كيف تم تزويج أولاد وبنات النبي آدم عليه السلام؟ فهل يصح تزويج الأخ من الاخت وهذا لايحصل! اذن: كيف تم تكاثر البشر انذاك؟

: سيد رعد

السّلامُ عليكُم ورحمة اللهِ وبركاته  

ش1- ما وردَ في خبرِ زرارةَ كما في عللِ الشّرائعِ (17/حديث رقم (1)، أنّه قالَ : سُئلَ أبو عبدِ اللهِ (عليه السّلام) كيفَ بدأ النّسلُ مِن ذرّيّةِ آدمَ (عليهِ السّلام) فإنّ عندَنا أناساً يقولونَ: إنّ اللهَ تباركَ وتعالى أوحى إلى آدمَ (عليه السلّام): أن يزوّجَ بناتِه بنيهِ، وأنّ هذهِ الخلقَ كلُّه أصلهُ منَ الأخوةِ والأخواتِ، قالَ أبو عبدِ اللهِ الإمامُ الصّادقُ (عليه السّلام): سبحانَ اللهِ وتعالى عَن ذلكَ علوّاً كبيراً يقولُ مَن قالَ هذا! إنّ اللهَ عزَّ وجلَّ جعلَ أصلَ صفوةِ خلقِه وأحبائهِ وأنبيائهِ ورسلهِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ والمسلمينَ والمسلمات مِن حرامٍ، ولم يكُن لهُ منَ القدرةِ ما يخلقُهم منَ الحلالِ، وقد أخذَ ميثاقَهم على الحلالِ الطهرِ الطّاهرِ الطيّبِ ؟ فواللهِ لقد نُبّئتُ أنّ بعضَ البهائمِ تنكّرَت لهُ أختُه فلمّا نزا عليها ونزلَ كُشفَ لهُ عنها، فلمّا علمَ أنّها أُختُه أخرجَ غرمولَه ( أي ذكرَه ) ثمَّ قبضَ عليهِ بأسنانِه حتّى قطعَه فخرّ ميّتاً، آخرُ تنكّرَت له أُمّه ففعلَ هذا بعينِه، فكيفَ الإنسانُ في إنسيّتِه وفضلِه وعلمِه ؟! غيرَ أنّ جيلاً مِن هذا الخلقِ الذي ترونَ رغبوا عَن علمِ أهلِ بيوتاتِ أنبيائِهم وأخذوا مِن حيثُ لم يُؤمروا بأخذِه، فصاروا إلى ما قد ترونَ منَ الضّلالِ والجهلِ بالعلم...، ثمّ قالَ : ويحَ هؤلاءِ ، أينَ هُم عمّا لا يختلفُ فيهِ فقهاءُ أهلِ الحجازِ ولا فقهاءُ أهلِ العراق؟ إنّ اللَّهَ أمرَ القلمَ ، فجرى على اللَّوحِ المحفوظِ بما هوَ كائنٌ إلى يومِ القيامةِ قبلَ [ خلقِ ] آدمَ بألفي عامٍ ، وإنّ كتبَ اللَّهِ كلَّها فيما جرى [ فيه ] القلمُ في كلَّها تحريمُ الأخواتِ على الإخوةِ معَ ما حرّمَ ، وهذا نحنُ قد نرى منها هذهِ الكتبَ الأربعةَ المشهورةَ في هذا العالمِ : التّوراةَ والإنجيلَ والزّبورَ والفرقانَ، أنزلها اللَّهُ عنِ اللَّوحِ المحفوظِ على رسلِه - صلواتُ اللَّهِ عليهم أجمعين - منها التّوراةُ على موسى ، والزّبورُ على داود، والإنجيلُ على عيسى ، والفرقانُ على محمّدٍ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وآله وسلَّم - وعلى النّبيّينَ - عليهم السّلام - ليسَ فيها تحليلُ شيءٍ مِن ذلكَ ، حقّاً أقولُ ، ما أرادَ مَن يقولُ هذا وشبهَه إلَّا تقويةَ حججِ المجوسِ ، فما لهُم قاتلَهم اللَّه.  

