أيُّ مُصيبةٍ أعظمُ مُصيبةُ الإمامِ علي (ع) أو الإمامِ الحُسين (ع)؟

أيُّ مُصيبةٍ في الدينِ أعظمُ عندَ الله مِن مصائبِ الأئمّةِ (سلامُ اللهِ عليهم)؟ هل مُصيبةُ الإمامِ علي (عليهِ السلام) أو مصيبةُ الإمامِ الحُسين (عليهِ السلام)؟

: سيد عبدالهادي

الجوابُ:

السلامُ عليكُم ورحمةُ الله وبركاتُه،

المستفادُ منَ الأحاديث الشريفةِ وجودُ علاقةٍ طرديّةٍ بينَ (مقامِ الإنسان) وبينَ (شدّةِ ابتلائِه)، فكلّما ازدادَ مقامُ المؤمنِ وارتفعَت منزلتُه اشتدَّ بلاؤه بما يتناسبُ معَ حالِه ومقامِه، وكلّما ضعفَ إيمانُه خفَّ وضعفَ بلاؤه، روى الشيخُ الكُلينيّ في [الكافي ج2 ص252] عن الإمامِ الصادقِ (عليهِ السلام): « إنَّ أشدَّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ، ثمَّ الذينَ يلونهم، ثمّ الأمثلُ فالأمثل »، ورويَ أيضاً عن عبدِ الرحمنِ بنِ الحجّاج قالَ: « ذُكرَ عندَ أبي عبدِ الله (عليهِ السلام) البلاءَ وما يخصُّ اللهُ عزَّ وجل بهِ المؤمنَ فقالَ: سُئلَ رسولُ الله (صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم): مَن أشدُّ الناسِ بلاءً في الدنيا؟ فقالَ: النبيّونَ، ثمَّ الأمثلُ فالأمثل، ويبتلي المؤمنُ بعدُ على قدرِ إيمانِه وحُسنِ أعمالِه، فمَن صحَّ إيمانُه وحسنَ عملهُ اشتدَّ بلاؤه، ومَن سخُفَ إيمانُه وضعفَ عملُه قلَّ بلاؤه »، وروى

رويَ أيضاً عن أبي عبدِ الله (عليهِ السلام) قالَ: « إنَّ عظيمَ الأجرِ لمعَ عظيمِ البلاء وما أحبَّ اللهُ قوماً إلّا ابتلاهم »، وغيرها منَ الأحاديث.

ومنَ الواضحِ أنّه كلّما ارتفعَت منزلةُ العبدِ عندَ اللهِ تعالى كانَ ما يدخلُ عليه ـ منَ المصائبِ والمِحن ـ أعظمَ عندَ اللهِ تعالى ممّا يدخلُ على مَن هوَ دونه؛ فما جرى على الأنبياءِ منَ المصائبِ أعظمُ عندَ اللهِ ممّا جرى على أنصارِهم وأتباعِهم؛ لكمالِ قُربِ الأنبياءِ منَ اللهِ تعالى وعلوِّ منزلتِهم.

وبهذا يتّضحُ أنّ أعظمَ المصائبِ والبلايا على الإطلاقِ هيَ التي جرَت على أعظمِ الخليقةِ على الإطلاق، خاتم الأنبياءِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله)، فإنّه أعظمُ الخلقِ طرّاً، ومُصيبتُه أعظمُ المصائبِ طرّاً، وقد رُويَ أنّ النبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) قالَ: « ما أوذيَ نبيٌّ قط مثلَما أوذيت »، وروى الحميريُّ في [قُربِ الإسناد ص94] عن النبيّ الأكرمِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله): « مَن أصيبَ بمُصيبةٍ فليذكُر مُصيبتَه بي، فإنّها أعظمُ المصائب »، ونقلَ المجلسيُّ في [بحارِ الأنوار ج82 ص84] عنه (صلّى اللهُ عليهِ وآله): « مَن عظُمَت عندَه مصيبةٌ فليذكُر مُصيبتَه بي، فإنّها ستهونُ عليه »، وروى الشيخُ الطوسيّ في [الأمالي ص681] عن الإمامِ الصادقِ (عليهِ السلام): « إذا أصبتَ بمُصيبةٍ فاذكُر مُصابكَ برسولِ الله (صلّى اللهُ عليهِ وآله)، فإنَّ الناسَ لم يُصابوا بمثلِه أبداً، ولن يُصابوا بمثلِه أبداً ».

بل إنَّ ما جرى منَ المصائبِ على أهلِ بيتِه (عليهم السلام) وشيعتِه المُخلصين، فهيَ منَ المصائبِ النازلةِ بخاتمِ الأنبياء (صلّى اللهُ عليه وآله)، كما نبّهَ على ذلكَ المُحقّقُ القائينيّ في تحقيقِه للمسألة، وسننقلُ كلامَه لِما فيهِ مِن فوائد.

