من سيرة العلامة الأميني (1320هـ ـ 1390هـ)

السؤال: هل يمكن أن تذكروا لنا سيرة العلّامة الأمينيّ مصنّف كتاب الغدير؟

: الشيخ مروان خليفات

الجواب:

لدى أتباع أهل البيت (عليهم السلام) علماء عظام، أفنوا حياتهم في الدفاع عن أهل البيت (عليهم السلام)، وإثبات حقّهم المغتصَب، وهؤلاء ظهروا عبر فترات التاريخ المختلفة، وفي القرن الميلاديّ المنصرم ظهرت شخصية قلّ نظيرها في البحث والتتبّع والسفر؛ لأجل توثيق نصّ، أو العثور على كتابٍ له علاقة بتراث الطائفة وعقائدها.

هو عبد الحسين بن أحمد الأمينيّ التبريزيّ النجفيّ. كان عالماً، عابداً، ورعاً تقيّاً، ولد عام 1320 هـ في بيت علم وتقوى.

دراسته:

بدأ دراسته في مدينة تبريز في إيران، وأنهى دراسة السطوح، ثمّ هاجر إلى النجف لإكمال دراسته، فتتلمذ عند السيد أبو الحسن الأصفهانيّ، والشيخ عبد الكريم الحائريّ، والميرزا محمّد حسين النائينيّ وغيرهم من الفطاحل، حتّى حاز درجة الاجتهاد، وصار من العلماء الذين يُشار إليهم.

تأليفه موسوعة الغدير:

وتفرّغ حينها لتأليف موسوعته: (الغدير في الكتاب والسنة والأدب)، والتي تناول فيها حديث الغدير، وكلّ ما يتعلّق به من بحوث، فكان كتابه دائرة معارف فريدة، يرجع إليها طلّاب العلم والباحثون والخطباء والشعراء والقّراء بمختلف مذاهبهم. وقد تُرجم كتاب الغدير إلى عدّة لغات، من بينها الإنجليزيّة والفارسيّة والأورديّة.

لاقى كتاب الغدير إقبالاً واسعاً من جمهور العلماء والقرّاء، وقرّض الكتابَ مجموعةٌ من علماء أهل السنّة المنصفين، وقدّموا له مقدّمات مهمّة، مشيدين بالكتاب وبراعة مؤلّفه وموسوعيّته. ولقد صدقوا، فكتاب الغدير موسوعة شاملة تحوي بحوثاً في الحديث والرجال والتاريخ والملل والنحل والكلام والفلسفة واللغة والأدب.

مكتبته:

أسّس العلّامة الأمينيّ (عليه الرحمة) مكتبة أمير المؤمنين في النجف، التي حوت آلافاً من الكتب المهمّة، ولقد جاب أقطاراً كثيرة - كالهند والشام وإيران - باحثاً عن الكتب الثمينة، فكان يستنسخها بيده أو يصوّرها؛ لتكون في المكتبة التي أسّسها، ولمزيد من المعلومات راجع مقدّمة كتاب: ربع قرن مع العلامة الأمينيّ، للحاج حسين الشاكريّ.

حواراته:

له مناظرات وحوارات كثيرة مع علماء سائر المذاهب، وأكتفي هنا بذكر هذا الحوار الذي ذكره صديقه الحاج حسين الشاكريّ، فقد سمع الشيخ الأمينيّ: أنّ أحد أساتذة الأعظميّة في بغداد ألّف كتاباً عن الإمام عليّ (عليه السلام)، فرحل العلّامة إليه ليطّلع على الكتاب، وكان قبل ذلك قد قرأ قصيدةً لذاك الرجل في أهل البيت (عليهم السلام)..

فكان ممّا قاله العلّامة الأمينيّ لذاك المؤلّف: (وإنْ كنتَ - أنت أيّها الأستاذ - قد اتّبعت في تأليفك طريقة العقّاد فأراني في غنىً عن مطالعته، وإنْ اتّبعت في كتابك سيرة السلف، واعتمدت في بحثك على كتاب الله وسنّة نبيّه، فسأكون شاكراً لك لو سمحت لي بمطالعته.