ثمَّ أنشأ يحدّثُنا كيفَ كانَ بدءُ النّسلِ مِن آدمَ، وكيفَ كانَ بدءُ النّسلِ مِن ذرّيّتِه، ] فقالَ: إنَّ آدمَ - صلواتُ اللَّهِ عليه - ولدَ لهُ سبعونَ بطناً ، في كلّ بطنٍ غلامٌ وجاريةٌ إلى أن قُتلَ هابيلُ ، فلمّا قتلَ [قابيلُ] هابيل جزعَ آدمُ على هابيل جزعاً قطعَه عَن إتيانِ النّساءِ، فبقيَ لا يستطيعُ أن يغشى حوّاءَ خمسمائةَ عامٍ ، ثمّ تجلَّى ما بهِ منَ الجزعِ عليه ، فغشيَ حوّاء ، فوهبَ اللَّهُ شيثاً وحدَه ليسَ معَهُ ثانٍ ، وإسمُ شيث هبة اللَّه ، وهوَ أوّلُ وصيٍّ أوصي إليهِ منَ الآدميّينَ في الأرضِ، ثمّ ولدَ لهُ مِن بعدِ شيث يافث ليسَ معهُ ثانٍ، فلمّا أدركا ، وأرادَ اللَّهُ - عزّ وجلّ - أن يبلغَ بالنّسلِ ما ترونَ ، وأن يكونَ ما قد جرى بهِ القلمُ مِن تحريمِ ما حرّمَ اللَّهُ - عزّ وجلّ - منَ الأخواتِ على الإخوةِ أنزلَ بعدَ العصرِ في يومِ الخميسِ حوراءَ منَ الجنّةِ، إسمُها نزلة ، فأمرَ اللَّهُ - عزّ وجلّ - آدمَ أن يزوّجَها مِن شيث فزوّجَها منهُ ، ثمّ أنزلَ بعدَ العصرِ منَ الغدِ حوراءَ منَ الجنّةِ ، إسمُها منزلة ، فأمرَ اللَّهُ - عزّ وجلّ - آدمَ أن يزوّجَها مِن يافث فزوّجَها منهُ فولدَ لشيث غلامٌ ، وولدَ ليافث جارية ، فأمرَ اللَّهُ - عزّ وجلّ - آدمَ حينَ أدركا أن يزوّجَ بنتَ يافث مِن إبنِ شيث ، ففعلَ ، فولدَ الصّفوةُ منَ النّبيّينَ والمُرسلينَ مِن نسلِهما ، ومعاذَ اللَّهِ أن يكونَ ذلكَ على ما قالوا مِن أمرِ الأخوةِ والأخوات. [ينظر: تفسيرُ كنزِ الدّقائقِ للميرزا المشهديّ ج3/ص312]. 

وهناكَ رواياتٌ أخرى بهذا المضمونِ أيضاً، ولكن فيها ما يدلُّ على أنَّ اللهَ بعثَ إلى هابيل حوراءَ وإلى قابيلَ إمرأةً منَ الجن:

1-في عللِ الشّرائعِ (103)، بابُ 92، حديث رقم (1)، بإسنادِه إلى القاسمِ بنِ عروة ، عن بريدٍ بنِ معاوية العجليّ ، عن أبي جعفرٍ - عليهِ السّلام - قالَ : إنّ اللَّهَ - عزّ وجلّ - أنزلَ حوراءَ منَ الجنّةِ إلى آدمَ - عليهِ السّلام - فزوّجَها أحدَ إبنيه وتزوّجَ الآخرُ إلى الجنِّ ، فولدتا جميعاً ، فما كانَ منَ النّاسِ مِن جمالٍ وحُسنِ خلقٍ فهوَ منَ الحوراءِ، وما كانَ فيهم مِن سوءِ الخلقِ فمِن بنتِ الجانِّ. وأنكرَ أن يكونَ زوّجَ بنيهِ، مِن بناته.

3- ومنها ما وردَ عَن معاويةَ بنِ عمّار قالَ : سألتُ أبا عبدِ اللهِ (عليه السّلام) عَن آدمَ أبي البشرِ أكانَ زوّجَ إبنتَه مِن إبنِه؟ فقالَ : معاذَ الله واللهِ لو فعلَ ذلكَ آدمُ (عليه السّلام) لما رغبَ عنهُ رسولُ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) وما كانَ آدمُ إلّا على دينِ رسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله)، فقلتُ : وهذا الخلقُ مِن ولدِ مَن هُم ولم يكُن إلّا آدمُ وحوّاء ؟ .. فأجابَه (عليه السّلام)... إلى أن قالَ : فلمّا أدركَ قابيلُ ما يدركُ الرّجلُ أظهرَ اللهُ عزَّ وجلَّ جنيّةً مِن ولدِ الجانِّ يُقالُ لها جهانة في صورةِ إنسيّةٍ، فلمّا رآها قابيلُ ومقَها ـ أي مالَ إليها ـ فأوحى اللهُ إلى آدم : أن زوِّج جهانةَ مِن قابيل فزوّجَها مِن قابيل، ثمّ ولدَ لآدمَ هابيلُ فلمّا أدركَ هابيلُ ما يدركُ الرّجلُ أهبطَ اللهُ إلى آدمَ حوراء وإسمُها نزل الحوراء فلمّا رآها هابيلُ ومقَها فأوحى اللهُ إلى آدمَ أن زوِّج نزلاً مِن هابيل ففعلَ ذلكَ، فكانَت نزل الحوراءُ زوجةَ هابيل بنِ آدم ... (البحارُ : 11 : 227)  

4- وعن أبي جعفرٍ (عليه السّلام) قالَ : إنَّ اللهَ عزّ وجلّ أنزلَ حوراءَ منَ الجنّةِ إلى آدم فزوّجَها أحدَ إبنيه، وتزوّجَ الآخرُ الجنَّ فولدتا جميعاً، فما كانَ منَ النّاسِ مِن جمالٍ وحسنِ خلقٍ فهوَ منَ الحوراءِ، وما كانَ فيهم مِن سوءِ الخلقِ فمِن بنتِ الجانِّ، وأنكرَ أن يكونَ زوّجَ بنيهِ مِن بناتِه (البحارُ عنِ العِلل: 45)  

وللمزيدِ راجِع بحارَ الأنوارِ المُجلّدُ الحادي عشرَ البابُ الخامسُ تزويجُ آدمَ حواء وكيفيّة بدءِ النّسلِ منهما. 

