ما هي معجزة هود عليه السلام؟

سؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ماهي معجزة النبي هود عليه السلام من القرآن والتاريخ؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

يبدو أنّ منشأ هذا السّؤال هو ما جاء في قوله تعالى: (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)، فالآية تتحدثُ عن مطالبة قوم هود له بأن يأتيهم بمعجزة تؤكّدُ صدقَ دعواه، والإشكالُ الذي يترتبُ على ذلك هو أنّ نبيّ الله هود (عليه السلام) إمّا أنهُ استجابَ لطلبهم وإمّا لم يستجب، فإن كان قد استجاب؛ فما هي معجزته؟ وإن لم يستجب حينها يكون قومهُ معذورين.

وفي الإجابةِ على ذلك يرى بعض العلماء والباحثين، أنّ معجزةَ هود عليه السلام، تتمثلُ في رسوخهِ وثباته على دعوة قومهِ إلى التوحيد، إنفاذًا لأمر الله، ثم تأييد الله له بالريح الصرصر العاتية، التي جعلت هؤلاء الجبابرةَ من قوم عاد صرعى كأعجاز نخلٍ خاوية، إلا أنّ البعض قال إنّ العذاب ليس حجةً إعجازية؛ لأنّ العذاب يأتي بعد المعجزةِ وليس هو نفسهُ المعجزة.

وعدمُ ذكر القرآن لمعجزة هود لا يعني عدم حدوثها؛ والدليلُ على ذلك قولهُ تعالى: (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ)، فالآية تؤكّدُ حصولَ الآيات والمعاجز في قوم عاد إلا أنهم جحدوا بها وأنكروها، وعليه يحمل قولهم: (ما جئتنا ببينة) على إنكارهم للبينة لا أنّهُ لم يأتِ بها حقاً.

وقال بعضهم ما ذكرهُ القرآنُ كآية موسى وعيسى وصالح وغيرهم من الأنبياء آمنـا به إجمالاً وتفصيلاً، وما سكتَ عنه القرآن كآية إلياس واليسع وغيرهما من الأنبياء فلا ينبغي التكلفُ في البحث عنه.

وجاء في تفسير الأمثل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي قوله: "ما جاء في دعوة هود هو الدعوة إلى الله الواحد الأحد، والتوبة إليه والاستغفار من الذنوب، ونفي أي نوع من أنواع الشرك وعبادة الأوثان، كلّ هذه المسائل يمكن اثباتها بالدليل العقلي. فعلى هذا، إن كان المقصود من قولهم: ما جئتنا ببينة هو نفي الدليل العقلي، فكلامهم هذا غيرُ صحيح قطعاً. وإذا كان المقصودُ هو نفي المعجزة، فإنّ هذا الادعاء لا يحتاج إلى معجزة" (الأمثل ج6 ص 570)

وفي المحصّلةِ لم يذكر القرآن طبيعةَ المعجزة التي جاء بها نبيّ الله هود (عليه السلام)، ولا يعني ذلك أنّهُ لم يأتهم بمعجزة، وكلّ ما في الأمر لم يخبرنا القرآن عنها.

ولكي تتم الفائدة نذكرُ ما جاء في تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي في هذا الشأن، يقول: "قوله تعالى: (قالوا يا هود ما جئتنا ببينةٍ وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين) سألهم هود في قوله: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره) إلى آخر الآيات الثلاث أمرين هما: أن يتركوا آلهتهم ويعودوا إلى عبادة الله وحده، وأن يؤمنوا به ويطيعوه فيما ينصح لهم، فردّوا عليه القول بما في هذه الآية إجمالاً وتفصيلاً:

أمّا إجمالاً فبقولهم: (ما جئتنا ببينة) يعنونُ أنّ دعوتكَ خاليةٌ عن الحجة والآية المعجزة ولا موجب للإصغاء إلى ما هذا شأنه.

وأمّا تفصيلاً فقد أجابوا عن دعوته إياهم إلى رفض الشركاء بقولهم: (وما نحنُ بتاركي آلهتنا عن قولك)، وعن دعوتهِ إياهم إلى الإيمان والطاعة بقولهم: (وما نحن لك بمؤمنين) فآيسوهُ في كلتا المسألتين.

