كيف يكون الإنسان مكرماً والإسلام يحكم بنجاسة الكافر؟

سؤال: أين الكرامة التي أعطاها الإسلام للإنسان وهو يحكم بنجاسة الكافر؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

ممّا لا شك فيه أنّ الله كرّم الإنسان بما هو إنسان بعيداً عن إيمانه أو كفره، والدليل على ذلك قوله تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}، فالتكريم عام لجميع بني آدم كما نصّت الآية، يقول العلّامة الطباطبائيّ في تفسير هذه الآية: (وبذلك يظهر أنّ المراد بالآية بيان حال لعامّة البشر مع الغضّ عمّا يختصّ به بعضُهم من الكرامة الخاصّة الإلهيّة والقرب والفضيلة الروحيّة المحضة، فالكلام يعمّ المشركين والكفّار والفساق، وإلّا لم يتم معنى الامتنان والعتاب) [تفسير الميزان ج13 ص155].

فوصف الإنسانيّة وصف مشترك بين المؤمن والكافر، وهذا الوصف كافٍ لإثبات الكرامة لكليهما، يقول الإمام عليّ (عليه السلام) في عهده لمالك الاشتر: « الناس صنفان: إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق » [نهج البلاغة ج3 ص84].

واستحقاق الإنسان لهذه الكرامة لا يعود إلى فعلٍ فعله فجعله كريماً، وإنّما يعود إلى تكريم الله تعالى له، وتمييزه عن كثير من خلقه، يقول الفخر الرازيّ: (ولمّا ثبت أنّ الإنسان موجود ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يوجد إلّا بإيجاد الواجب لذاته، ثبت أنّ كلّ ما حصل للإنسان من المراتب العالية والصفات الشريفة فهي إنّما حصلت بإحسان الله تعالى وإنعامه، فلهذا المعنى قال تعالى: {ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَم}، ومن تمام كرامته على الله تعالى أنّه تعالى لمّا خلقه في أوّل الأمر وصف نفسه بأنه أكرم فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ * اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ}، ووصف نفسَه بالتكريم عند تربيته للإنسان فقال: {ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَم}، ووصف نفسه بالكريم في آخر أحوال الإنسان فقال: {يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ}، وهذا يدلّ على أنّه لا نهاية لكرم الله تعالى ولفضله وإحسانه مع الإنسان) [تفسير الرازي ج21 ص15].

وبذلك يتّضح أنّ الكرامة لها معنى ذاتيّ يلحق بالإنسان بما هو إنسان، ومعنى عارض يلحق بالإنسان بما هو فاعل مختار، فالمؤمن مثلاً له كرامة لكونه إنساناً، وله كرامة لكونه مؤمناً، والإيمان هنا هو فعل الإنسان وكسبه، بينما الكافر له كرامة لإنسانيّته، وليست له كرامة لكفره.

ومن موجبات كرامة الإنسان أنّ الله خلقه وهو مفطور على الإيمان، يقول تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، أي أنّ الله ساوى بين جميع البشر في الجبلة المستقيمة، فلا تفاوت بينهم في ذلك، والذي ينحرف عن ذلك يكون قد تنازل بمحض إرادته عن موجبات الشرف والتكريم.

وتأكيداً لهذه الكرامة الإنسانيّة لم يجعل الله الإيمان أمراً مفروضاً على الإنسان، وإنّما جعله حرّاً في اختياره ولم يجبره على ذلك، يقول تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}، ويقول: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}.

وعلى ذلك فمَن يختار الكفر على الإيمان يكون قد فرّط في شرف الإيمان وكرامته؛ وذلك لأنّ الكافر بكفره إنّما يتمرّد على فطرته وإنسانيّته، بخلاف الإيمان الذي هو إقرار وتصديق بما في الفطرة من حقائق جلبت له الكرامة والشرف، وقد رسم الإمام الباقر (عليه السلام) قاعدة عامّة في مسألة الاِيمان والكفر بقوله: « كلّ شيء يجرّه الاِقرار والتسليم فهو الاِيمان، وكلّ شيء يجرّه الاِنكار والجحود فهو الكفر » [الكافي ج2 ص387].

أمّا فيما يتعلّق بنجاسة الكافر فهو حكم شرعيّ معلّل بالكفر، ويزول بمجرّد الإيمان، فالكافر بما هو إنسان خلقه الله وكرّمه ليس نجساً، ولا يحكم بنجاسة الإنسان إلّا بعد جحوده وإنكاره للحقّ، ومتى ما تاب عن ذلك زال عنه الحكم، وهناك نقاش مفصّل في الكتب الفقهيّة الاستدلاليّة حول هذه المسألة ولا حاجة لإثارتها هنا، والمهمّ في الأمر أنّ النجاسة لها علاقة بعنوان الكفر تدور معه وجوداً وعدماً، وهذا لا يتعارض مع كرامة الإنسان بما هو إنسان وإنْ كان يتعارض مع كرامة المؤمن بما هو مؤمن.

يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: (إنّ الإنسان له بعدان وجوديان، ولذلك يستطيع في منحناه الصعوديّ أن يرتقي إلى أعلى عليّين، وفي منحناه النزوليّ إلى أسفل سافلين. إذا خضع للتربية الإلهيّة واستلهم نداء العقل، وبنى نفسه كان مصداقاً لقوله سبحانه: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}. وإذا أعرض عن الإيمان والتقوى، وخرج عن خط أولياء الله كان موجوداً ظلوماً كفّاراً ويؤوساً وكفوراً وهلوعاً وكنوداً. نعم، في داخل فطرة الإنسان تمتدّ جذور كلّ الحسنات والمفاخر والفضائل، كما أنّ فيه استعداداً لما يقابل هذه الفضائل) [تفسير الأمثل ج20 ص402].