هل للجن رسل من نفس الجن ام هم انبياء من الناس وهل كل الرسل يدعون الجن للاسلام؟

(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الكريم هل للجن رسل من نفس الجن ام هم انبياء من الناس وهل كل الرسل يدعون الجن لاسلام لقد قرأت ان مولانا أمير المؤمنين عليه السلام قد حارب الجن، فهل كانت حربهم لادخالهم الإسلام ؟

: سيد عبدالهادي

  السّلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته، 

يتّضحُ الجوابُ عن هذهِ المسائلِ في نقاط:  

الأولى: لا يخفى أنَّ الجنَّ ـ كالإنسِ ـ مكلّفونَ بالأحكامِ الإلهيّةِ، كما لا يخفى أيضاً أنّ البرهانَ العقليَّ القائمَ على لزومِ وجودِ الحجّةِ الإلهيّةِ والواسطةِ بينَ الخالقِ والمخلوقِ يشملُ البشرَ والجنَّ، فكما يلزمُ أن تكونَ حجّةٌ إلهيّةٌ للبشرِ تكونُ واسطةً بينَهم وبينَ الخالقِ كذلكَ يلزمُ أن تكونَ حجّةٌ إلهيّةٌ للجنِّ تكونُ واسطةً بينَهم وبينَ الخالق. فهذا المقدارُ لا شكّ ولا ريبَ فيه، وعليهِ الأدلّةُ والبراهينُ العقليّةُ والنقليّةُ، والآيةُ تدلُّ على ذلكَ أيضاً.  

الثانيةُ: ولا يخفى أيضاً أنّ الحجّةَ الإلهيّةَ لدى البشرِ هُم الأنبياءُ والرّسلُ والأوصياءُ والأئمّةُ عليهم السّلام، وجميعُهم منَ البشرِ، وإنّما الكلامُ في أنّه هل الحجّةُ الإلهيّةُ لدى الجنِّ هُم منَ الجنِّ أو منَ البشرِ؟ وبعبارةٍ أخرى: هل هناكَ أنبياءُ ورسلٌ منَ الجنّ؟ أم أنّ أنبياءَهم ورسلَهم إنسيّونَ، ويتلقّونَ تعاليمَهم مِن أنبيائِنا عليهم السّلام؟  

ذكرَ العلماءُ أنّ المستفادَ مِن قولِه تعالى: {يَا مَعشَرَ الجِنِّ وَالإِنسِ أَلَم يَأتِكُم رُسُلٌ مِنكُم} هو كونُ الرّسلِ مِن جنسِ المُخاطبينَ ـ وهُم مجموعُ الجنِّ والإنسِ ـ لا مِن جنسِ غيرِهم كالملائكةِ، وأمّا أنَّ لكلّ واحدٍ منَ الفريقينِ رسلاً يختصُّ بهم فلا يستفادُ ذلكَ منَ الآيةِ الشّريفةِ. [ينظر: تفسيرُ الميزانِ ج7 ص354، مواهبُ الرّحمن ج14 ص391].  

هذا بالنّسبةِ لدلالةِ الآيةِ الشّريفةِ، أمّا الرّواياتُ.. فقد روى الشّيخُ الصّدوقُ في [عيونِ أخبارِ الرّضا ص134، عللُ الشّرائعِ ص198] بإسنادِه عنِ الرّضا عن آبائِه عليهم السّلام قالَ: « سألَ الشّاميُّ أميرَ المؤمنينَ عليه السّلام عن إسمِ أبي الجنِّ، فقالَ: شومانُ، وهوَ الذي خُلقَ مِن مارجٍ مِن نار، وسأله: هل بعثَ اللهُ نبيّاً إلى الجنِّ؟ فقالَ: نعَم ، بعثَ إليهم نبيّاً يقالُ له يوسف، فدعاهُم إلى اللهِ عزَّ وجلَّ فقتلوهُ ». وهذهِ الرّوايةُ ظاهرةٌ باختصاصِ الجنِّ ببعضِ الرّسل.  

