كيف نقل أمير المؤمنين عليه السلام من مسجد الكوفة الى محل قبره الان ؟

: سيد رعد

السّلامُ عليكُم ورحمةُ الله:  

يذكرُ السّيّدُ ابنُ طاووس في كتابِه (فرحةُ الغري، ص32): أنَّ أميرَ المؤمنينَ (عليه السّلام) أمرَ إبنَهُ الحسنَ أن يحفرَ لهُ أربعةَ قبورٍ في أربعةِ مواضعَ: في المسجدِ، وفي الرّحبةِ (قربَ منزلِه)، وفي الغري، وفي دارِ جعدةَ بنِ هبيرةَ، وإنّما أرادَ بهذا أن لا يعلمَ أحدٌ مِن أعدائِه موضعَ قبرِه (عليه السّلام). وينقلُ السّيّدُ مُحسن الأمينُ في (أعيانِه 1/ص534)، عَن إبنِ أبي الحديدِ في شرحِ النّهجِ عَن أبي القاسمِ البلخيّ أنّه قالَ: إنّ عليّاً (عليهِ السّلام) لـمّا قُتلَ قصدَ بنوه أن يُخفوا قبرَه خوفاً مِن بني أميّةَ أن يُحدثوا في قبرِه حدثاً؛ فأوهموا النّاسَ في موضعِ قبرِه تلكَ اللّيلةَ، وهيَ ليلةُ دفنِه. ويؤكّدُ الشّيخُ المُفيدُ في كتابِه (الإرشاد، ص12): أنّ الحسنَ والحُسينَ بأمرِه حملاهُ إلى الغري من نجفِ الكوفةِ فدفناهُ هناكَ وعفيا موضعَ قبرِه بوصيّةٍ كانَت منه، خوفاً أن يعلمَ بهِ أعداؤه وأعوانُهم فينبشوهُ، مـمّا يحملُ أهلَه ومحبّيهِ على المُحاربةِ والمُشاققةِ التي أغضى عنها (عليهِ السّلام) في حالةِ حياتِه، فكيفَ لا يرضى بتركِ ما فيهِ مادّةُ النّزاعِ بعدَ وفاتِه؟ (ينظر: إبنُ طاووس: فرحةُ الغري، ص: 25). 

فإذن: العملُ كانَ مقصوداً بأمرِ الإمامِ نفسِه، وذلكَ للتّمويهِ وعدمِ جعلِ القبرِ مادّةً للنّزاعِ والحروبِ والإقتتالِ بينَ أهلِه ومُحبّيهِ مِن جهةٍ، وأعدائِه ومناوئيهِ مِن جهةٍ أخرى، وكانَ لهُ ما أرادَ، ومِن هُنا تعدّدَت الرّواياتُ ووُضعَت الإحتمالاتُ ممّن يعرفُ الحقيقةَ وسرّ أهلِ البيت. 

ولكنَّ أهلَ البيتِ (عليهم السّلام) يعرفونَ حقّ المعرفةِ مكانَ قبرِه الشّريف، إذ يروى عنِ الإمامِ الحسنِ (عليه السلّام) خرجنا إلى الظّهرِ بجنبِ الغري .( ينظر: الأصفهانيّ: مقاتلُ الطّالبيين، ص42)، قريباً منَ النّجفِ يُسرةً عنِ الغري، يُمنةً عنِ الحيرةِ، فدُفنَ بينَ ذكواتٍ بيضٍ وذلكَ قبلَ طلوعِ الفجرِ، ودخلَ قبرَهُ الحسنُ والحسينُ ومحمّدٌ بنو عليّ (عليهِ السّلام) وعبدُ اللّهِ بنُ جعفرٍ. (ينظر: الشّيخُ المُفيد: الإرشادُ، ص: 19). وهنالكَ أحاديثُ مأثورةٌ عنِ الإمامِ الصّادقِ (عليه السّلام) أيضاً: أنّ أميرَ المؤمنينَ (عليه السّلام) قد دُفنَ بينَ ذكواتٍ بيضٍ بعدَ إجتيازِ الثّويةِ والقائمِ المائلِ نحوَ النّجفِ، وهيَ التّلالُ الصّغيرةُ المُحيطةُ بقبرِه الشّريفِ وعليها دورُ البلدةِ المُقدّسةِ اليومَ، إحداها في شمالِ القبرِ الشّريفِ وتُعرفُ بجبلِ الدّيكِ، والثّانيةُ في جنوبِه الشّرقيّ وتُعرَفُ بجبلِ النّورِ، والثّالثةُ في جنوبِه الغربيّ وعُرفَت أخيراً بجبلِ شرفشاه. [ينظر: موسوعةُ العتباتِ المُقدّسةِ ج6/ص79، وكتابُ محبوبة ج1/ص20-25]. 

وعلى كلِّ حالٍ فإنّ جميعَ مصادرِ الشّيعةِ تؤكّدُ بشكلٍ حاسمٍ أنّ قبرَ أميرِ المؤمنينَ (عليهِ السّلام) في النّجفِ الأشرِف حيثُ مشهدُه اليومَ، ويعدُّ الأمرُ غيرَ قابلٍ للتّأويلِ، ووضعِ الإحتمالاتِ؛ لذلكَ يقولُ السّيّدُ مُحسن الأمين في (أعيانه 1/535): أمّا الشّيعةُ فمُتّفقونَ خلفاً عن سلفٍ نقلاً عَن أئمّتِهم أبناءِ أميرِ المؤمنينَ (عليه السّلام) أنّه لم يُدفَن إلّا في الغري في الموضعِ المعروفِ الآن، ووافقَهُم المُحقّقونَ مِن علماءِ سائرِ المسلمينَ والأخبارُ فيهِ متواترة. 

ومِن هذهِ الأخبارِ المُتواترةِ، ما يذكرُه كلٌّ مِن إبنِ أعثمَ الكوفيّ في (الفتوحِ 1/ص509): أنّ أميرَ المؤمنينَ (ع) دُفنَ في جوفِ اللّيلِ الغائرِ بالموضعِ الذي يُقالُ له الغري... ، والأصفهانيّ في مقاتلِ الطّالبينَ، ص42): حتّى خرجنا إلى الظّهرِ بجنبِ الغري، وإبنُ الطقطقيّ في (الفخري، ص90) : أمّا مدفنُ أميرِ المؤمنينَ (عليهِ السّلام) فإنّهُ دُفنَ ليلاً في الغري، ثمّ عُفيَ قبرُه إلى أن ظهرَ حيثُ مشهدُه الآنَ، وأبي الفداءِ في (المُختصرِ 1/ص93): والأصحُّ الذي إرتضاهُ إبنُ الأثيرِ وغيرُه أنّ قبرَه هوَ المشهورُ بالنّجفِ وهوَ الذي يُزارُ اليومَ، وإبنُ الوردي في (تتمّةِ المُختصرِ 1/ص249) : والأصحُّ الذي إرتضاهُ إبنُ الأثيرِ وغيرُه أنّه بالنّجفِ، أمّا إبنُ الأثيرِ في (الكاملِ 3/ص261) فيقولُ: والأصحُّ أنّ قبرَه هوَ الموضعُ الذي يُزارُ ويُتبرّكُ به. ودمتُم سالِمين.