نموذج تطبيقي من التوحيد الذاتي الأحدي في أدعية الإمام السجاد(ع)

: سيد رعد

السّلام عليكم ورحمة الله،

التوحيدُ الذّاتي، مصطلحٌ كلاميٌّ منَ المسائلِ العقديّةِ، وأحدُ أنواعِ التوحيدِ؛ ومِن أصولِ الدين. وهوَ يعني نفيَ التعدّدِ؛ أي: الإعتقادَ بوحدانيةِ اللهِ تعالى، وعدمَ التكثّرِ في الخارجِ، باعتقادِ وجودِ إلهينِ أو آلهةٍ متعدّدةٍ. 

وهوَ يعني أيضاً نفيَ التركيبِ؛ وهوَ الإيمانُ بالأحديّةِ، وعدمِ تركيبِ الذاتِ الإلهيّةِ مِن أجزاءٍ سواءٌ كانَ بالواقعِ الخارجيّ، أم بالفرضِ والإمكانِ العقليّ. ولذلك قُسّمَ إلى قسمينِ: التوحيدُ الذّاتي الواحديّ، والتوحيدُ الذاتي الأحديّ، إذ تارةً يُنظرُ إلى الذاتِ الإلهيّةِ مِن حيث أنّها واحدةٌ لا ثانيَ لها، وتارةً يُنظرُ إليها بأنّها أحديّةٌ بسيطةٌ وليسَت مُركّبةً مِن أجزاءٍ؛ ولأجلِ التفريقِ بينَ هذينِ القسمينِ عُبّرَ عنِ الأوّلِ بالتوحيدِ الذّاتي الواحديّ، وعنِ الثاني بالتوحيدِ الذّاتي الأحديّ. [ السّبحانيّ، الإلهيات، ج 2، ص 11] 

فالتّوحيدُ الذاتي الأحديّ: هوَ نفيُ التركيبِ عنِ اللهِ تباركَ وتعالى، عَن مُطلقِ أنواعِ التركيبِ سواءٌ أكانَ هذا التركيبُ منَ الأجزاءِ الخارجيّةِ الماديّة، أو منَ الأجزاءِ الذهنيّةِ التحليليّةِ المعنويّة، وسواءٌ أكانَ هذا التركيبُ بالفعلِ أم بالقوّة. ونفيُ التركيبِ يعني أنَّ اللهَ تعالى بسيط. إنّهُ أحدٌ لا جزءَ له. [الصّدوقُ، الإعتقاداتُ، ص 119، والسّبحاني، الإلهيّات، ج 2، ص 29] 

وأمّا التوحيدُ الذاتي الواحديّ، فهوَ نفيُ النظير، يعني لا ثانيَ له، لا مثيلَ له، ولا شبيهَ له، ولا ندَّ له، ولا شريكَ له. [ الصّدوقُ، الإعتقاداتُ، ص 119، والسّبحاني، ج 2، ص 29]. فإذا عرفتَ ذلكَ فإنّا وجدنا غيرَ واحدٍ مِن أهلِ العلمِ والتفسيرِ يتعرّضونَ لبيانِ هذا الأمرِ عندَ تفسيرِ قولِه تعالى: (سبحانَ اللهِ عمّا يصفونَ، إلّا عبادَ اللهِ المُخلصين).إذ يبيّنونَ أنّ الذي يصفُ اللهَ حقّ وصفِه إنّما هُم مَن نزّهَ اللهَ تعالى نفسَه عمّا قالهُ أولئكَ الضّالونَ في صفاتِه تعالى ، قائِلاً : سُبحانَ اللهِ عمّا يصفونَ. واستثنى وصفَ عبادِه المُخلصينَ (الذينَ وصفوهُ عَن علمٍ ومعرفةٍ ودرايةٍ)، إذ وصفوهُ بما يليقُ بذاتِه المُقدّسةِ، قالَ تعالى : إلّا عبادَ اللهِ المُخلَصين. والمُرادُ بهم أنبياءُ اللهِ تعالى وأوصياؤه عليهم السّلام، فلذا تراهم يذكرونَ قولَ أميرِ المؤمنينَ (عليه السّلام) أو قولَ أحدٍ مِن أهلِ بيتِه عليهم السّلام في الموضعِ المُناسبِ لوصفِ اللهِ تعالى، فعلى سبيلِ المثال: ما يتعلّقُ بالتوحيدِ الذاتيّ الأحديّ نجدُهم يذكرونَ نموذجاً مـمّا قالَه أميرُ المؤمنينَ عليه السّلام في إحدى خُطبِ نهجِ البلاغةِ رقم (186) في هذا الصّددِ، إذ يقولُ في وصفِ اللهِ تعالى: "لا تنالهُ الأوهامُ فتقدّره ، ولا تتوهّمُه الفطنُ فتصوّرَه ، ولا تدركه الحواسُّ فتحسَّه ، ولا تلمسُه الأيدي فتمسّه ، ولا يتغيّرُ بحالٍ ، ولا يتبدّلُ في الأحوالِ ، ولا تبليهِ الليالي والأيّام ، ولا يغيّرُه الضياءُ والظّلام ، ولا يُوصفُ بشيءٍ منَ الأجزاءِ ، ولا بالجوارحِ والأعضاءِ ، ولا بعرضٍ منَ الأعراض ، ولا بالغيريّةِ والأبعاضِ ، ولا يقالُ لهُ حدٌّ ولا نهايةٌ ، ولا إنقطاعٌ ولا غايةٌ". ثُمَّ بعدَ ذلكَ يضمّونَ إليهِ نموذجاً آخرَ مِن قولِ حفيدِه الإمامِ السجّادِ ( عليه السّلام )، إذ يقولُ في صحيفتِه السّجّاديّةِ (الدّعاءُ الأوّل): "الحمدُ للهِ الأوّلِ بلا أوّلٍ كانَ قبلَه، والآخرِ بلا آخرٍ يكونُ بعدَه ، الذي قصُرَت عن رؤيتِه أبصارُ النّاظرينَ وعجزَت عَن نعتِه أوهامُ الواصفينَ". [ينظر: الأمثلُ في تفسيرِ كتابِ اللهِ المُنزل، ج ١٤، الشيخُ ناصِر مكارِم الشّيرازي، ص ٤٢٢]. فقولُ الإمامِ السجّادِ عليه السّلام يُعدُّ نموذجاً للتوحيدِ الذاتيّ الأحديّ، وذلكَ لأنّ الإمامَ عليه السّلام ينفي الحدّ منَ الواجبِ سبحانَه وتعالى، فهوَ غيرُ متناهٍ، وبالتّالي فهوَ غيرُ مركّبٍ منَ الوجودِ والعدمِ، وهذا أخسُّ أنواعِ التركيبِ كما يقولُ المُلّا هادي السبزواريّ (رحمَه اللهُ). [وينظر: نهايةُ الحكمةِ تعليقُ الفياضيّ ج4/ص166]. ودمتُم سالِمين.