ثُمَّ إنّ ما تراهُ في كلماتِ بعضِ الأعلامِ مِن قبولِ وقوعِ زواجِ الأختِ منَ الأخِ فإنّما ذلكَ يجري بحسبِ الإمكانِ، خصوصاً وأنّ بعضَهم عَـدَّ ذلكَ حكماً تشريعيّاً راجعٌ إلى اللهِ سُبحانه، فلهُ أن يبيحَه يوماً ويُحرِّمَه آخرَ، مؤيّداً ذلكَ بما قالهُ اللهُ سبحانَه وتعالى في محكمِ كتابه: ﴿وَاللّهُ يَحكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكمِهِ﴾ [الرّعد:41] وبما قالَه أيضاً: ﴿إِنِ الحُكمُ إِلاَّ لِلّهِ﴾ [يوسف:40]. ثمَّ تراهُ بعدَ ذلكَ يستندُ إلى ظاهرِ إطلاقِ قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء﴾ [النّساء:1] ، إذ تراهُ يَعُـدُّ النّسلَ الموجودَ في الإنسانِ إنَّما ينتهي إلى آدمَ وزوجتِه على سبيلِ الإنحصارِ، مِن غيرِ أن يشاركهُما في ذلكَ غيرُهما مِن ذكرٍ أو أُنثى. معَ أنّ قولَه تعالى:﴿وَبَثَّ مِنهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء﴾ يشيرُ إلى بيانِ كيفيّةِ تولّدِ الخلقِ مِن تلكَ النّفسِ والرّوحِ المخلوق منهُما البنين والبنات الكثيرة، للدّلالةِ على القدرةِ القاهرةِ التي مِن حقِّها أن تُخشى والنّعمةِ الباهرةِ التي توجبُ طاعةَ مولاها لا سيّما أنّ الآياتِ التي بعدَها تؤيّدُ ذلكَ، إذن: فلا علاقةَ للآيةِ بحصرِ الخلقِ بأبناءِ آدمَ وبناتِه، [ينظر: تفسيرُ كنزِ الدّقائقِ للميرزا المشهديّ ج3/ص312]. أضِف إلى ذلكَ أنّنا نعلمُ أنّ الأحكامَ تابعةٌ للمصالحِ والمفاسدِ الواقعيّةِ وليسَت مجرّدَ أمورٍ مجعولةٍ تكتسبُ قيمتَها مِن نفسِ إنشائِها وجعلِها. وهذا معناهُ: أنّه لا يمكنُ أن يكونَ زواجُ الأخِ بأختِه حلالاً، ثمَّ يصيرُ حراماً، لأنّ المنعَ فيه إنّما هوَ لخصوصيّةٍ ومفسدةٍ واقعيّةٍ هيَ دعَت إلى إلزامِ النّاسِ بالإبتعادِ عنه. والمصالحُ والمفاسدُ قد تكونُ ظاهرةً ومعلومةً، وقد تكونُ ممّا يحتاجُ إلى تعليمٍ وكشفٍ، وبيانٍ، فإذا تولّى الشّارعُ الكشفَ عَن هذهِ المصالحِ والمفاسدِ، فيدركُ العقلُ القبحَ والحُسنَ في مجالِ العملِ، مِن حيثُ يحكمُ بأنَّ ما فيهِ مصلحةٌ واقعيّةٌ لا بدَّ أن يكونَ ممّا ينبغي فعله، وما فيهِ مفسدةٌ واقعيّةٌ فهوَ ممّا ينبغي تركه. وحكمُ الشّارعِ بحُرمةِ زواجِ الأخِ بأختِه، حُكمٌ مؤبّدٌ، ومترتّبٌ على الموضوعِ بعنوانِه الأوّلي. أي مِن حيثُ هوَ أخٌ وأختٌ، يكشفُ عَن وجودِ مفسدةٍ واقعيّةٍ إقتضَت هذا الحكمَ فيأتي العقلُ العمليّ ليحسِّنَ أو ليُقبّحَ عملاً ما ظهرَت مصلحتُه، أو الإجتنابَ عمّا ظهرَت مفسدتهُ.. ولعلّ هذا هوَ السّببُ في حكمِ بعضِ الأعلامِ كالسّبزواريّ بقبحِ زواجِ الأخِ بأختِه فيما يرتبطُ بأبناءِ آدمَ (عليه السّلام). ودمتُم سالِمين.