هل برود الملحد يثبت صحّة موقفه؟

السؤال: لن تجد المُلحد ينكر وجود الله بحرقة، ستراه يتكلَّم بكلِّ برودٍ عن الموضوع، على العكس من نظيره الدينيِّ الذي يحاول أنْ يثبت وجود الله كما لو كان الله أباه أو أمَّه، وهذا يثبت التحيز العاطفيّ الكبير الموجود عند المؤمن حتى قبل أنْ تنظر الى نقاشه، وهذا ما تطرق له الفيلسوف الهنديُّ (أوشو) عندما ذكر بأنَّ اختراعنا للإله جاء من حاجتنا الأبويَّة له.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

حين يقول البعض: إنّ المؤمن يتحدّث عن وجود الله بحرقةٍ وانفعال، بينما يتحدّث اللادينيُّ عن إنكار الله ببرود، فهذا ليس دليلاً على تحيّزٍ عاطفيّ، بل على عمق العلاقة الوجدانيّة التي تجمع الإنسان بخالقه، وهي علاقةٌ فطريّةٌ مغروسةٌ في أعماق النفس.

فالإنسان لا يدافع عن فكرةٍ مجرّدةٍ، أو عن فرضيّةٍ عقليّةٍ باردة، بل عن الحقيقة التي تنبض بها فطرته ويشهد لها كيانه كلُّه، وقد رُكّب الإنسان على هذه الفطرة، كما قال الله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم:30]. فالحماسة هنا ليست ضعفاً في الحجّة، بل انعكاسٌ للحقيقة التي تملأ القلب نوراً، والعقل برهاناً، والوجدان حضوراً.

ومع ذلك، فإنّ الخطاب القرآنيّ في جوهره يتّسم بالهدوء والثقة، وعدم الحاجة إلى الانفعال أو التعصب؛ فالقرآن الكريم يقول: {قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]، ويقول أيضاً: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [طه: 2-3]، ممّا يدلّ على أنّ الحقّ في ذاته قائمٌ بذاته، غنيٌّ عن الانفعال، وإنّما المؤمن يتبع نداء الفطرة والعقل معاً، وهو مطمئنٌّ أنّ الهداية لمن طلبها بإخلاص، لا لمن استكبر أو جادل بغير حقّ.

أمّا اللادينيُّ الذي يتحدّث عن نفي الله ببرود، فهذا البرود ليس فضيلةً كما يحاول أنْ يُوهِمَ الآخرين، بل علامةٌ على فراغٍ روحيٍّ، وخواءٍ وجوديّ، وبرود القلب تجاه أعمق قضيّةٍ في الوجود. فليس البرود معيار صحّة الموقف، كما أنّ الحماسة ليست معيار خطئه.

ولئن كان بعضهم يظنّ أنَّ الهدوء الظاهريَّ يكفي لإضفاء مسحةٍ عقلانيّةٍ على قوله، فإنّ الحقيقة أنّ إنكار الله ـ الذي هو أعظم حقيقةٍ في الوجود ـ لا يمكن أنْ يكون موقفاً عقلانيّاً بارداً إلّا إذا ماتت الفطرة، وتبلَّدت الأحاسيس، وخمدت بقايا النور الإلهيّ في النفس.

ثمّ إنّ الادّعاء بأنّ اللادينيَّ يتحدّث عن إنكار الله ببرود هو تسهيلٌ مخلٌّ وغير دقيق، فلو كان الأمر بروداً حقيقيّاً لَـمَا رأيتَ هذه الحملات المستمرّة من بعضهم للطعن في الدين والاستهزاء بالمؤمنين. فالبرود الحقيقيّ يكون عند مَن لا يهتمّ أصلاً بموضوعٍ معيّنٍ ولا يرى له أثراً فيه، أمّا أنْ يخصِّص البعضُ حياتَهم للطعن والسخرية والمجادلة، فهذا يدلّ على أنّ القضية تمسّ أعماقهم أكثر ممّا يدّعون.

ولعلّ أفضل دليلٍ عمليٍّ على أنّ اللادينيّة لا تخلو من مشاعر العداء المكبوتة: هو ما حدث حين تحوّل الإلحاد إلى قوّةٍ سياسيّةٍ، كما حدث في الاتحاد السوفيتيّ تحت لواء الشيوعيّة؛ حيث لم يتعامل مع الإيمان ببرود، ولا بلا مبالاة، بل حارب الدين بكلّ عنفٍ وقسوة؛ إذ أُغلقت الكنائس والمساجد والمعابد، واضطُهد رجال الدين، وقُتل الآلاف منهم، وهُدِمت دور العبادة أو حُوّلت إلى متاحف للإلحاد.

ولو كان موقف الإلحاد بروداً عقلانيّاً - كما يدّعون – لَـمَا احتاج إلى هذا البطش الدمويّ لإقصاء الإيمان من قلوب الناس، وقد أثبتت تجربة الشيوعيّة أنّ الإلحاد حين يملك القوّة لا يتردّد في ممارسة أشدّ أنواع العنف والكراهيّة ضد الدين، ممّا يكشف عن أنّ برودَ بعض اللادينيّين الظاهريّ مجرّدُ قشرةٍ رقيقةٍ فوق نيران الرفض الداخليّ والعداء الباطنيّ.

أمّا ما ينقله بعضُهم عن أوشو - بأنّ الإنسان اخترع فكرة الإله بسبب حاجته الأبويّة -، فهو ليس إلّا ترديداً لفرضيّةٍ نفسيّةٍ واهيةٍ لا تقوم على برهان. فالله تعالى في إدراك الفطرة ليس مجرّد أبٍ أو راعٍ، بل هو الخالق والمدبّر والسيّد والحكم والعدل والرحمن والقريب والودود، وهو فوق كلّ محدوديّةٍ بشريّةٍ. وهذه الصفات لا تنبع من إسقاط صورة الأبوين، بل من نداءٍ داخليٍّ في النفس تشعر به دون تعليمٍ أو تلقين.

ثم إن هذه الدعوى ـ أنّ الحاجة دفعت لاختراع الله ـ يمكن أنْ تُقلَب عليهم: فإنّ إنكار الله نفسه قد يكون بدافعٍ نفسيّ، كالرغبة في الانفلات من سلطة الحقّ، أو التخلّص من تبعات المسؤوليّة الأخلاقيّة، أو كره الخضوع لمن هو أعظم منه.

فهل نلغي الإلحاد لأنّه قد يكون تعبيراً عن نزعةٍ نفسيّةٍ مريضة؟ إنّ الاستناد إلى البواعث النفسيّة لإبطال المواقف الفكريّة مغالطةٌ معروفةٌ عند أهل المنطق، تسمى مغالطة (التفسير النفسيّ) أو (التفسير بالتسبيب)، وهي أنْ يتمّ تجاهل الحجّة الموضوعيّة، والتركيز بدلاً من ذلك على الدوافع النفسيّة، ممّا لا يصحّ أنْ يكون معياراً للحكم على صدق القضايا.

إنّما المعيار الحقّ هو برهان العقل، ودلالة الفطرة، ونور الوحي، وليس مجرّد درجة الانفعال أو البرود في التعبير. فمَن شاء أنْ يناقش وجود الله فليعرض لنا برهاناً، وإلّا فكلّ حديث عن (البرود) أو (الحماسة) ليس إلّا مجرّد صخبٍ بلا مضمون. فالمسألة أعظم من أن تُختزل في مزاجيّةٍ انفعاليّةٍ أو برودٍ ظاهريّ، إنّها مسألة وجودٍ ومصيرٍ وحقيقةٍ لا تحتمل التسطيح.