ذكرَ المُحقّقُ المُدقّقُ السيّدُ أبو طالبٍ القائينيّ النجفيّ (قدّسَ سرّه) في [اللؤلؤةِ الغاليةِ في أسرارِ الشهادة ص72ـ75] عندَ كلامِه حولَ البلايا الواردةِ على ساداتِ البريّة وأسرارِها:

إنَّ المخلوقَ كلّما كانَت همّتُه أكبر ومقامُه أعظم كلّما كانَت بليّتُه أكثرُ وأشدّ، وإذ لم يكُن في عالمِ الإمكانِ مخلوقٌ أتمُّ وأشرفُ مِن محمّدٍ وآلِ محمّد (عليهم السلام) فينبغي أن تكونَ بلاياهُم أعظمُ البلايا، ولكن حسبَ مرتبةِ كلِّ واحدٍ منهم؛ إذ مراتبُهم (عليهم السلام) متفاوتةٌ وإنْ كانوا مِن نورٍ واحد.

فلا بدّ أن يكونَ بلاءُ خاتمِ الأنبياء (صلّى اللهُ عليه وآله) أعظمَ مِن كلِّ الخليقة، والسرُّ في ذلكَ أنّه أصلُ كلِّ البريّة، لا سيّما الانبياءُ والأوصياءُ والشيعةُ والملائكة، فإنّهم مخلوقونَ مِن فاضلِ طينتِه (صلّى اللهُ عليهِ وآله)، فالنبيُّ مثلَ الشجرةِ وأهلُ بيتِه أغصانُها وشيعتُهم أوراقُها، وإنْ كانَ بعضُ هذه الأغصانِ أقوى مِن بعضٍ كعليٍّ وفاطمةَ (عليهما السلام)، وكذا الأوراقُ كحواريّ سيّدِ الشهداءِ (عليهِ السلام) والأركانِ الأربعة.

فما وردَ على أهلِ البيت (عليهم السلام) وعلى شيعتِهم منَ البلايا والمصائبِ فقد وردَ في الحقيقةِ على النبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله)؛ إذ لا يُعقَلُ قطعُ الغُصنِ والورقِ معَ عدمِ تأثّرِ أصلِ الشجرة، فقد تحمّلَ النبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) ما وردَ عليه ظاهراً، وما وردَ على أهلِ بيتِه وشيعتِه باطناً.

فما جرى على أميرِ المؤمنينَ (عليهِ السلام) وعلى الصدّيقةِ الكُبرى (عليها السلام) وعلى سيّدِ الشهداء (عليهِ السلام) وغيرِهم، كلّها وردَت على خاتمِ الأنبياءِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله)؛ لشدّةِ اتّصالِهم (عليهم السلام) بهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله)، فهوَ المُعزّى وصاحبُ الرزيّةِ العُظمى، وبهذا يظهرُ معنى الحديثِ النبويّ: « ما أوذيَ نبيٌّ مثلَما أوذيت »؛ فإنّه منَ المعلومِ أنّه لم

يرِد عليهِ ما وردَ عليهم ظاهراً منَ القتلِ كزكريّا ويحيى، والحبسِ كدانيال ويوسف وغيرِ ذلك، وإنّما المرادُ ما شرحناهُ وبيّنّاهُ مِن أنَّ سائرَ مصائبِ الأنبياءِ والأوصياءِ والمؤمنينَ هيَ مصائبُ خاتمِ الأنبياء (صلّى اللهُ عليهِ وآله).

الحاصلُ: لقد وردَ على خاتمِ الأنبياء (صلّى اللهُ عليهِ وآله) جميعُ ما وردَ على الأنبياءِ والأوصياءِ والشيعةِ منَ المصائبِ والبلايا والرزايا، فأذيّتهُ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) أعظمُ الآذايا وبليّتُه أكبرُ البلايا.

ومِن هذا يظهر: أنَّ مصائبَ أميرِ المؤمنين والصدّيقةِ الكُبرى (عليهما السلام) مِن أعظمِ المصائب بعدَ خاتمِ الأنبياء (صلّى اللهُ عليهِ وآله)؛ إذ إنَّ واحدةً ممّا وردَت عليهما (سلامُ اللهِ عليهما) لو صُبَّت على السماءِ لانشقَّت وعلى الأرضِ لتدكدكَت وعلى البحارِ لجفَّت وعلى الأيّامِ لأظلمَت، فانظُر وتعمّق ولا تتخيّلها أموراً يسيرةً أصغرَ ممّا جرى في واقعةِ الطفِّ الشنيعةِ بحسبِ السرِّ والمعنى وإن كانَ ما وردَ في الطفِّ أعظمُ بنظرِ الحسِّ. انتهى ما أفادَه (قُدّسَ سرُّه).

"