيِّ وحيٍ مفهومٍ للبشر أصلاً.
أما الحديث عن مفردات السيَّارة والطَّائرة والهاتف، فهو خارج محلِّ النِّزاع تماماً؛ لأنّ القرآن لم يدَّعِ أنَّه معجمٌ تقنيٌّ أو كتاب هندسةٍ ميكانيكِيَّةٍ، بل كتاب هدايةٍ، واللُّغات بطبيعتها تخلق ألفاظاً جديدةً كلَّما ظهرت حاجاتٌ جديدةٌ. وهذا يحدث في جميع اللُّغات دون استثناءٍ، ولا علاقة له بمصدر القرآن.
وأمَّا القول إنّ الله «لا يستطيع اليوم مخاطبة الشُّعوب الهنْدِيَّة»، فهو - في الحقيقة - مصادرةٌ بلا دليلٍ، فمن الذي قال إنّ مخاطبة البشر لا تكون إلَّا بالنُّزول المباشر بلغتهم؟ إنّ ملايين المسلمين في الهند وإندونيسيا والصِّين وتركيا وإفريقيا يقرؤون القرآن بلغته الأصلِيَّة ويعرفون معانيه عبر التَّرجمة والتَّعليم، تماماً كما تُدرَّس العلوم والفلسفات والآداب العالميَّة بلغاتٍ مختلفةٍ دون أنْ تفقد قيمتها أو قدرتها على التَّأثير.
وفي المحصِّلة، فإنّ هذا الاعتراض يخلط بين عالمِيَّة الرِّسالة وعالمِيَّة اللُّغة، فالرِّسالة العالميَّة لا يلزم أنْ تبدأ بلغة جميع البشر، بل يكفي أنْ تكون قابلةً للوصول إلى جميع البشر، ولو جعلنا عدد المتحدِّثين باللُّغة شرطاً في صدق الرِّسالة، لما بقيت رسالةٌ ولا فلسفةٌ ولا نظرِيَّةٌ عالمِيَّةٌ في التَّاريخ كلِّه، ولذلك فإنّ نزول القرآن بالعربِيَّة لا يدلُّ على بشريَّته، بل يدلُّ على أمرٍ بديهيٍّ، وهو أنّ أيَّ رسالةٍ لا بدَّ أنْ تبدأ بلغة قومها أوَّلاً قبل أنْ تنطلق إلى سائر الأمم.
اترك تعليق