أجاب الأستاذ الأعظميّ قائلاً: كلّا يا شيخ، أنا سرتُ في كتابي على كتاب الله وسنّة نبيّه، وسأكون شاكراً لك مدى الحياة لو سبرتَ كتابي بدقّة، وأخذتَ عليَّ ما فاتني مع ما أفضتَه عليّ من حديثك العلميّ.

قلتُ له: هات بحثك، وأظهر رؤوس عناوينه.

فأوعز إلى أحد أنجاله بذلك، فأحضر ملفّاً ضخماً كبيراً، وقال: أنا قمت بتحليل شخصيّة الإمام شرحاً وبياناً في الكلام حول أربعة أحاديث:

الأوّل: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): « عليّ مع الحقّ، والحقّ مع عليّ، يدور الحقّ معه حيثما دار ».

قلت له: أ ترى هذه فضيلة تخصّ عليّاً (سلام الله عليه)؟

قال: بلى، ولم يشاركه فيه أيّ ابن أنثى.

قلت: فما تقول في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): « عمّار مع الحقّ، والحقّ مع عمّار، يدور عمّار مع الحقّ حيثما دار »؟ وأوعزتُ إلى مصادر الحديث.

وُجم الأستاذ حينما سمع ذلك، وطأطأ برأسه، وطرأ على الحفل هدوءٌ مشفوع بتأثّر مزعج، وبعد دقائق رفع الأستاذ رأسه، وقال: شيخنا، نسفت ربع البحث بحديثك، وقضيتَ على الحول الذي بذلتَه دونه.

قلت له: بل أحييتُ لك كتابك، وأظهرت لك بالحديث الذي ذكرته ما خفي عنك وعن الصحابة قبلك السرّ الكامن فيه.

قال: وما ذلك؟

قلت: عندما أصحر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بحديثه حول عليّ (سلام الله عليه)، لم يدرك المجتمع الإسلاميّ الناحية الهامّة الكامنة في الحديث، لذلك أصحر بحديثه حول عمّار ليدرك المجتمع مكانة عليّ (سلام الله عليه) الإلهية بذلك. ففي حديث عليّ (عليه السلام) جعل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً محوراً للحقّ وقطبَ رحاه، قال: « عليّ مع الحقّ، والحقّ مع عليّ، يدور الحقّ مع عليّ حيثما دار عليّ »، وفي حديث عمّار قال: « عمّار مع الحقّ، والحقّ مع عمّار، يدور عمّار مع الحقّ حيثما دار الحقّ ».

وبهذا أراد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبيّن للعالم أنّ عليّاً (عليه السلام) هو قطب رحى الحقّ، والحقّ يدور معه حيثما دار هو (سلام الله عليه)، وكلّ طالب للحقّ عليه أن يكون على صلة في عليّ (عليه السلام)، كي يتسنّى له أن يعرف الحقّ، ويتّصل به، ويسير على نهجه.

هنا طرأ على الأستاذ وأنجاله فرحةٌ وسرور، فقالوا - بصوت عالٍ -: الله أكبر، الله أكبر، ما أحلاه من شرح وتوضيح يُقام له ويقعد). ربع قرن مع العلّامة الأمينيّ ص 68.

مؤلفاته:

ـ الغدير في الكتاب والسنة والأدب، هذا الكتاب الذي أعطاه ساعات عمره، وخلاصة فكره، وعصارة عقله، أمضى نصف قرن من حياته في تأليفه، كما يقول ابنه رضا الأمينيّ في مقدّمته على كتاب الغدير.

ـ تفسير فاتحة الكتاب.

ـ كامل الزيارات، لابن قولويه، تحقيق الشيخ الأمينيّ.

ـ أدب الزائر لمن يمم الحائر.

ـ سيرتنا وسنتنا.

ـ رجال آذربيجان.

ـ ثمرات الأسفار.

وغيرها.

وفاته:

بعد رحلة طويلة في فضاء العلم والتصنيف مليئة بالعطاء والبركة، مات العلامة الأميني في يوم الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة 1390 هجريّة، بسبب مرض ألمّ به، ودفن في المقبرة التي أعدّها في حياته، وهي جنب مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان يوماً مشهوداً حيث شُيّع من طهران إلى كربلاء إلى مثواه الأخير قرب أمير المؤمنين (عليه السلام).