هل حروبُ رسولِ الله (ص) إرهاب؟

هناكَ مَن يدّعي أنَّ غزواتِ الرّسول ليسَت حقيقيّةً وإنّما هيَ مِن ابداعاتِ النواصبِ لتشريعِ حروبِ ما يُسمّى بالرّدّة. هل لهذا الطرحِ شيءٌ منَ الحقيقةِ أرجو التكرّمَ بالإجابة؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجوابُ:

وعليكُم السلام ورحمةُ الله،

المصادرُ التاریخيّةُ التي نقلَت حروبَ الردّةِ هيَ ذاتُها المصادرُ التي نقلَت حروبَ رسولِ الله (صلّى اللهُ عليهِ وآله)، فكلاهُما يقعانِ في سياقِ إثباتٍ تاريخيٍّ واحد، وإذا تمَّ التشكيكُ في المصادرِ التاريخيّةِ التي نقلَت حروبَ رسولِ الله فإنَّ التشكيكَ سيشملُ حروبَ الردّةِ أيضاً.

وعليهِ لا يرتكزُ هذا الكلامُ على أيّ منطقٍ استدلاليٍّ واضح.

فإذا كانَ الدافعُ لهذا الكلامِ هوَ تبرئةُ الإسلامِ مِن تُهمةِ الإرهاب وإلصاقِها بالنواصبِ الذينَ اتّخذوا خياراً مُخالفاً لنهجِ أهلِ البيت (عليهم السلام)، فإنَّ ذلكَ لا يتوقّفُ على إنكارِ أصلِ الحروبِ التي دارَت في صدرِ الإسلام، وإنّما يكفي لنفي الشبهةِ فهمُ ما وقعَ مِن حروبٍ ضمنَ مُبرّراتِها العُقلائيّة.

فالحربُ بما هيَ حربٌ لا تعدُّ إرهاباً بالضرورةِ، وإنّما مُبرّراتُ الحربِ ودوافعُها الأخلاقيّةُ هيَ التي تصنّفُها ضمنَ خانةِ الإرهاب أو لا.

فاستخدامُ القوّةِ المادّيّةِ في غيرِ موضعِها ومِن دونِ مُبرّراتٍ عُقلائيّةٍ وضوابطَ أخلاقيّة هوَ الذي يُعدُّ إرهاباً.

وبذلكَ يتّضحُ تعنّتُ التيّاراتِ المُناهضةِ للإسلام عندَما ساوَت بينَ الجهادِ الإسلاميّ والإرهاب، معَ أنَّ النّصوصَ الإسلاميّةَ صريحةٌ في إقامةِ الجهادِ على أساسِ العدلِ ورفضِ الظلمِ وردِّ المُعتدي.

فالجهادُ في الإسلام يشملُ كلَّ جهدٍ يبذلهُ الإنسان في سبيلِ إقامةِ الحقِّ وبسطِ العدل، ابتداءً مِن تربيةِ النفسِ وتهذيبِها التي اُعتبرَت جهاداً أكبرَ في قبالِ الجهادِ الحربيّ، مروراً بجهادِ شياطينِ الجنِّ والإنس الذينَ يسعونَ في الأرضِ الفساد، مُضافاً إلى جهادِ الفكرِ والمعرفةِ والبحثِ عن الحقيقةِ، قالَ تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحسِنِينَ)، وانتهاءً بالقتالِ الذي يأتي في مرحلةٍ مُتأخّرةٍ بعدَ أن يعملَ الإسلامُ على إصلاحِ الإنسانيّةِ وتربيتِها.

ومعَ أنَّ طبيعةَ الحروبِ البشريّةِ تعودُ في معظمِها إلى تباينِ المصالح، إلّا أنَّ الإسلامَ لا يجيزُ الجهادَ على هذا الأساس، وإنّما يحرّمُ أيَّ قتالٍ فيه ظلمٌ وتعدٍّ على حقوِق الآخرين.

وقد حدَّدَ القرآنُ ضابطاً دقيقاً للحروبِ الإسلاميّةِ بقولِه: {وقاتلوا في سبيلِ الله الذينَ يُقاتلونَكم ولا تعتدوا إنَّ اللهَ لا يحبُّ المُعتدين}، فقد حرّمَت الآيةُ بشكلٍ واضحٍ وصريح الاعتداءَ في حينِ سمحَت بحملِ السّيفِ في وجهِ الظالمِ والمُتعدي.

وقالَ تعالى: {وقاتِلوا المُشركينَ كافّةً كما يقاتلونَكم كافّة} وتبيّنُ هذهِ الآيةُ أنَّ قتالَ المُشركينَ ليسَ لأنّهم مُشركين وإنّما لكونِهم مُقاتلين.

وعليهِ فإنَّ القتالَ في القرآنِ يقومُ بدورِ تنظيمِ سنّةِ التدافعِ البشريّ ويقيمُها على أساسِ الحقِّ وردِّ الظلمِ ونصرةِ المُستضعفين قالَ تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بأنّهُم ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصرِهِم لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَولَا دَفعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَّهُدِّمَت صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذكَرُ فِيهَا اسمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).

وقالَ تعالى: (وَمَا لَكُم لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُستَضعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالوِلدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخرِجنَا مِن هَٰذِهِ القَريَةِ الظَّالِمِ أَهلُهَا وَاجعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا).

والدليلُ على أنَّ القرآنَ لا يحبّذُ القتالَ ويفضّلُ السلمَ والتفاهمَ هوَ أمرُه بتركِ القتالِ في حالِ توقّفِ الاعتداء قالَ تعالى: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلمِ فَاجنَح لَهَا وَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ).

وعليه: فإنَّ حروبَ رسولِ الله (صلّى اللهُ عليهِ وآله) تقعُ في إطارِ إقامةِ الحقِّ ومنعِ الظلمِ والفسادِ وردِّ المُعتدي.