ثم ذكروا له ما ارتاؤا فيه من الرأي لييأس من إجابتهم بالمرة فقالوا: (إن نقول إلا اعتراكَ بعض آلهتنا بسوء) والاعتراءُ الاعتراضُ والإصابة، يقولون: إنما نعتقد في أمرك أنّ بعض آلهتنا أصابك بسوء كالخبل والجنون لشتمك إياها وذكرك لها بسوء فذهب بذلك عقلك فلا يعبأ بما تفوّهتَ به في صورةِ الدعوة.

قولهُ تعالى: (قال إني أشهِدُ الله واشهدوا أني برئ ممّا تشركونَ من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون) أجاب هود عليه السلام عن قولهم بإظهار البراءة من شركائهم من دون الله ثم التحدي عليهم بأن يكيدوا به جميعا ولا ينظروه...

وإنما أجاب عليه السلام بما أجاب ليشاهد القوم من آلهتهم أنها لا تمسه عليه السلام بسوء مع تبرزه بالبراءة، ولو كانت آلهة ذات علم وقدرة لقهرته وانتقمت منه لنفسها كما ادعوا أنّ بعض آلهتهم اعتراه بسوء وهذه حجةٌ بينة على أنها ليست بآلهة وعلى أنها لم تعترهِ بسوء كما ادعوه، ثم يشاهدوا من أنفسهم أنهم لا يقدرونَ عليه بقتلٍ أو تنكيلٍ مع كونهم ذوي شدة وقوة لا يعادلهم غيرهم في الشدة والبطش، ولولا أنه نبيٌّ من عند الله صادقٌ في ما يقوله مصونٌ من عند ربه لقدروا عليه بكلّ ما أرادوه من عذاب أو دفع.

ومن هنا يظهر وجه إشهاده عليه السلام في تبريه ربه سبحانه وقومه، أمّا إشهاده الله فليكون تبريه على حقيقته وعن ظهر القلب من غير تزويق ونفاق، وأما إشهاده إياهم فليعلموا به ثم يشاهدوا ما يجرى عليه الأمر من سكوت آلهتهم وعجز أنفسهم من الانتقام منه ومن تنكيله.

وظهر أيضا صحةُ ما احتملهُ بعضهم أنّ هذا التعجيز هو معجزة هود عليه السلام ذلك أنّ ظاهر الجواب أن يقطع به ما ذكر من الردّ في صورة الحجة، وفيها قولهم: (ما جئتنا ببينة) ومن المستبعدِ جداً أن يهملَ النبيّ هود عليه السلام في دعوته وحجته التعرضَ للجواب عنه مع كون هذا التحدي والتعجيز صالحاً في نفسه لان يتخذَ آية معجزة كما أن التبري من الشركاء من دون الله صالح لأن يكشفَ عن عدم كونهم آلهة من دون الله وعن أنّ بعض آلهتهم لم يعتره بسوء.

فالحقُ أنّ قوله: (إني أشهد الله واشهدوا) إلى آخر الآيتين مشتملٌ على حجةٍ عقلية على بطلان ألوهية الشركاء، وعلى آيةٍ معجزةٍ لصحة رسالة هود عليه السلام.

وفي قوله (جميعاً) إشارةٌ إلى أنّ مراده تعجيزهم وتعجيز آلهتهم جميعاً فيكون أتم دلالة على كونهِ على الحق وكونهم على الباطل.

قوله تعالى: (إني توكلتُ على الله ربي وربكم) إلى آخر الآية. لمّا كان الأمرُ الذي في صورة التعجيز صالحاً لأن يكون بداعي إظهار عجز الخصم وعدم قدرته، وصالحاً لأن يصدر بداعي أنّ الآمرَ لا يخافُ الخصم وإن كان الخصمُ قادراً على الاتيان بما يؤمر به لكنه غير قادر على تخويفهِ وإكراههِ على الطاعة وحملهِ على ما يريد منه كقول السحرة لفرعون: (فاقضِ ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا)

فتبريه من أصنامهم وتعجيزهم على ما هم عليه من الحال بقوله: (فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون) ثم لبثه بينهم في عافيةٍ وسلامةٍ لا يمسونهُ بسوء ولا يستطيعون أن ينالوه بشر آيةٌ معجزةٌ وحجةٌ سماويةٌ على أنّهُ رسول الله إليهم" (الميزان ج 10 ص 300).