ثمّ هل أنبياؤنا عليهم السّلام هُم أنبياءُ للجنِّ أيضاً، فالثابتُ بالنّصوصِ أنّ خاتمَ الأنبياءِ صلّى اللهُ عليهِ وآله مرسلٌ للجنِّ أيضاً، ودلَّ على ذلكَ رواياتُ الفريقينِ شيعةً وسنّةً، مِنها: ما رواهُ الشيخُ الكلينيّ في [الكافي ج1 ص532] بإسنادِه عَن أبي جعفرٍ عليهِ السّلام قالَ: « إنّ اللهَ أرسلَ محمّداً صلّى اللهُ عليهِ وآله إلى الجنِّ والإنسِ، وجعلَ مِن بعدِه إثني عشرَ وصيّاً.. »، كما أنّ أئمّتَنا عليهم السّلام حُججٌ عليهم كما دلّت النّصوصُ والأدلّةُ. قالَ العلّامةُ المجلسيّ في [بحارِ الأنوارِ ج60 ص291]: « ولا خلافَ في أنَّ نبيّنا صلّى اللهُ عليه وآله مبعوثٌ عليهم، وأمّا سائرُ أولي العزمِ عليهم السّلام فلم يتحقّق عندي بعثُهم عليهم نفياً أو إثباتاً، وإن كانَ بعضُ الأخبارِ يُشعرُ بكونِهم مبعوثينَ عليهم، ولا بدَّ في إثباتِ الحجّةِ عليهم مِن بعثةِ نبيٍّ عليهم منهُم أو بعثةِ الأنبياءِ منَ الإنسِ عليهم أيضاً »، وربّما يستفادُ مِن حادثةِ توبةِ الجنيّ (هام بن هيم) على يدِ النبيّ نوحٍ عليهِ السّلام أنّه كانَ مبعوثاً عليهم، [ينظر: بصائرُ الدّرجاتُ ص118، وغيرُها].

الثالثةُ: المُستفادُ مِن قولِه تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسلَامُ}، وقوله تعالى: {وَمَن يَبتَغِ غَيرَ الإِسلاَمِ دِينًا فَلَن يُقبَلَ مِنهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ}، أنّ الإسلامَ هوَ الدّينُ الذي إرتضاهُ اللهُ تعالى، والدّينُ عندَ اللهِ تعالى واحدٌ لا إختلافَ فيه، ولم يأمُر عبادَه إلّا به.. وأمّا الإختلافُ بينَ النّصرانيّةِ واليهوديّةِ ونحوِها فهيَ إختلافٌ بالكمالِ والنّقصِ لا بالتنافي والتضادِّ، فالدّينُ الذي دعا لهُ نوحٌ وإبراهيمُ وموسى وعيسى عليهم السّلام هوَ دينُ الإسلامِ وإن إختصَّ كلَّ واحدٍ منهم بشريعةٍ وتعاليمَ خاصّةٍ، قالَ تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلنَا مِنكُم شِرعَةً وَمِنهَاجًا}.. وقد وردَت الآياتُ أنّ الدينَ الذي كانَ عليهِ الأنبياءُ السّابقونَ هوَ الإسلامُ، قالَ: {مَا كَانَ إِبرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشرِكِينَ}، وأخبرَ أنَّ سحرةَ فرعون بعدَ إيمانِهم قالوا: { رَبَّنَا أَفرِغ عَلَينَا صَبرًا وَتَوَفَّنَا مُسلِمِينَ}، وأخبرَ أنَّ نوحاً عليهِ السّلام قالَ في خطابِه لقومِه: { فَإِن تَوَلَّيتُم فَمَا سَأَلتُكُم مِّن أَجرٍ إِن أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرتُ أَن أَكُونَ مِنَ المُسلِمِينَ}، وغير ذلك.

الرّابعةُ: إنّ روايةَ مُحاربةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السّلام للجنِّ في وادي الجنِّ، وردَت بكتبِ الفريقينِ شيعةً وسنّةً، روى الشّيخُ المُفيدُ في [الإرشادِ ج1 ص340] بالإسنادِ عَن إبنِ عبّاسٍ رحمةُ اللهِ عليه قالَ: « لمّا خرجَ النّبيُّ صلّى اللهُ عليه وآله إلى بني المُصطلقِ جنباً عنِ الطّريقِ، وأدركَهُ الليلُ فنزلَ بقربِ وادٍ وعر، فلمّا كانَ في آخرِ اللّيلِ هبطَ عليهِ جبرئيلُ عليه السّلام يخبرُه أنَّ طائفةً مِن كُفّارِ الجنِّ قد إستبطنوا الوادي يُريدونَ كيدَه وإيقاعَ الشرِّ بأصحابِه عندَ سلوكِهم إيّاه، فدعا أميرَ المؤمنينَ عليّاً بنَ أبي طالبٍ عليهِ السّلام وقالَ له: إذهَب إلى هذا الوادي، فسيعرضُ لكَ مِن أعداءِ اللهِ الجنِّ مَن يريدُك، فادفَعهُ بالقوّةِ التي أعطاكَ اللهُ عزَّ وجلَّ، وتحصَّن منهُ بأسماءِ اللهِ التي خصّكَ بعلمِها. وأنفذَ معهُ مائةَ رجلٍ مِن أخلاطِ النّاسِ، وقالَ لهم: كونوا معه وإمتثلوا أمرَه... إلى آخرِ الرّواية ».  

والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.