تقرير الاستدلال بحديث الثَّقلين على الإمامة
السُّؤال: كيفَ يُمكنُنا الاستدلال بحديث الثَّقلين على الإمامةِ؟
الجواب:
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
اعلم – أيَّدك الله – أنَّ حديثَ الثَّقلين المتواتر عند الفريقين يُعَدُّ من الأدلَّة التي يعتمد عليها متكلِّمو الشِّيعة الإماميَّة (أعلى اللهُ برهانَهم) لإثبات إمامة الأئمَّةِ الاثني عشر (عليهم السلام)، وقد ورد هذا الحديث بصِيَغٍ متعدِّدةٍ، وأشهرُها: «إنِّي تاركٌ - أو مُخلِّفٌ - فيكمُ الثَّقلين أو الخليفتين – ما إن تمسَّكتم – أو اعتصمتم بهما لن تضلُّوا كتابَ اللهِ وعترتي أهلَ بيتي، لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوضَ».
وإنَّ كلَّ صيغةٍ من صِيَغِ هذا الحديث تتضمَّنُ الدَّلالة على الإمامة، وسنقتصر على أربعٍ منها:
الدَّلالة الأولى: وجوب الطاعة المُطلَقة:
إنَّ الوارد في بعض ألفاظ الحديث: ك «إن اعتصمتم»، أو «ما إن تمسَّكتم»، أو «ما إن أخذتم به»، أو «إن اتَّبعتموهما» [انظر: فضائلُ الصَّحابةِ ج1 ص171، سننُ التِّرمذي ج5 ص662، المستدركُ ج3 ص118، الجامعُ الكبيرُ ج4 ص345]. تدلُّ على وجوب الإمامةِ.
ووجه الاستدلال: إنَّ هذا الحديث مفادُه يدل على وجوب اتِّباعِ أهل البيت (عليهم السلام) في جميع الأقوال والأفعال والأحكام والاعتقادات، وظاهرٌ أنَّ هذا الشأن بهذه الحيثيَّةِ لا يُتصوَّرُ إلَّا لمن حاز الزَّعامة الكبرى، ونال الإمامة العُظمى بعدَ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فأمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو سيِّدُ أهل البيت - هو الإمامُ والخليفةُ، وهو الذي يجبُ اقتداءُ الأمَّةِ به بعدَ النبيِّ (صلَّى اللهُ عليه وآله) واتِّباعُها إيَّاه واهتداؤها بهداه وأخذُ الأحكامِ منه وإطاعةُ أوامرِه) [أنظر: خلاصةُ عبقاتِ الأنوارِ ج 2 ص269- 333].
وقالَ الشَّيخُ المظفَّر: (فإنَّ هذا يقتضي وجوبَ التمسُّكِ بهم واتِّباعِهم، فيُسألُ عنهم، وذلك لا يناسبُ إلَّا الإمامةَ) [دلائلُ الصدقِ ج4 ص335].
الدَّلالةُ الثَّانية: انحصار النَّجاة في الكتاب والعترة:
أنَّ الوارد في بعض ألفاظ الحديث ما يدلُّ على أنَّ القرآن والعترة عاصمٌ من الضَّلالة كـ «لن تضلُّوا» [انظر: فضائل الصَّحابة ج1 ص171، سنن التِّرمذي ج5 ص663، المستدرك ج3 ص118]، وهذا يستلزم الإمامة.
ووجه الاستدلال: أنَّ هذا اللَّفظ «لن تضلُّوا» يأتي بعد التأكيد على وجوب التمسُّك بالقرآن والعترة، ممَّا يدلُّ على أنَّ النَّجاة من الضَّلالة محصورةٌ بهما فقط، حصرًا تأبيديًّا إلى يوم القيامة دون غيرِهما، فلا نجاة لأحدٍ من الأمَّة إلَّا بالتمسُّك بهما، حيث يُشكِّلان معًا الحِصانة من الضَّلال، فلو كان ترك التمسُّك بغيرِهما عاصمًا من الضَّلالة لما حُصِرَت النَّجاة من الضَّلال فيهما فقط. لذا، فإنَّ التمسُّك بهما دون تخصيصٍ يستلزم الإمامة.