فلا يمكنُ أن تدورَ حولَها شُبهةُ الإرهاب.

جاءَ في كتابِ بحوثٌ معاصرة للشيخِ محمّد السّند: (إنّنا يجبُ أن نُفرّقَ بينَ سيرةِ النبيّ، وسيرةِ مَن بعدَه عموماً، وأنّ حروبَ النبيّ ابتداءً مِن بدر، وحتّى تبوك لم تكُن حروباً تمثّلُ الجهادَ الابتدائيّ، بل كلّها حروبٌ دفاعيّة، والشاهدُ على ذلكَ أنَّ غزوةَ بدر لم يقُم بها النبيّ صلّى اللهُ عليهِ وآله إلّا بعدَ أن قامَت قريش بالاعتداءِ على المُسلمين، وعلى أموالِهم في مكّةَ المُكرّمة، بل كانَت قُريش تعتدي على المُسلمينَ حتّى في المدينةِ المنوّرةِ على شكلِ غاراتٍ ليليّة، فكانَ هدفُ النبيّ صلّى اللهُ عليهِ وآله وقفَ العدوانِ القرشي، والاقتصاصَ مِن قُريش فلذلكَ هجمَ على قافلةِ قُريش التي كانَ يقودُها أبو سفيان، وحينَها نزلَ قولهُ تعالى: «وَإِذ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحدَى الطَّائِفَتَينِ أَنَّها لَكُم وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيرَ ذاتِ الشَّوكَةِ تَكُونُ لَكُم وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ»، ونجَت قافلةُ أبي سُفيان منَ المُسلمينَ الذينَ كانوا يبنونَ على المقاصّةِ الماليّة، والمقاصّةُ الماليّةُ منطقٌ دفاعيّ، وليسَ منطِقاً عدوانيّاً، وليسَ جهاداً ابتدائيّاً، كما هوَ مطروحٌ في فقهِ المذاهبِ الإسلاميّة، وأنَّ أبا سُفيان قد أرسلَ إلى جيشِ قُريش قائلًا: إنَّ العيرَ قَد نجَت، ولا حاجةَ للحرب، إلّا أنَّ قُريشاً بخيلائِها وكبريائها أبَت الرّجوعَ عن الحَرب‌، وعُتبةُ قد نصحَ قُريشاً أن لا تعتدي على النبيّ صلّى اللهُ عليهِ وآله، وأن لا تحاربَه، وكانَ النبيّ صلّى اللهُ عليهِ وآله يقول: إن يكُن في القومِ أحدٌ يأمرُ بخير فعسى أن يكونَ صاحبَ الجملِ الأحمر، وكانَ عتبةُ هوَ الراكبُ على الجملِ الأحمر، حيثُ كانَ يريدُ أن يُثنيهم عَن ذلك، إلّا أنَّ أبا جهلٍ قالَ له: «جبنتَ وانتفخَ سحرُك»، فابتدأ القتال‌.

ولكن لم يكُن الابتداءُ مِن طرفِ النبيّ صلّى اللهُ عليهِ وآله، بل هوَ مِن طرفِ قُريش، بدءاً بالعدوانِ الماليّ والعرضيّ والأمنيّ، وانتهاءً بساحةِ المعركة، إذن هذهِ هيَ معركةٌ دفاعيّة.

وفي غزوةِ أُحد كانَ الكفّارُ قد أتوا للانتقامِ منَ المُسلمين، وفي غزوةِ الخندقِ كذلك ابتدأ الكفّارُ بالحرب، وأمّا غزوةُ تبوك فهيَ عبارةٌ عن الاستعدادِ الرّادعِ لطُغيانِ الرّوم الذينَ كانوا يهدّدونَ المُسلمين، وكذلكَ غزوةُ مؤتة التي استشهدَ فيها زيدُ بنُ حارثة، وعبدُ اللَّه بنُ رواحة، وجعفرٌ الطيّار، والصّحيحُ أنّ جعفراً الطيّار هوَ أوّلُ مَن استشهدَ في هذهِ المعركة، وليسَ زيداً بنَ حارثة، كما تذكرُ بعضُ المصادر، وكذلكَ في غزوةِ حُنين، وما فعلَتهُ قبيلةُ هوازن مِن تهديدِ المُسلمين، وعندَما دخلَ النبيّ صلّى اللهُ عليهِ وآله إلى مكّةَ فاتحاً أخذَ الرايةَ أحدُ الصّحابةِ قائلًا: «اليومُ يومُ الملحمةِ اليومُ تُستحلُّ الحُرمة» فأمرَ النبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وآله عليّاً أن يأخذَ الراية، ويقول: «اليومُ يومُ المرحمةِ اليومُ تُحفَظُ فيه الحُرمة» حتّى إنَّ النبيَّ عاملَ البيتَ الذي طالما ناصبَهُ العداءَ والحِقد، وهوَ بيتُ أبي سفيان برفق، حيثُ قالَ صلّى اللهُ عليهِ و آله: «مَن دخلَ دارَك يا أبا سُفيان فهوَ آمن»، وعندَما قالَ لهُم صلّى اللهُ عليهِ وآله: «ما تظنّونَ وما أنتُم قائلون؟» قالَ سُهيل: «أخٌ كريمٌ وابنُ عمٍّ كريم»..)

أمّا ما حدثَ في التاريخِ الإسلاميّ مِن حروبِ الردّةِ وما بعدَها مِن فتوحاتٍ إسلاميّة فإنَّ الإسلامَ لا يتحمّلُ تبعاتِ ما حدثَ فيها مِن تجاوزاتٍ طالما لم تكُن بأمرِ رسولِ الله أو الأئمّةِ المعصومين.