هل هناك فرق بين أسباب غيبة الإمام وبين الحِكمة من ذلك؟

سؤال: قال الإمام المهدي (عج): "وأمّا علة ما وقع من الغيبة فإنّ الله عز وجل يقول يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ" (بحار الأنوار ج : 53 ص : 181) ثم أنّ هناك روايات اخرى تتحدث عن سبب الغيبة وتقول إمّا خوفاً من الموت أو عدم اكتمال العدة أو لتهيئة الأسباب وهكذا...لماذا وجود كلّ هذا التعارض.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

لابدّ أن نشيرَ أولاً إلى ملاحظةٍ عامةٍ وهي أنّ البحث عن الحِكمة من غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) ليس من باب التدخلِ في كشف ما هو غيب، أو معرفة ما سترهُ الله، حتى يكون في الأمر تدخّلٌ في ما اختصّ به الله لنفسهِ من تدبير وحِكمة، وإنما من باب معرفة ما يتصل بالإنسان من قضية الغيبة، فكما أنّ الحِكمة من قضية الخلق في ما يتصلُ بالإنسان هي العبادة، فكذلك نبحثُ عن الغيبة في ما يتصلُ بالإنسان من حِكمة.

والمدخلُ الطبيعيّ لاكتشاف هذه الحِكمة والاقتراب منها، هو البحثُ عن سبب الغيبة لأنه يشكلُ العاملَ المباشرَ في معرفةِ حيثيات الغيبة، مع العلم أنّ معرفة الأسباب لا يعني بالضرورة معرفة الحِكمة والعلة التامة من الغيبة.

وبالتالي لا بدّ أن نفرق بين السبب وبين الحِكمة، فمثلاً السبب في بناء المدرسة هو المهندس، ولكنّ الحِكمة من البناء شيء آخر، كما أنّ خروج آدم من الجنة كان بسبب أكلهِ من الشجرة، إلا أنّ هناك حِكمة في ذلك الخروج كما هو معلوم، وقد تتداخلُ الحِكمة مع السبب في بعض الأمثلة، إلا أنه لا بدّ من وجودِ مسافةٍ تفصلُ بينهما.

ما هو مطروحٌ عند الشيعة، أنّ السببّ في الغيبة هو الخوف من القتل، وقد روى الكلينيّ في الكافي، والصدوقُ في إكمال الدين، مجموعة رواياتٍ عن الإمام الصادق (عليه السلام)، تشيرُ إلى أنّ سبب الغيبة هو التقية والخوف على الحياة.

وقال الشيخ المفيد في الإرشاد: "خلف الحسنَ ابنُه المنتظرُ لدولة الحق، وكان قد أخفى مولده وستر أمره، لصعوبة الوقتِ وشدة طلبِ سلطان الزمان له، واجتهاده في البحث عن أمره، لِما شاعَ من مذهب الإمامة فيه وعرف من انتظارهم له، فلم يظهر ولده في حياته، ولا عرفه الجمهور بعد وفاته" (الارشاد – الشيخ المفيد ج2 ص 336)

وأكّدَ السيد المرتضى: "إنّ سبب غيبته إخافةُ الظالمين له ومنعُهم يده عن التصرفِ فيما جُعل إليه التدبير والتصرف فيه..، فإذا حيلَ بينه وبين مراده، سقط عنه فرض القيام بالإمامة، وإذا خاف على نفسه وجبت غيبتهُ ولزم استتاره" (رسائل المرتضى 2/295)

وحصرَ الطوسيّ أسباب الغيبة في الخوف بقوله: "لا علة تمنعُ من ظهوره (عليه السلام) إلّا خوفهُ على نفسه من القتل، لأنه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار، وكان يتحمّلُ المشاق والأذى، فإنّ منازل الأئمة وكذلك الأنبياء، إنما تعظم منزلتهم لتحملهم المشاق العظيمة في ذات الله" (الغيبة ص 329).

ومن الواضح، أنّ الخصوصية التي أشار إليها هؤلاء الأعلام في المهدي دون غيرهِ من الأئمة، هي كونهُ آخرهم، وبالتالي، فإنّ سترهُ حتى يتمكّن من القيام بدوره أوجبُ من ظهوره وقتلهِ دون الوصول إلى غايته.