قال التفتازاني: (ألا يُرى أنَّه (صلَّى اللهُ عليه وآله) قرنَهم بكتاب اللهِ في كون التمسُّك بهما منقذًا من الضَّلالة، ولا معنى للتمسُّك بالكتاب إلَّا الأخذ بما فيه من العلم والهداية، فكذلك العترة) [شرح المقاصد ج2 ص221].
الدَّلالة الثَّالثة: أفضليَّة العترة:
أنَّ مفاد الحديث يشير إلى اقترانِهما ببعضٍ كـ «خليفتين» أو كـ «الثَّقلين»، وهذا الاقتران يدلُّ على أفضليَّة العترة، والتفضيل يستلزمُ الإمامة.
ووجه الاستدلال: أنَّ النبيَّ (صلَّى اللهُ عليه وآله) بعد أن قرن عترتَه بكتاب اللهِ وأنَّهما معًا يُشكِّلان العصمة من الضَّلالة، عبَّر عن القرآن والعترة بـ «الثَّقلين» أو «الخليفتين»، فجعلَهما ثقلين أو خليفتين إعظامًا لقدرهما وتفخيمًا لشأنِهما [ينظر: المُعْلِم بفوائد مسلمٍ ج3 ص248، النِّهاية في غريب الحديث ج1 ص116]، وبناءً على هذا الرَّبط، فإنَّ العترة تحصل على ما حصل عليه القرآن من تفضيلٍ، وهذا التفضيل يستلزم الإمامة.
قال التفتازاني: (فإن قيل:.. قال النبيُّ (ص): «إنِّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلُّوا، كتاب اللهِ وعترتي أهل بيتي». ومثل هذا يُشعر بفضلِهم على العالَم وغيرِه. قلنا: نعم لاتِّصافِهم بالعلم والتَّقوى، مع شرف النَّسب. ألا يُرى أنَّه (ص) قرنَهم بكتاب اللهِ في كون التمسُّك بهما منقذًا من الضَّلالة، ولا معنى للتمسُّك بالكتاب إلَّا الأخذ بما فيه من العلم والهداية، فكذلك في العترة. ولهذا قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «من أبطأ به عملُه، لم يُسرعْ به نسبُه») [شرح المقاصد ج5 ص303].
الدَّلالة الرَّابعة: أعلَميَّة العترة:
أنَّ مفاد الحديث يشير إلى أعلَميَّة العترة حيث قُرِنوا بالقرآن، وكما أنَّ القرآن أعلم، فكذلك قرينُه الذي لا يُفارِقُه أبدًا، وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث مُصرَّحًا به: «ولا تُعلِّموهم فإنَّهم أعلم منكم» [المعجم الكبير ج5 ص166].
ووجه الاستدلال: أنَّ الاقتران الوارد في الحديث بين الكتاب والعترة من حيث إنَّهما عاصمٌ من الضَّلالة وإنَّهما لن يفترقا، كما الحال بـ "لن" التَّأبيديَّة، وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث مُصرَّحًا بدلالةٍ على أنَّ الأئمَّة أعلم النَّاس بعد النبيّ، ومن شروط الإمامة عند أصحابِنا أن يكون الإمام أعلم النَّاس وأفقهَهم بجميع أمور الدِّين والدُّنيا، وهذا يستلزم الإمامة.
قال السَّمْهُوديّ: (الذين وقع الحثُّ على التمسُّك بهم من أهل البيت النَّبويِّ والعترة الطَّاهرة؛ هم العلماء بكتاب الله عزَّ وجلَّ، إذ لا يَحثُّ (صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم) على التمسُّك بغيرِهم، وهم الذين لا يقع بينهم وبين الكتاب افتراقٌ حتَّى يردوا على الحوض .. ) [جواهر العقدين ص243].
نكتفي بهذا القدر، والحمد للهِ أوَّلًا وآخرًا.
اترك تعليق