هل عدم العلمانية هو السبب في تخلف العالم الإسلامي؟

الدول العلمانية التي ينتقدها البعض باستمرار، هي نفسها التي تتقدم وتتطور دائماً، وهي الدول التي نعتمد عليها في الغذاء والدواء والشفاء، وهي الدول التي نؤمن بأنها تدافع عن المسلمين أكثر من دولنا، ولكننا إلى اليوم نعتقد أن العلمانية كفر وإلحاد، وإنها سبب تخلفنا، وليس نحن وأفكارنا.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

أكدنا في أجوبة سابقة على وجود عوامل متعددة أسهمت في إيجاد ما يسمى بالحضارة الغربية، وقد بدأ ذلك التحول منذ بدايات القرن الثاني عشر تقريباً، ثم تسارع بشكل كبير في الفترة الممتدة ما بين القرن الرابع عشر والقرن السابع عشر.

وعليه من السذاجة إرجاع تلك التحولات التي حدثت في الغرب إلى عامل واحد وهو إبعاد الدين عن المشهد السياسي والاجتماعي، فالتقدم والتطور الذي يشير إليه السائل هو نتاج طبيعي لتحولات ضخمة في شتى الجوانب الحضارية، فالتطور العلمي، والانتعاش التجاري والصناعي، والتحول الكبير على مستوى الإنسان الأوربي والتبدلات التي حدثت على مستوى الثقافية المجتمعية، تعد جميعها من العوامل المهمة في خلق النهضة الأوربية.

ومما لا يخفى أن العامل الأكثر تأثيراً في أي نهضة حضارية يعود بشكل أساس إلى التحولات التي تحدث على مستوى الإنسان، فتحريك العجلة السياسية والاقتصادية وتحقيق التنمية في كل المجالات لا يتحقق إلا من خلال الإنسان المقتدر حضارياً، وهو الأمر الذي يفتقده إنسان ما يسمى بالعالم الثالث.

والذي يؤكد ذلك هو حجم التخلف الحضاري الذي تشهده الكثير من البلدان الإفريقية التي تستبعد الدين تماماً عن نظامها السياسي والاجتماعي.

فعندما تكون الأمة ضعيفة ومتخلفة علمياً وأخلاقياً لا ينفعها إذا كان كتابها أفضل الكتب ونبيها أفضل الأنبياء، فحتى لو تخلت جميع الشعوب المتخلفة عن دينها فإن ذلك لن يغير شيء في واقعها المتخلف، وقد تخلت بالفعل معظم الأنظمة السياسية في المنطقة عن الإسلام ولا تزال تعاني نفس التخلف والرجعية.

وبعبارة أخرى: إن التقدم والنهوض له علاقة بالإنسان، فالإنسان الذي يحمل وعياً تقدمياً وثقافة حية ومتطلعة نحو المستقبل هو الوحيد القادر على بناء واقع أفضل، فالتخلف في الحقيقة هو تخلف الإنسان وليس شيئاً آخر، والحضارة قبل أن تكون منتجاً مادياً هي منتج معرفي وقيمي وثقافي وسلوكي، وكل ذلك لا يمكن استيراده أو فرضه على أية أمة ما لم يكن نابعاً من صميم وجودها ووعيها الخاص بها.

ومما لا شك فيه أن الأمة الإسلامية كانت ضحية تجارب سياسية عملت على إفراغ الإسلام من محتواه الحضاري، الأمر الذي جعل ارتباط الأمة بالإسلام ارتباطاً مشوهاً على مستوى المعرفة والقيم والثقافة والسلوك، والسبب في ذلك يعود إلى الانحراف الذي حدث في المسار التاريخي للإسلام بعد انتقال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى، إذ ابتُلِيَ الإسلام بأنظمة حُكْمٍ عملت على إفراغ الإسلام من محتواه القيمي والحضاري.

فالنظام السياسي المنعكس من واقع التجربة التأريخية للمسلمين يتحمل مسؤوليته الإنسان الذي حرّف الدين وأنحرف بمسار الرسالة، وبعض الإشكالات التي تثيرها التيارات اللادينية في هذا الحقل نسلّم بها، بل أكثر من ذلك فكل ما وقع في التاريخ السياسي من سقيفة بني ساعدة ومروراً بالحكومات الأموية والعباسية وإلى يومنا هذا لا نجد فيه نظاماً يمكن نسبته للإسلام بأي وجه من الوجوه.

وما يهمنا هنا هو التأكيد على أن الدين بما هو دين لا يمكن أن يعزز الواقع السلبي للأمة، والمعيار الذي نحاكم به أي خطاب إسلامي، هو ما يمكن أن يحققه هذا الخطاب في واقع الحياة الدنيا قبل الآخرة، فالخطاب الذي يهمل الحياة ويجعل من المسلم إنساناً فاشلاً في الحياة، هذا الخطاب هو الذي يجب أن يدان.

وفي المحصلة أن تحول الأنظمة السياسية إلى أنظمة علمانية لا يعد حلاً حقيقياً لمشكلاتنا الحضارية، ومن هنا يجب أن تتظافر الجهود في بذل الجهد من أجل الارتقاء بالإنسان المسلم علمياً وفكرياً وثقافياً وتربوياً، وقبل كل ذلك لابد من إعادة الثقة للإنسان المسلم في نفسه وفي دينه، وما تنادي به العلمانية هي مجرد معالجات سطحية لا تلامس مشكلات منطقتنا الإسلامية.

فالإسلام هوية ثقافية وقيمية يمثل ضرورة لأي تحول حضاري في المنطقة، والثغرات الملحوظة في الحضارة الغربية تعد نتاجاً طبيعياً للاستبعاد الممنهج للسلطة الروحية والأخلاقية.

فبدلاً من أن يعمل المثقف العربي والإسلامي على ضعضعة الثقة بالإسلام من خلال تضخيم المنجز الغربي، يجب أن يكرس جهده في إنتاج حضارة محلية أساسها القيم الإسلامية.

وكان من الممكن في الإجابة عن هذا السؤال مهاجمة الحضارة الغربية والكشف عن عيوبها الحضارية، بل مجرد الإشارة إلى ما صنعه الاستعمار الغربي في دول المنطقة وسرقة ثرواتها كافٍ للتشكيك في شرعية تلك الحضارة.

إلا أن ذلك لا يقدم حلاً عملياً لواقعنا المتخلف، وقد قلنا في إجابات سابقة يجب التأكيد على أهمية الإنسان في خطابنا الإسلامي، ومقاربة الحقائق الدينية بالشكل الذي تعزز محورية الإنسان، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) فإذا أضاع الإنسان كرامته وأهمل إنسانيته فإنه حتماً سيضيّع حياته ورزقه وتميزه وبالتالي حضارته.