وعليه إنّ كلّ ما تقدمَ من أسباب يدور حول الظروف العامّة التي صاحبت الغيبة ولا تتحدثُ عن العلةِ التامةِ أو الحِكمةِ النهائية لكونها من الأمور الغيبية التي اختصَّ بها الله تعالى وحده، لذا ورد في الروايات أنّ الغيبة من الأسرار الإلهية التي خفيت عنّا، ولا يمكنُ التعرّفُ عليها إلّا بعد الظهور للإمام (عجّل الله فرجه)، فقد روى الشيخ الصدوق: عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري قال: دخلتُ على أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) وأنا أريد أن أسألهُ عن الخلفِ من بعده، فقال لي مبتدئاً: "يا أحمد بن إسحاق، إنَّ الله تبارك وتعالى لم يخلِ الأرض منذ خلق آدم (عليه السلام) ولا يخليها إلى أن تقومَ الساعةُ من حجّةٍ لله على خلقه، به يدفعُ البلاء عن أهل الأرض، وبه ينزلُ الغيث، وبه يخرج بركات الأرض... يا أحمد بن إسحاق: هذا أمرٌ من أمر الله، وسرٌّ من سرّ الله، وغيبٌ من غيب الله، فخذ ما آتيتك واكتمهُ وكن من الشاكرين تكن معنا غداً في عليين" (كمال الدين وتمام النعمة: ٣٨٤-٣٨٥)

وروى الشيخ الصدوقُ عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: سمعتُ الصادقَ جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول: "إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبةً لابد منها، يرتابُ فيها كلّ مبطل"، فقلت: ولمَ جعلتُ فداك؟ قال: "لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم" قلت: فما وجهُ الحكمة في غيبته؟ قال: "وجهُ الحكمة في غيبته وجهُ الحكمة في غيباتِ من تقدمهُ من حجج الله تعالى ذكره، إنّ وجهَ الحكمة في ذلك لا ينكشف إلّا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجهُ الحكمة فيما أتاهُ الخضر (عليه السلام) من خرقِ السفينة، وقتلِ الغلام، وإقامةِ الجدار لموسى (عليه السلام) إلى وقت افتراقهما.

يا بن الفضل: إنّ هذا الأمر أمرٌ من (أمر) الله تعالى وسرٌّ من سرّ الله، وغيبٌ من غيب الله، ومتى علمنا أنهُ (عزَّ وجلَّ) حكيمٌ صدقنا بأنّ أفعاله كلها حكمةٌ وإن كان وجهها غير منكشف" (كمال الدين وتمام النعمة: ٤٨١-٤٨٢)

والروايةُ التي أشار إليها السائلُ إذا نظرنا لها بتمامها نجدُ أنها جمعت بين الأمرين؛ بين ملابساتِ الغيبة والظروفُ التي شكلت أسباب الغيبة، وبين الأمر بعدم السؤالِ عن الحِكمة والعلة التامة لكونها من الأمور الغيبية، حيث جاءَ في الروايةِ عن إسحاق بن يعقوب أنه وردَ عليه من الناحيةِ المقدّسةِ على يد محمد بن عثمان: "وأمّا علةُ ما وقعَ من الغيبة فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: "يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياءَ إن تبدَ لكم تسؤكم" إنه لم يكن أحدٌ من آبائي إلا وقعت في عنقهِ بيعةٌ لطاغيةِ زمانه، وإني أخرجُ حين أخرج ولا بيعة لأحدٍ من الطواغيتِ في عنقي، وأمّا وجهُ الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الابصار السّحاب، وإنّي لأمانٌ لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمانٌ لأهل السماء، فاغلقوا أبوابَ السؤال عمّا لا يعنيكم، ولا تتكلفوا على ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاءَ بتعجيل الفرج، فإنّ ذلك فرجكم، والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبعَ الهدى"

فمع أنّ الرواية نهت عن السؤال إلا أنها بينت أحدَ أسبابِ غيبته وهي " إنه لم يكن أحدٌ من آبائي إلا وقعت في عنقهِ بيعةٌ لطاغيةِ زمانه، وإني أخرجُ حين أخرجُ ولا بيعة لأحدٍ من الطواغيت في عنقي"

وفي المحصّلةِ ليس هناك تناقضٌ إذا فرقنا بين أسباب الغيبةِ وظروفها الموضوعية وبين علةِ الغيبةِ وحِكمتها.